كثير من الناس يشغلهم الانتصار للنفس، ينطلقون في كل وادٍ، ويسعون بكل حيلة، ولا يتركون وسيلة، يبغون لأنفسهم البراءة من كل تهمة، ونصاعة الصفحة من كل عيب، وتلك شهوة من شهوات النفوس، قد فطر الله الناس عليها، يستوي في ذلك كل أحد، ولا ينكر ذلك عاقل، فكل امرئ لا يرضى أن يرمى بتهمة، ولا يقبل على نفسه نقيصة، ولا يسكت حيال ذلك.

لكن المؤمن نسيج فريد متميز، له في الحياة منهجه الفريد المتميز، ذلك المنهج الذى استمده من الكتاب والسنة، منهج يتعامل به مع أحداث الحياة وتفاعلاتها، منهج تعلو فيه منظومة من القيم الكريمة وتحكمه وتحكم تصرفاته، منهج يتميز بالرغبة في الله والدار الآخرة، منهج يهيمن عليه الحق، ويظهر فيه سلم الأولويات واضحًا، يهتدي به المهتدون، فالمؤمن يتعامل مع شهوات نفسه تعامل الملك الحكيم المسيطر على مجريات مملكته وأمورها كلها في يده، لا تستفزه رغبة، ولا يستهويه رأي، ولا يستزله حدث، ولا يستخفه هوى. المؤمن يملك نفسه ولا تملكه، يحركها في طريق الحق، ويتوجه بها حيث يريد، يتكلم حين يقرر الكلام، ويفعل حين يكون الفعل قراره الصائب، ولا تجده منفعلًا مهما كان التحدى.  

وفيما ترويه كتب السير نموذج رائع يستحق التأمل، (فعن عمير بن سعد -رضى الله عنه- أن عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- بعثه مرة على جيش من قبل الشام، فوفد عمير، فقال: يا أمير المؤمنين، إن بيننا وبين عدونا مدينة يقال لها: عرب السوس، تُطْلِع عدونا على عوراتنا، ويفعلون ويفعلون. فقال عمر: خيرهم بين أن ينتقلوا من مدينتهم، ونعطيهم مكان كل شاة شاتين، ومكان كل بقرة بقرتين، ومكان كل شيء شيئين، فإن فعلوا، فأعطهم ذلك، وإن أبوا فانبذ إليهم على سواء، ثم أجلهم سنة. 
فقال: اكتب لي يا أمير المؤمنين عهدك بذلك، فكتب، فعرض عمير عليهم، فأبوا. فأجلهم سنة، ثم نابذهم. فقيل لعمر: إن عميرا قد خرب عرب السوس، وفعل. فتغيظ عليه. فلما قدم، علاه بالدرة، وقال: خربت عرب السوس! وهو ساكت. فلما دخل عمر بيته، استأذن عليه، فدخل، وأقرأه عهده. فقال عمر: غفر الله لك.)

إنه نموذج فريد، يستحق التأمل واستخراج الدروس والعبر، فعمير -رضى الله عنه- قد قام بواجبه خير قيام، فقد أطلع قائده على خطر يهدد الثغر الذى يليه، عرض عليه بتفصيل يبين الأمر، وطلب نصيحته فى ذلك، وقد استمع لنصيحة القائد المسئول وانتوى الالتزام بها، ولسبب ما طلب توثيق هذا الأمر العمرى، واحتفظ به مكتوبًا عنده، ثم ينفذ الجندى أمر أمير المؤمنين عمر -رضى الله عنه- كما هو من غير تبديل ولا تأويل ولا تعطيل، لقد عرض عليهم خطة أمير المؤمنين، وفيها تأمين الأمة مما يتهددها من خطر، وحفظ حقوق الناس وكرامتهم، وإمهالهم الوقت الكافي ليدبروا أمرهم، بالانتقال الكريم، أو الاحتكام للسيف.

ولكن الأمير العظيم يستمع لشكوى من جاءه، والشاكي لا علم له بما جرى بين عمر وأميره من قبل، ويتأثر عمر بما نقل إليه، وهاله أن عميرُا خرب بلدًا كان عامرًا، ووقع في خلده مخالفة ذلك مقاصد الدين العظيم، الذى جاء بالخير والعمران، لا التخريب والهدم، وقد نسى عمر ما كان قد أمر به من قبل، ونسى ما كان من خطر يهدد المسلمين فى هذا المكان، ونسى أمره ونصيحته لعمير، ولم يرعه إلا الشكوى من تدمير وخراب العمران، فأسرع في عقاب عمير، ولم يسأل، ولم ينتظر الجواب! 

لكن عميرًا صبر على ما كان من أميره، صبر على عقاب ظالم بيّنِ الخطأ، صبر على تشويه سمعته بلا ذنب اقترفه، وضحى بكرامته، وهان عليه أمر الدنيا، وسلس له قياد نفسه، وتقبل بهدوء غضبة عمر، ولم ينتصر لنفسه أمام الناس، وقد أهين أمامهم، لم يقدم لعمر كتابه وهو خير دليل على براءته، لكنه أيضًا دليل إدانة عمر، دليل خطئه في واحد من الأمرين على الأقل، في إذنه الأول أو عقابه اللاحق، آثر عمير أن يكون هو المخطئ المتهم أمام الناس، أثر عمر على نفسه، وآثر مقام الخلافة على حظ نفسه، آثر أن يكون ذا الخلق العالى، بل أبى إلا أن يحلق فى سموات المكارم والأمجاد، لقد سكت، وانتظر حتى دخل عمر داره، فانفرد به وأطلعه على كتابه، أطلعه على دليل براءته فى الخاصة، بعد أن عاقبه عمر أمام العامة.

إنها أخلاق المؤمنين في أبهى صورها، حيث لا نفس ولا شهوة، ولا دنيا ولا مظاهر، ولا اكتراث بشيء مما يشغل الناس، بل أخلاق ومكارم، وقيم وفضائل، تجسدت في دنيا الناس، فصارت بشرًا من لحم ودم، وصار أصحابها قدوات ومنائر لكل مخلص يرنو إلى العلياء، ويروم أن يرافقهم في ملكوتهم، ويبتغي أن ينافسهم في نجاحهم، ويزاحمهم في مكانتهم من الله تعالى.