في التفاضل بين الناس

يقول تعالى في سورة النساء: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} وفي الآية الكريمة جملة من الدروس، وكوكبة من العبر والعظات، على طريقة القرآن وكرمه السابغ، حكم جليلة في كلمات قليلة.

فمنها إقرار التفاضل بين الناس، ومنها النهي عن تمني ما فضل الله به الغير، ومنها إقرار المساواة المطلقة في الجزاء، واعتبار الجزاء على ما اكتسب الإنسان، ومنها التوجيه لسؤال الله- سبحانه من فضله، ثم التذكير بعلمه- سبحانه- بكل شئ، وما يترتب على كل معنىً كريم من هذه المعانى من دروس عملية، وهدايات وأنوار.

ونعرض أولًا باختصار ما أورده الإمام الطبرى في تفسيره لهذه الآية الكريمة حيث ذكر عن سبب النزول، قالت أم سلمة: يا رسول الله: تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث! فنـزلت: وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، ونـزلت: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} من سورة الأحزاب.

وأورد عن ابن عباس قوله: {ولا تتمنَّوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} يقول: لا يتمنى الرجل يقول: ليت أنّ لي مالَ فلان وأهلَه. فنهى الله سبحانه عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله. وعن الحسن قال: تتمنى مالَ فلان ومال فلان! وما يدريك؟ لعل هلاكَه في ذلك المال! وقال آخرون: بل معنى ذلك: لا يتمنَّ بعضكم ما خصّ الله بعضًا من منازل الفضل. وقال أبو جعفر: ولا تتمنوا، أيها الرجال والنساء، الذي فضل الله به بعضكم على بعض من منازل الفضل ودرجات الخير، وليرض أحدكم بما قسم الله له من نصيب، ولكن سَلُوا الله من فضله.

{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} معنى ذلك: (للرجال نصيب مما اكتسبوا) من الثواب على الطاعة، والعقاب على المعصية، (وللنساء نصيب) من ذلك مثل ذلك، ورجحه على قول من قال: أن المعنى مما اكتسبوا من ميراث موتاهم، لأن الميراث ليس مما اكتسبه الوارث، وإنما هو مال أورثه الله عن ميّته بغير اكتساب، وإنما " الكسب العمل، والمكتسب المحترف.

{وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} واسألوا الله من عونه وتوفيقه للعمل بما يرضيه عنكم من طاعته. ففضله في هذا الموضع: توفيقه ومعونته وعبادته، وليست من أمر الدنيا، وقد روى أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: سلوا الله من فضله، فإنه يحب أن يسأل، وإنّ من أفضل العبادة انتظار الفَرَج.

{إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} إنّ الله كان بما يصلح عباده - فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض في الدين والدنيا، وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم (عليما)، ذا علم، فلا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته، والتسليم لأمره، والرضى بقضائه، ومسألته من فضله. انتهى

والآن إلى دروسنا من هذه الآية الكريمة، فالتفاضل بين الناس حقيقة واقعة، هكذا خلق الله عباده، فضل بعضهم على بعض فى الرزق، بكل أنواعه، رزق فى الدين، ورزق فى الدنيا، فكلنا متفاوتون فى العطاءات نوعًا وقدرًا.

وعدل الله المطلق يحتم تساوى الجميع في جملة العطاءات، عند كل أحدٍ من خلقه، وحكمة الله تقتضى اختيار ما يصلح كل أحد نوعًا وقدرًا وزماناً ومكانًا، فى الدنيا والآخرة.

ويلزم ذلك احترام هذا الاختلاف، وتقدير ما عند الآخرين، والتواضع، مهما علم الإنسان من نفسه، فما عندك من الفضل إنما هو من الله، وعند كل أحد مثل ما عندك، وإن اختلفت نوع الفضل وشكله، فكلنا عيال الله، أنعم علينا بعظيم منحه، وربما عجلت لبعض الناس عطاءاتهم، وأجلت لآخرين، فلا يبيح اختلاف العطاء غير الشكر وسؤال الله الخير.

ومما يلزم الإنسان فى ذلك- أيضًا- أن يجتهد كل أحد فى التعرف على مناطق أفضليته، ومجالات تميزه، وهذا هو المعنى العملى لأن نسأل الله من فضله، فنسأل ونجتهد فى اكتشاف ما وهبنا الله، ثم استثمار ذلك على خير الوجوه.

ثم بعد ذلك نتأدب بأدب القرآن، فقد نهانا عن تمنى ما لدى الآخرين، نهانا أن ننشغل بما ليس في أيدينا، فتلك حيلة الشيطان، وبضاعة العجزة، أن يضيعوا أعمارهم الغالية وأوقاتهم النفيسة في تمنى ما فى يد غيرهم، مع أنهم زاهدون فيما عندهم أو جاهلون به، جاهلون أو زاهدون أو مشغولون، عن التفتيش عنه، عن صيانته وحفظه، عن الاستمتاع به، والانتفاع به في أمور دينهم ودنياهم!

فكم أهلك هذا التمنى دين الناس ودنياهم، ترى أحدهم يتمنى ما عند غيره من خير الدين أو الدنيا، فإذا القلب قد امتلأ بالحسد، وإذا الشيطان قد امتلك أمر الإنسان دونه، فلا يرتقى عند الله، ولا يستثمر ما وهبه الله لخير.

إن كان في أمر الدين، فإذا به يقعد عن تحصيل الكمالات بما وهبه الله ويسر له، لأنه يتمنى أن يعبد الله على طريقة لم تتيسر له، والطرق إلى الله بعدد الأنفس كما قال ابن القيم.

وإن كان في أمر الدنيا فالمصيبة أجلى، تراه يتطلع لما عند الناس، من نعيم الدنيا الزائل، وقد أعطاه الله مثله أو أفضل منه! وقد يغلق الشيطان عينيه فلا يرى في عطاء الله لغيره إلا جانب واحد، وهو عن غيره من الجوانب فى غفلة وجهل.

ثم فهم حقيقة أن الجزاء على قدر الاكتساب، لا على نوع التفضيل، ولا على قدره، ولا شيء من ذلك، إنما هو ما يكتسبه الإنسان، وما يجتهد فيه. ثم المساواة المطلقة فى ذلك، في نظام الثواب والعقاب، فى عطاء الله لكل مجتهد، في توفيق الله لكل ساعٍ، في عون الله ومدده على قدر ما يقرر المرء نفسه ذلك، كل هذه الحقائق تفتح أمامنا جميعًا أبواب الجنات، ورفيع الدرجات، وشرف القرب، وتحقيق الكمالات، بلا ظلم ولا تمييز. (فليتنافس المتنافسون)، وحسبك من هذا حافزًا.

هكذا تكون بركة الاهتداء بالقرآن، أن يستريح الإنسان من هم النظر والانشغال بغيره، فيصير همه كله في شكر نعم الله عليه، في سعادته بما أنعم الله عليه، في إدراكها واستعمالها فيما يحب الله ويرضى، فيحصل له من ذلك كل سكينة وسرور، وكل اجتماع قلب، وخلوص فكر، ورضًا بالله وقضائه، وتتفتح له هذه العطاءات، فإذا به يكتشف من ربه كل يوم فضلًا ونعمة، فيرتقى بها، ويستثمرها، فينتفع بها فى الدنيا، ويدخر منها للآخرةثم هو بعد ذلك وقبله في سماحة نفسية، مع أقدار الله له ولغيره من عباد الله، يرى الخير في كل صنع الله به وبغيره، يطمئن إلى علم الله وحكمته، فهو على أحسن الأخلاق مع الله، ثم هو على أحسن الأخلاق مع الناس، لا يحمل لهم إلا الخير، يدعو الله أن يوفقهم لطاعته، ويبارك لهم فيما رزقهم، ويصلح لهم دينهم ودنياهم، وبذلك يصير العبد ربانيًا، مشغولًا بما ينفعه.