احترس من العفريت الذي وراءك.. لقد قتلتك.. اسحقه.. ما هي آخر أخبار المطربة فلانة وعلانة وترتانة؟!.. وماذا عن الألبوم الأخير للمطرب الفلاني والبوستر الأخير للممثل العلاَّني.. إلخ.
هذه هي أبرز اهتمامات كثير من الشباب في عصر الإنترنت؛ حيث الألعاب والفيديو كليب بل ومواقع التسالي والدردشة والانحراف الأخلاقي، كل هذه هي العناوين الأبرز لدى الشباب، وللأسف الشديد على أهمية هذا الوسيط الثقافي والمعرفي الجديد (الإنترنت) فإنَّ شبابنا وأولادنا لم يجدوا فيها سوى الألعاب والأغاني والإباحيات، متجاهلين بحور العلم والثقافة الأخرى التي تحتوي عليها الشبكة العنكبوتية في كل المجالات.
وفي ظل الظروف التي تقدمت فيها التكنولوجيا ووسائل الإنترنت المختلفة غاب مع هذا دور الكتاب والقراءة وأصبحت تسالي الإنترنت وألعابه مسيطرةً على فكر الناشئة والشباب وعمَّ الغزو الفكري في هذا المجال أوساط الشباب الذين هجروا القيم والعادات، وانشغلوا بتقليد الوافد.
ونظرًا لاعتبار الطفولة من أهم المراحل في حياة الإنسان والفترة ذات التأثير الأكبر لمجمل سلوكياته مستقبلاً، فلا بد من محاربة هذا العدو الذي يأخذ بأطفالنا إلى الدمار، بما يفرض على كل من الأسرة والمدرسة والإعلام ودور العبادة وغيرها من أفنية التربية والتوجيه في مجتمعنا التوجه التصدي لاستحقاقات هذه الحرب.
وفي هذا السياق أُثيرت مجموعة من الأسئلة ذات الصلة بهذه القضية التي تُهَدِّد هوية الأمة وثقافة المجتمع المصري، ومن بين أهم هذه الأسئلة المطروحة على هذا الصعيد: هل يصمد أدب الناشئة والشباب أمام الإنترنت والألعاب وأمام ارتفاع أسعار المطبوعات؟!
![]() |
|
عاصم شلبي |
الناشر عاصم شلبي يقول إنَّ التطور التكنولوجي لن يغني عن الكتاب الورقي فعلى الرغم من أن الطاقة التكنولوجية واضحة وفي تقدم مستمر إلا أنها لن تؤثر على الكتاب ويضيف "ومن الواضح أن معدلات الاهتمام بالكتاب قد زادت مع اتساع مساحة الإتقان والقراءة لدى القارئ".
ويؤكد أن الكتاب الورقي ليس مهمًّا عند الأطفال فقط بل مهم عند كل الشرائح ويقول إن شيئًا من هذا القبيل لم تؤثر حتى الآن عليه عمليات الغزو الفكري المتمثلة في الإنترنت وألعاب الكمبيوتر، ولكن الكتاب له رونقُه وبريقُه الذي يجذب القارئ ويجعله متشوِّقًا له في أي وقت، فهناك أطفال وشباب كثيرون يدخلون المكتبات وحريصون كل الحرص على شراء الكتب ومتابعتها وأيضًا استخدام التكنولوجيا وعلى زيادة معرفتهم وتثقيفهم.
وبالنسبة للأسعار قال عاصم شلبي: "نعم هناك زيادة وبنسبة 10%، ولكن الغلاء ليس قاصرًا على سعر الكتب فهناك زيادة في الصحف والمجلات بل زيادة على كل شيء، ويمكن أن يقلَّ معدل التوزيع ولكن بعد ذلك يأخذ شكله الطبيعي".
ويوضح أنَّ التأليف في مجال الطفل وقراءاته عملٌ يستوجب الإلمام بحاجات الطفل النفسية والأخلاقية، فضلاً عن المتطلبات العلمية ومستويات اللغة، لافتًا إلى ندرة الدراسات العلمية المتخصصة في هذا المجال الذي اتسع مداه في الآونة الأخيرة، وأضحى مطلبًا مهمًّا لكثير من الأسباب، وأبرزها إيجاد نماذج قصصية بنائية هادفة، ووضْع أسس علمية لهذا النمط من الأدب.
الكتابة للناشئة أصعب من الكتابة للكبار، فالكاتب لا بد أن يلازمه تصوُّر للفكرة، وأنْ يكون مبدعًا لأنَّه يتناول عقولاً حالمة، فهذا التخصص صعب جدًّا، فلا بد من أن يكون له استعداد لأنه عالم كبير وبه أحلامه وابتكاراته وطموحه؛ لأنها تخاطب إمكانيات وتصورات جيل جديد مع الاختلاف مع الأجيال السابقة.
ويرى الناشر عاصم شلبي أن الاهتمام يزداد ويتسع يومًا بعد يوم، وأن هناك كتابًا كثيرين يكتبون في هذا المجال وهم في زيادة مستمرة.
الأسرة الأساس
ويقول جلال عمران (رسام كاريكاتير للأطفال في مجلة "علاء الدين"): إن الإعلام هو أقوى الجهات التي توجِّه الناشئة والشباب، فالإعلام المضادّ الذي يكتسبه الناشئة وقطاع الشباب يكون بدون وعي وإدراك، فعلى كل من الأسرة والمدرسة والمسجد ترسيخ القيم والمبادئ والأخلاق، وتأصيل وتعزيز القيم الإيمانية والوطنية والاجتماعية فيه، وحمايتها من الانحراف والتيارات التغريبية الوافدة.
فالتوجيه الأسري هو الأساس، فلا بد أن تسلِّح الأسرة أبناءها بهذه العادات التي تساعدة على تخطِّي كل التوجيهات الغربية التي تأتي إليه من الخارج، ويُعتبر الغزو الفكري هو السلاح التي تتبعه كثير من دول الغرب لكي تنال من شبابنا.
ويشير إلى أن المدرسة لها دور كبير في ترسيخ قيم الأخلاق والمبادئ لدى الطلاب، وأيضًا التوجيه الإعلامي والتركيز على برامج الشباب والأفلام والمبادئ التي تعلمنا التاريخ والحضارة التي غابت عن أذهان أبنائنا.
وأوضح أن تجربة الكتابة للناشئة والشباب في عالمنا العربي لا تلقى التشجيع والاهتمام المطلوبين، رغم حاجتنا القصوى لمثل هذه التجربة التي تصطدم بإصدارات الغرب.
ويرى جلال عمران أن دور الكتاب بالنسبة للطفل ليس ترفًا، أو لمجرد التسلية وتضييع الوقت، بل هو حاجة أساسية مثل حاجته إلى الماء وللهواء، وأكد أن الكتاب الخاص بالطفل لا يزال يعامل كاكسسوار وليس كضرورة ملحة، فالإنسان في مطلع نشأته يحتاج إلى كمية كبيرة من الثقافة والوعي والإدراك لواقعه، مبينًا أن حسن اختيار الكتاب يعني بالتالي حسن استيعاب المعلومات، وأيضًا لا بد من حث الأدباء والمبدعين لكتابة أدب الناشئة، وتوطيد الصلة بوسائل الإعلام وتقديم النصوص التي ترتقي بما تنتجه من برامج.
وحول سعر المطبوعات قال: إنه يتوقف على شقَّين: أولهما: يمكن لشخص شراء الكتب ويكون قادرًا على امتلاكها، والشق الثاني: وهو توفر المكتبات في كل مكان، فمن يهوَ القراءة يمكن أن يستعير الكتب ويستمتع بهذه الهواية بعيدًا عن تكلفة شرائها وارتفاع أسعارها؛ لأن المكتبات بها العديد من مختلف الكتب وفي جميع العلوم: السياسية والأدب والفن والرياضة والثقافة وغيرها.
وأوضح أننا لا نستطيع أن نتحكَّم في سعر الكتب ولا الورق ولا المطبوعات؛ لأننا محكومون بأسعار عالمية، فليس لدينا بديل غير المكتبات.
وحذَّر من أن الفراغ هو الذي جعل أبناءنا يتجهون إلى عالم الإنترنت، فنجد كلاًّ من الأب والأم مشغولين عن الأبناء، وأيضًا نجد أن أبناءنا لديهم وقت فراغ كبيرًا، فكل منهما يستغله في السوء والعبث، وأيضًا المادة التي يقدمها التليفزيون والقنوات الفضائية التي تعرض كل ما هو سيئ من فيديو كليب ورقصات عارية وأغانٍ هابطة وتمثليات رخيصة التي لا نستفيد منها شيئًا، فأصبح أمام كل من الناشئة والشباب التوجه بفكرهم إلى عالم الإنترنت الذي وجدوا فيه مضيعةً للوقت في الانغماس في الألعاب وفي الشات الذي يفسد أخلاقهم وفي المواقع الإباحية؛ لذا لا بد أن نقترب من هؤلاء الناشئة والشباب ونعلمهم أن يقتدوا بالأفضل ونحاول أن ننمي فيهم روح القراءة ونوجههم إلى الذهاب إلى المكتبات؛ لأن التعليم فيها يكون على أساسٍ من الوعي والاحترام، فهي توجهه للتعليم ومعرفته للتكنولجيا ولكن بالطريق السليم الذي يدفعهم للأمام.
القدوة
وقالت ميرفت محمد (باحثة تربوية): إن طريقة الأسرة في معاملة أولادها ووجود القدوة هو الذي يجعل الطفل يحب القراءة منذ الصغر ويبعده عن كل ما هو سيئ وتضيف: "إن تخصيص 10 دقائق للقراءة يتيح للطفل بعد ذلك أن يحب القراءة، فالاقتناع بالقراء شيء جميل جدًا".
وأشارت إلى أن الطفل له عالمه الخاص، يتخيله ويعيش فيه، والقراءة تنمِّي حاسة الإبصار بعكس مشاهدة التليفزيون والكمبيوتر وألعاب الـ(دى في دي) التي تساعد القارئ أن يرى كلمات واضحة وعبارات مفهومة تساعده على الحفظ، وأيضًا تساعد الطفل على أن يكون اجتماعيًّا، فجو المكتبة يعتبر جوًّا مريحًا، أو يكون يقرأ مع جيرانه، والأسرة هنا لها دور كبير في توفير هذا الدور، والإقناع هو الذي يساعد الطفل على حب القراءة، وتحذر الأسرة من أن تستسهل ترك الطفل أمام التليفزيون ويلعب ألعاب الكميوتر رغم خطورة ذلك.
كما أن القراءة تساعد على الصبر عكس البرامج المسموعة والمرئية؛ مما يسهل عليه التحول بالريموت والتعود على أسلوب الراحة والتكاسل، وتضيف: إن القراءة تورد الأحداث بأسلوب منطقي عكس مشاهدة الأفلام أو الألعاب التي ليس لديها تسلسل منطقي وتجعله غير منتمٍ للمعلومة ولكن الكتاب يستطيع أن ينمي ويكمل ويستفيد من المعلومة، ومن جانب آخر فإن القراءة تعود على الفهم.
أما الوسائل المرئية والمسموعة فلا تعطي فرصةً للفهم، أما الجانب السلبي والإيجابي للوسائل المرئية والمسموعة فلها إيجابيات في تناول المعلومات بسرعة ولكن لا تعطي المعلومة بدقة، وأيضًا من سلبياته تكون مؤثرةً على سيكولوجية الجسم، وأيضًا هذه الأدوات تجعله يكتسب عملية الانطواء فيكتسب أمورًا تخرج عن إرادته.
وردًّا على زيادة المطبوعات قالت: نحن الذين نجاري وننافس على أساليب التكنولوجيا الحديثة "نرى من يقوم ويتفاخر بشراء أحدث الكمبيوترات مثل "لاب توب" وأيضًا غزو المدارس الأجنبية، فلو قللنا الطلب على شراء هذه المتطلبات لكان السعر بالطبع أقلّ.
وتقترح أن تقوم بعمل الكتاب بأيدينا ونعمل له الغلاف أو نستغلّ ما هو مفيد في الكمبيوتر من برامج، مثل برامج "البوَر بوينت"، فالأسرة هنا لها عامل كبير في هذا الجانب وإقناع أطفالها وتعريفهم للكمبيوتر بطريقة يستفيدون منها، فمن الواضح أن كل المطبوعات أصبحت مرتفعةً، وهذا يتقبله الناس بشكل كبير.
وأخيرًا تؤكد على دور الأسرة بالاهتمام بالطفل وإنشاء مكتبة صغيرة له ويكون بداخلها بعض الكتب التي تعمل على انجذابه، ولا بد أن تراقبه وتساعده على الفهم والإدراك لكي ينمِّي قدراته العقلية والفكرية.
المجلة الإسلامية
![]() |
|
د. رشاد لاشين |
ويؤكد ضرورة الالتزام بالواقعية قائلاً: "لنكُن واقعيين، لا زالت هناك شريحة كبيرة لا تتعامل مع النت، ولا تزال المادة المكتوبة لها بريقها وسهله التداول".
ويضيف: أنا عندي أولادي يتعاملون مع النت، ومع هذا لا يزال ارتباطهم قويًّا بالمجلات لحدٍّ كبير، ويطلبون منا أن تكون لنا مجلات متميزة مثل "ماجد" أو غيرها، وأشار إلى أنه يجب أن نفكر لكل الشرائح وكل المستويات، ونعمل على تغطية كل الميادين، أن تكون لنا مواقع نت متميزة وكذلك كتيبات ومجلات متميزة، وعلى الأعم النت يتغلب بشكل أكبر عند الشريحة التي تتعامل معه.
وحول ارتفاع الأسعار قال: إنه عائق حقيقي أمام شريحة كبيرة من المجتمع، ولا بد أن نفكر في تخفيض سعر المطبوعات، وطالب بأن يتم العمل على نشر الفكرة الإسلامية وأدبياتنا الراقية، في كل الشرائح وبما يناسب كل شريحة على حدة، فالطبقة ذات المستوى الاقتصادي العالي نوفر لها المواد الإلكترونية عالية السعر، وتكون متميزة وذات صبغة إسلامية، نتعامل مع كل الآليات المتوفرة طالما هناك من يطلبها ويحرص عليها.
وبالنسبة لكاتب الناشئة قال لاشين: هذا أمرٌ يجب أن تُشدُّ له الرحال، وأن تكون هناك دورات أو دراسات يخصص لها عدد من الرجال، وأن تكون هناك ورش عمل لدارسة لغة الحوار المناسبة لشباب هذا الجيل، ومعرفة مفاتيحهم وطرق التأثير فيهم.
ثم تكون هناك وسائل وآليات للتواصل معهم، والتركيز على الوسائل واسعة الانتشار، ويأتي على رأسها الآن، بالترتيب:
1- التلفزيون.
2- النت.
3- الكتاب أو المجلة.
والواقع فعلاً يفتقر إلى الكاتب المتميز الذي ينتظر الجيل كتاباته ويتعلق به، ويتحرق شوقًا لكل ما يصدر عنه.
هذا أمر يجب أن تشد له الرحال، وأن تُعقَد له الورش والحلقات النقاشية، وأن يؤخذ بجدٍّ في ميادين التنفيذ، والعمل على تنشيط كل المسارات.
لا بد من تربية الأسرة وتعويد أبنائها على حب القراءة، وأن نرفع الشعار الرائع العظيم أن أول آية نزلت في قرآننا العظيم (اقْرَأْ)، وأنه كلما ازداد الإنسان قراءةً ازداد كرامةً لقول الله تبارك وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾ (العلق).
، وأن ضياع القراءة يساوي ضياع الكرامة، وهذا ما يجده كل إنسان في مجاله سواء الطالب أو المدرس أو الطبيب أو المهندس أو المحامي وهكذا.
المسارات التي يجب أن نركز عليها
1- أن تهتم الأسرة بالقراءة.
2- أن يتوفر الكاتب المتميز.
3- وسائل النشر المناسبة.
ويرى د.لاشين أنه لا بد من جمع شمل الأدباء والكتَّاب المتخصصين في أدب الأطفال، لافتًا إلى المعاناة التي يلقاها المتخصص في هذا المجال، من إهمال واضح من وسائل الإعلام، فيما ينال كتاب الأطفال في الغرب اهتمامًا واسعًا في الصحافة.
وضرب مثالاً على ذلك بتجربة "الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله كان مدرسةً في التربية على حب القراءة، كان يوفر مكتبة خاصة لكل ابن من أبنائه، يشتريها له بنفسه، ثم يعطيه مصروفًا شهريًّا في أول كل شهر ليشتري الكتب بنفسه، وكان متوسط مصروف الطفل المصري في الثلاثينيات من ربع إلى نصف قرش".
وأضاف أن الإمام كان يعطي أبناءَه مصروفًا يوميًّا قدره ثلاثة قروش، وكان المصروف الشهري لشراء الكتب 50 قرشًا.

