- د. المجدوب: الأم تجني على ابنها وتسلبه شخصيته وهي لا تدري
- د. عبد الرحمن الرفاعي: طاعة الزوج للوالدين لها حدود
- د. سعيد غازي: الشخصية التابعة تعجز عن اتخاذ القرارات
تحقيق: تسنيم محمد
"قالت لي حماتي يوم زفافي وهي تبكي "لقد تزوجتِ أحب أبنائي إلى قلبي فحافظي عليه واعملي على إسعاده" فابتسمتُ دون تعليقٍ فأمي نفسها لم تطلب من زوجي ذلك، ولكن مع مرور الأيام اكتشفتُ أنَّ زوجي بالفعل حبيب أمه وطفلها المدلل فلا تحتمل غضبه ولا شكواه ولا تمل من تذكيري بدوري تجاهه، هذا إلى جانب طلباتِ الزوج التي لا تنتهي والتي لا أجد كلمة شكر أو تقدير بعدها"، هكذا تحدثت (ص.ع) والتي رفضت ذكر اسمها، ولكن هذه القصة ليست الأولى أو الأخيرة في سلسلة تدخلات الأهل بصفةٍ عامةٍ والأم بصفةٍ خاصةٍ في حياة الابن.
وعن أسبابِ الطلاق أظهرت إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر أن 42% من هذه الأسباب ترجع إلى ضيقِ ذات يد الرجل وتدخل الأهل في حياته الزوجية كسببٍ ثانٍ ورئيسي في الطلاق بنسبة 25% ووقعت 6.5% من حالات الطلاق بسبب تحريض أهل الزوج و5.3% لتحريض أهل الزوجة، ولعل هذه النسب المذكورة توضح بما لا يدع مجالاً للشك إلى مدى تدخل الأهل في خراب وتصدع كثيرٍ من البيوت.
وفي دراسة عن "قضايا الزواج في الكويت" للدكتور عيسى السعدي الوكيل بوزارة الشئون الاجتماعية بالكويت أورد أسباب عدة للطلاق رتبها حسب الأهمية فجاء سوء المعاملة بين الزوجين بنسبة 79% وجاء تدخل الأهل من ضمن هذه الأسباب بنسبة 66%.
تقول مديحة محمد- مهندسة شابة-: لم يمر على زواجي سوى عام ونصف العام بعدها لم أعد أحتمل تحكمات والدة زوجي فهو ابن وحيد لوالدته ربَّته على أن تقرر له كل شيء وتتدخل في كل كبيرةٍ وصغيرة فإذا علقت لوحة مثلاً في بيتي ولم تُعجبها تأمر برفعها ولو اشتريتُ شيئًا جديدًا وجاءت لزيارتنا اعترضت عليه فهي تتدخل حتى في أبسطِ الشكليات، ولأننا نسكن في أحد الأدوار العلوية فطلبتُ من زوجي أن يقوم بشراء مكيف هواء إلا أنه ذهب ليسأل أمه أولاً وعندما رفضت اقتنع ولم يشتره.
لبنى عبد الهادي (25 سنة) تقول: تزوجتُ خوفًا من أن يفوتني القطار وبعد زواجي رأيتُ وجهًا مختلفًا للرجل الذي تزوجتُه، والسبب أنني قبلتُ العيش معه في بيتِ عائلته تحملتُ الكثيرَ من المعاملة السيئة لحماتي وأخوات زوجي وصبرت حتى لا أخرج وأنا أجر أذيال الخيبة والندم ولكن فاض الكيل مني بعد إهمال زوجي لي واستماعه لصوتِ أمه وإخوته حتى خرجتُ غاضبةً إلى بيت أهلي طالبةً الطلاق.
ندا معتز- ليسانس آداب 32 عامًا- تعترف بقولها: نعم طلبتُ الطلاق لأن زوجي ابن أمه تُوفي والده وهو صغير وربته أمه وتكفلت به ماديًّا ونفسيًّا كانت تختار ملابسه وأصحابه وتذاكر معه، وعندما جاء لخطبتي لم ألاحظ عليه انصياعه لكل أوامرِ أمه ولم أتوقع أن يكون هذا حاله بعد الزواج فقد تحكمت أمه في ميزانيةِ الأسرة وكنا نأكل ونشرب حسبما تريد، وكانت أمه تختار الأصناف التي نأكلها والبرامج التليفزيونية التي نُشاهدها وأنا لا أعترض لأني أحبه، وعندما بدأت الأمور تزداد سوءًا طلبت الطلاق ولم يعترض لأن أمه لم تعترض.
حماة مسيطرة
وتدخل أم الزوج بشكلٍ سلبي في حياةِ ابنها بعد زواجه يرجعه خبراء الاجتماع والنفس إلى عوامل كثيرة منها إحساس الأم أن ابنها الذي كان يعيش في كنفها ويقضي معها الوقت الطويل ويبادلها المشاعر والعواطف أخذته منها زوجته التي سلبتها حقها ونصيبها في ابنها وسيطرت على اهتمامه ومشاعره وفازت بالنصيبِ الأكبر وليس لها من سلاحٍ إلا أن تتدخل في شئونِ ابنها، أيضًا يعود إلى الأسرةِ التي تمارس فيها المرأة السلطة وتضيع فيها الشخصية المستقلة للفرد فنجده سواء كان رجلاً أو امرأة عديم الوضوح في إدراك حدود العلاقة الزوجية ومدى ارتباطها بالآخرين وتدخلاتهم، وهذا النوع من الأسر يعيش حالةً ليس فيها خصوصيات أو حفظ للأسرار أو احترام لكرامة الزوجية.
ذكاء الزوجة
وفي هذا الإطار يؤكد د. أحمد المجدوب المستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أنَّ الأم تجني على الابن وهي لا تدري، فالأم قد تتملكها الأنانية وتنسى أن هذا الطفل سيكون رجلاً فهي تُسلبه شخصيته في الصغر فلا رأي له ولا قرارَ إلا بعد الرجوع لها خاصةً إذا تربَّى هذا الزوج في بيئةٍ تسيطر فيها الأم على كل أفراد الأسرة بما فيها الزوج والأولاد فعندما يعي الطفل الذي أصبح رجلاً أنه ليس له كلمة في البيت وأن الأب شخصيته ضعيفة والأم هي المسيطرة يعتاد الولد على الاعتمادِ على غيره في اتخاذ قراراته.
كما يرجع الدكتور أحمد المجدوب هذه المشكلة إلى عاملين: الأول: هو التنشئة الاجتماعية للزوج التي تؤدي إلى ضعف شخصيته واستسلامه للأم وعدم اتخاذ القرار فيشير إلى أن الرجل ضعيف الشخصية لا يثق في صحةِ آراء الزوجة، ومن ثَمَّ فهو يلجأ إلى مَن هم أكثر خبرةً وتجربةً فنجده يلجأ للأم أو الأخت الكبرى وأحيانًا زوجة الأخ الأكبر، وذلك لعدم جرأته في اتخاذ القرار.
أما الثاني: فيعود إلى قدرة الزوجة على استيعابِ الزوج والحماة فلا تُركِّز على هذه العقبة بل يجب أن توجه الموقف لصالحها، وهذا سيتطلب وقتًا من الزوجةِ ويتوقف كذلك على مدى ذكائها في تغيير الزوج فمثلاً يجب أن تستبعد الطعن في رأي الحماة وفي حكمها على الأمور فإذا قالت للزوج حسنًا ما قالت لك أمك أو فعلت سيستبعد الزوج سوء نيتها ويدفعه للاطمئنان إلى رأيها، وهذا هو دور الزوجة مع الزوج، أما مع حماتها فكثيرًا ما نرى أن الود يكون مفقودًا بين الزوجة والحماة ولكن على الزوجة أن تطوي حماتها وأن تأخذها في صفها حتى تشكر الحماة لابنها في قرارات الزوجة وتطلب منه أن يسمع لزوجته.
وهنا كما يوضح المجدوب تنجح كثير من الزوجات بذكاءٍ في استيعاب الزوج فتنقل تبعية الزوج للأم التي اعتاد عليها إلى تبعيتها فتعمل وكأنها تشاوره في الأمر وتفعل ما تريد بل يُلبي الزوج طلبات زوجته بكل طاعةٍ كما كان يفعل مع الأم.
حدود الطاعة
ويتفق الدكتور عبد الرحمن الرفاعي الأستاذ بجامعة الأزهر مع د. المجدوب في قدرة الزوجة بما تحمله من ذكاءٍ في استيعاب هذه الشخصية من الأزواج ضعاف الشخصية نحو أمهاتهم فيوضح أن كثيرًا من الزوجات تعتقد أنها تزوجت رجلاً كامل المعاني وأنه يعرف كل شيء ويُقدِّر الأمور ولكنها تصطدم حين تعاشر هذا الزوج وتعرف أنه ضعيف الشخصية فلا رأي ولا إرادةَ له، وفي هذه اللحظة هناك من النساء التي تتميز بالذكاء فتكسب الزوج وتكسب أهله وتأخذ المبادرة، ويكون لها الرأي الذي يحترمه الجميع بما فيه حماتها، أما النوع الثاني من النساء فتلك التي ترفض طاعة الزوج للأم والتي تسلبه معها شخصيته وقدرته على العدل والمساواة بين الأم والزوجة وعندها يصلون إلى مفترق الطرق وتكسب الأم الابن لصالحها بما لها من سيطرة.
يفهم كثير من الأبناء أن طاعة الوالدين لا حدودَ لها حتى وإن جاءت على حسابِ الزوجة والأبناء، وكم من بيوتٍ تصدَّعت بسبب هذا التفكير، وهذا يجعلنا نتساءل: هل الطاعة للآباء تصل إلى مرحلةٍ من التدخل الفجِّ في حياةِ الزوجين؟، هذا ما ينفيه الرفاعي فيقول إن الإسلام هو دين العدل والرحمة والمساواة، مشيرًا إلى أن طاعة الوالدين لها حدود ومعارضتهما في شيء يكون من شأنه التدخل في حياة الزوجين لا يكون عقوقًا لهما أو قطيعة لصلة رحم، مشددًا على أن الزوجة لها حقوق على الزوج بما أمر به الله تعالى ورسوله فآخر ما أوصى به الرسول كان النساء فقال "اتقوا الله في النساء فإنهم أسارى عندكم"، "واستوصوا بالنساء خيرًا"، ومن هنا لا بد أن يكون هناك حدود في الطاعة للأم ولا تميل نفسه لطرفٍ على حساب الطرف الآخر.
الشخصية الاعتمادية
ومن جانبه يرى الدكتور سعيد غازي- أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر- أن هذه المشكلة لها أبعاد كثيرة وأغلبها يعود إلى البيئة التي تربى فيها هذا الزوج والخبرات والمواقف التي اكتسبها فقد يكون الزوج تربَّى على الاعتمادية والسلبية، وهذا النوع من الشخصيات لا يستطيع أن يتخذ قرارًا إلا بالرجوع لآخر فهو نمط من الشخصية يكون تابعًا ومعتمدًا على الآخر، وهذا نمط مضطرب الشخصية، موضحًا أنَّ هذا لا يعني عدم اتخاذ آراء الغير من بابِ المشاورة في الأمور المصيرية ولكن ليس في الشكليات التي من السهل اتخاذ القرارات فيها.
أما عن دورِ الزوجة فقد اتفق الخبراء والمتخصصون عليه كطرفٍ أساسي لحل هذه المشكلة، فكما يؤكد الدكتور سعيد غازي على أهمية الدور الذي من الممكن أن تلعبه في استيعاب الزوج وأهله بذكاء، ولكنه يشير إلى أنه أحيانًا لا يكون للزوجة دور وترضى هي الأخرى بالتبعية لأنه وللأسف الشديد هناك بين الأزواج والزوجات من أصبحوا غير مؤهلين لإدارة الحياة الزوجية؛ لأن الخلفية غير موجودة وليست على المستوى المطلوب لمعرفة الصواب من الخطأ في المعاشرة الزوجية، ونجد بعض الأزواج والزوجات أيضًا ينقلون الصورة التي تربوا بها كما كان يفعل الأب والأم كعملية تقليد ومحاكاة للبيئة التي نشأوا فيها وعلى العكس نجد بعض الأزواج يرفضون أن يربوا أبناءهم كما تربوا هم والنتيجة التي يخرجون بها في النهاية أن يقع الأبناء بين الإهمال في التربية والقسوة الشديدة.