بعض الكتاب يحاولون أن يقدموا أنفسهم على أنهم مهتمون بالشأن العام للأمة، وأنهم متجردون فيما يكتبون، وفيما ينتقدون، إلا أن القارئ سرعان ما يكتشف عدم تجردهم، من خلال ما تطفح به كتاباتهم من افتراءات وأحقاد ضد تيار معين، قد حصروا أنفسهم في الكتابة عنه، والنيل منه بمناسبة وبغير مناسبة.
ومن هؤلاء "سمير العركي" الذي لم يفلح في مداراة حقده وتحامله على الإخوان !!
وهذا الكاتب ونظراؤه يبنون أوهامهم بأن الإخوان يهاجمونهم عندما يتناولون الشأن الإخواني، بالرغم من خوضهم في أمور ليست شأنا عاما يمكن لكل من هب ودب الخوض فيه، وأنه تتم مهاجمتهم عبر لجان أو أسماء غير معروفة، ومع اعتراف هؤلاء بأن هذه حسابات حديثة النشأة وغير معروفة، لكنهم يصرون بأن أصحابها تابعون للإخوان، وهو تجوز عجيب وغريب.
وكثيرا ما تجده يتصدى لتناول كلِّ حدَث وإسقاطه وربطه بجماعة الإخوان، بمناسبة ودون مناسبة.
وعلى سبيل المثال لا الحصر كتب "العركي" مقالا بالجزيرة مباشر نت بعنوان "صعود طالبان .. يعمّق أزمة الإخوان"،
وذهب إلى أن تداعيات سيطرة حركة طالبان على أفغانستان سيكون هو التداعي الأبرز على الحركة التنظيمية - يقصد جماعة الإخوان المسلمين - وهذا حق أريد به باطل.
وربط ما حدث في تونس بهذه التداعيات ـ على حد زعمه ـ وبدلاً من أن يتحدث عن انقلاب متكامل الأركان قام به "قيس سعيد" الذي خرق الدستور بدعم فرنسيّ، وتمويل إماراتي؛ راح يتناول حركة النهضة معتبرا أن أخطاءها هي التي أدت إلى الانقلاب، وأنا هنا لست بصدد الدفاع عن حركة النهضة للرد على ما ذهب إليه الكاتب أن مجلس القضاء الأعلى في تونس أعلن رفضه لقرار تَرَؤُّسِ النيابةِ العامة ضمن مجموعة القرارات المفاجئة التي اتخذها "قيس سعيد"، وأكد على استقلالية السلطة القضائيّة، وضرورة النأْي بها عن التجاذبات السياسية.
كما أنه من الإنصاف الحديث عن فشل طالبان في إدارة الدولة وانهيارها، واحتلالها من قبل الأمريكان في 2001 مما جعل بوش يقول مختالا: "بجهود جيشنا وحلفائنا والمقاتلين الأفغان الشجعان وصل حكم طالبان إلى نهايته".
ويعتبر الكاتب أن سر نجاح طالبان يكمن في أنها ليست جماعة ذات "مانفستو" تأسيسي، وأفكار جامعة، وأصول عشرين، ونظرةٍ استعلائيةٍ تُصنِّف نفسَها على أنها "المهدي" الذي يسعى إلى أستاذية العالم، لتأسيس النظام الإسلامي العالمي، لكنها حركة محلية تنحصر أهدافها داخل حدود أفغانستان ولا تتعداها.
وهل هناك مانع شرعي أو عقلي في أن يكون لدى الجماعة تنظيم وأصول عشرون لضبط الفهم لدى الأفراد؟ ولماذا يعد الكاتب هذا خطيئة ؟؟!!
ويعتبر حركة طالبان كالأزهر الذي لعب أدوارًا مشابهة عبر تاريخه، أبرزها عقب الاحتلال الفرنسيّ بقيادة نابليون بونابرت عام 1798، وقاد شيوخُ وطلابُ الأزهر الثورة، حتى لجأت القوات الفرنسية الغازية إلى اقتحام جامع الأزهر وتحويله إلى “إسطبل” لخيولهم.
وهذا كلام فيه مغالطة؛ لأن حركة طالبان لها قيادة، وتأخذ من أتباعها بيعة، ولها مكتب سياسي، بعكس شيوخ الأزهر وطلابه الذين شاركوا جموع الشعب في مقاومة الفرنسيين.
ويقول الكاتب: عاش تنظيم الإخوان عشرات السنين في الظل يؤكد لأفراده أنهم الجماعة الأقرب إلى الإسلام، والأحق بالتمكين والاستخلاف في الأرض دون غيرهم.
وهذا تجنٍّ لا يسنده دليل واحد؛ لأن الجماعة لم تكن يوما تعيش في الظل، بل منذ نشأتها وهي تقاوم المحتل البريطاني، وخاضت غمار الجهاد في فلسطين وفي القناة وفي أفغانستان نفسها وفى البوسنة والشيشان، وهذا يعرفه القاصي والداني، كما أنها شاركت في ثورة يناير باعتراف أعتى خصوم الجماعة، ووصلت سدة الحكم، واجتهدت فأصابت وأخطأت، ونجحت وأخفقت، وتآمر عليها القاصي والداني، والمقام لا يتسع للحديث عن ذلك.
ويضيف: لم يكن من المتصوَّر أن يرحب التنظيم لأي صعود "إسلامي" من خارج أطر التنظيم الدولي، فرأينا كيف سارعت الجماعة إلى تأييد انقلاب العسكر على التجربة الديمقراطية في الجزائر، والإطاحة بجبهة الإنقاذ الإسلامية، واحتفظ الإخوان بمكانة في الحكومات التي شكلها العسكر، تزامنا مع العشرية السوداء التي حصدت أرواح آلاف الجزائريين، في سلوك لا يختلف عما فعله حزب النور السلفي المصري عقب انقلاب يوليو 2013.
وهذا كلام مطلق وعام، وتجربة الشيخ محفوظ نحناح في الجزائر تجربة يجب دراستها، فالرجل خاض صراعًا سياسيا مع الفرانكفونية، ووضع قدم الإسلاميين في المشاركة السياسية، وتعرض أربعمائة من أتباعه للقتل والاغتيال، على يد التنظيمات المسلحة، وعلى رأسهم الشيخ محمد بومسلمانى.
وقد نصب الكاتب نفسه معلماً ليعطي أفراد الجماعة دروساً في فقه النصر والهزيمة، قائلا: السؤال الطبيعي لدى قطاع من منتسبي الجماعة: لماذا انهزمنا وانتصرت طالبان؟ هذا القطاع بدا ساخرا من خيار السلمية الذي اعتمدته الجماعة أو هكذا بدا!
ومن الشعار الذي رفعه المرشد العام للجماعة الدكتور محمد بديع “سلميتنا أقوى من الرصاص”، ورغم أن قياس الواقع المصري على الأفغاني خطأ كبير؛ إلا أن الجماعة تدفع ثمن فشلها في إدارة المشهد في جميع مراحله، حتى أنها فشلت في تقديم رواية متماسكة لمنتسبيها تشرح أبعاد ما حدث.
مع علم الكاتب بأن هذه مقولة "سلميتنا أقوى من الرصاص"، قيلت في ظرف معين، لهدف محدد، وهى ليست أحد الأصول العشرين، ولا أحد أركان البيعة، ولكنها مقولة ينظر إليها في الظرف الذى قيلت فيه!!
زد على ذلك أنه لابد من التفريق بين حركة طالبان "كحركة تحرر وطني" تجاهد وتناضل وتكافح لطرد المحتل الأجنبي، وهو بالطبع يحتاج إلى السلاح، وبين "حركة إسلامية مدنية إصلاحية، تنافس للمشاركة السياسية، في ظل أنظمة قمعية أوجدها المستعمر قبل أن يحمل عصاه ويرحل، في ظل دولة قُطْرية تعد بمثابة الصنم الذي يُعبد من دون الله.
وقد قاومت جماعة الإخوان الإحتلال البريطاني واستخدمت السلاح، ضد الاحتلال في منطقة قناة السويس، وكذلك جاهدت العصابات الصهيونية في فلسطين عام 1948.
ويعود الكاتب ليناقض نفسه قائلاً: ورغم التأكيد مرة أخرى على اختلاف الواقع المصري؛ لكن لا ننسى أن الجماعة فرطت في الفرص السلمية التي أتيحت لها على مدار السنوات الماضية، على الأقل لتحسين وضعها وتقليل الخسائر، لكنها لم تفعل، وفرطت فيها بغرابة شديدة!
والكاتب يحمل فقط على جماعة الإخوان ويعتبرها فرطت في الفرص التي أتيحت لها، فلماذا لا تلوم طالبان لأنها فرطت في الفرصة التي أتيحت لها بحكم أفغانستان؛ فالمبدأ لا يتجزأ؟
أما ثالثة الأسافي - كما يقولون – فهي أن يصف الكاتب جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة حكم الرئيس "مرسي" بالإقصائية وهو يعلم أن كلامه يجافى الحقيقة ويكذبه الواقع، وسلوك الجماعة خلال هذه الفترة يدحض مزاعم الكاتب واسألوا أيمن نور وحمدين صباحى وحمدي قنديل وأحمد ماهر وغيرهم من الذين رفضوا التعاون مع الرئيس مرسي – رحمه الله –.
بل إن هذا الكاتب نفسه قد اختاره الإخوان ليكون ضمن أعضاء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وتم تعيينه بالفعل، فلم هذا الجحود والافتراء؟!
ويتغنى الكاتب بما قامت به طالبان من العفو العام الذي أصدرته بحق من كانوا ضدها، بعكس الإخوان الذين أقاموا محاكم التفتيش للجميع، بدءًا من خصومهم، وخاصة من كان يقرر منهم في لحظة ما، ترك تأييد السيسي والتحول إلى معارضته، لنفاجأ بالتفتيش في دفاتره القديمة وفضحه بنشر مقالاته وتغريداته القديمة، وصولا إلى حلفائهم الذين نهشوا لحومهم مع أول بادرة اختلاف، وأطلقوا عليهم لجانا إلكترونية لا ترقب في مؤمن إلا ولا ذمة!
وكل هذا تحامل من الكاتب، وكذبٌ مفضوح، وجب كشفه والرد عليه؛ لأن الكاتب تمادى في ظلمه للجماعة والإساءة إليها، والافتراء عليها، ويناقض نفسه مرات ومرات، دون أن يسوق دليلا واحدا على مزاعمه.
وهكذا يستمر الكاتب، الذي تمكنت البغضاء من قلبه، وصار يطفح الحقد من كلامه، غير متورِّعٍ عن التقول بالكذب، واقتراف الزور والبهتان ضد الإخوان.
وحسْبُنا وحسْبُه قولُ ربِّنا عز وجل "وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُون".