نشرت مجلة "إيكونوميست" تقريرا عن تدخل الجيش المصري في اقتصاد الدولة، بعنوان "درب التبانة الحامض، مصر ليست مفتوحة للتجارة" قالت فيه إنه وبعيدا عن الحديث الداعم للاستثمار فالجيش "يهبش" ما يريد.

وغالبا ما اشتكى المصريون من أن بلدهم لا ينتج شيئا ذا قيمة، إلا أن شركة جهينة للألبان، وهي الأكبر في البلد، هي استثناء بارز؛ فعلب الحليب الحمراء والزرقاء معروفة في بيوت المصريين. وتصدر حليبها وألبانها إلى الشرق الأوسط وإفريقيا، وكانت مرة الأعلى قيمة في سوق القاهرة المالي والمحبوبة للمستثمرين الأجانب. وفي معظم الدول؛ فمؤسسة كهذه تعتبر بطلا قوميا. ولكن في مصر حيث قبضة الحكام العسكريين فقد واجهت ابتزازا على طريقة المافيا.

ويلخص مصيرها العيوب في الاقتصاد المصري وبدأت مشاكلها عندما حاولت الدولة وضع اليد عليها. ولما رفض مؤسسها صفوان ثابت التخلي عن الحصة الكبرى فيها رمي في سجن سيئ السمعة يمارس فيه التعذيب. وانضم ابنه سيف إليه عندما رفض عرضا مماثلا. وتتهم الدولة الأب والابن بتمويل الإرهاب. وكان جد صفوان وعمه من القادة في حركة الإخوان المسلمين التي تعرضت للقمع والملاحقة بعد انقلاب عام 2013 وقاده عبد الفتاح السيسي، حيث حظرت الجماعة واعتبرت إرهابية. ويؤكد ثابت وابنه ألا علاقة لهما بالجماعة. ولم يقدما لمحاكمة رغم سجنهما منذ عام.

وتشير المجلة إلى أن عائلة ثابت كانت مرة جزءا من المؤسسة الحاكمة. وكان صفوان ودودا مع الديكتاتور السابق حسني مبارك وسافر إلى الخارج برفقة وفود لجذب المستثمرين وقدم النصيحة للوزراء. وبعد انقلاب السيسي تبرع صفوان بمبلغ 50 مليون جنيه مصري لصندوق تحيا مصر وتمويل مشاريع تنمية. وقبل السيسي بسرور المبلغ من أبناء عائلة ثابت رغم اتهامهم بروابط مع الإرهاب.

وتضيف المجلة أن مصر منذ عام 2016 اقترضت 20 مليار دولار من صندوق النقد الدولي مما يجعلها ثاني أكبر مقترض بعد الأرجنتين من المنظمة الدولية. وهي تتفاوض على قرض جديد بعد الحرب في أوكرانيا التي دفعت بالمستثمرين للخروج مما أدى لنقص في العملة الصعبة. وأثنى صندوق النقد الدولي على مصر لاتخاذها قرارات مؤلمة وفرض إجراءات التقشف، وإن لم تكن شعبية. لكن المنظمة الدولية اشتكت من الحكومة المصرية التي تخنق القطاع الخاص. وتظهر دراسة مسحية أنه انكمش منذ عام 2016. وتقول المجلة إن السيسي يصدر أصواتا عالية عن دعم الاقتصاد إلا أن جنرالاته الذين يهيمنون على قطاعات من الاقتصاد يسخرون من السوق الحر.

وأشارت المجلة إلى مثال آخر، وهو رجل الأعمال الناجح رامي شعث، الذي كانت شركته تنتج أجهزة إلكترونية تسجل استخدام الكهرباء والماء والغاز لشركات المرافق الحكومية. وعندما رفض السماح لشركة تابعة للجيش المشاركة في التكنولوجيا التي تصنعها شركته، بدأت شركات المرافق بإلغاء العقود.

وقال شعث، وهو ناقد لسياسات السيسي "بدأنا نعاني من الإفلاس ليس لأننا لا نقدم خدمات جيدة بل بسبب ضغوط الجيش". وسجن لمدة عامين بتهم غير محددة بالإرهاب، ومثل ثابت وابنه لم يقدما إلى محاكمة.

وفي ديسمبر الماضي ظهر السيسي على التلفزيون وهو يتنمر على أصحاب 3 شركات بناء من أجل القبول بتأخير دفع فواتير من الدولة على ما قامت به من بناء الطرق والجسور. وابتسم الرجال بخجل واستسلموا، فماذا سيحدث لهم لو رفضوا؟

وتعلق المجلة أن الجيش يحصل على معاملة ضريبية وإعفاء جمركي، إلا أن السيسي يمدحه لأنه حمى الناس من جشع التجار والمضاربين.

وفي شهر رمضان الحالي وزع الجنود اللحم بأسعار مدعمة، ولكن عندما دخلت الدولة في سوق ترخيص اللحم الحلال عام 2019، منعت وزارة الزراعة التنافس من الشركات الخاصة، مما زاد في سعر التراخيص. وفي العام الماضي أعلنت مصر عن مدينة سايلو للصناعات الغذائية، وهو مجمع لمصانع الغذاء يشرف عليه الجيش وبشعار “العالم له مذاق جديد” في توقيع على شعار شركة جهينة "العالم له مذاق جميل”. وتريد الشركة افتتاح مصنع ألبان جديد، وبعد اعتقال سيف ثابت عرض إدارة العمليات لو أوقفت الدولة عمل جهينة وأطلقت سراحه ووالده إلا أن عرضه رفض.

وتقول المجلة إن هناك قلة من رجال الأعمال يتجرءون على معاندة الجيش، ومعاملة صفوان ثابت وابنه تعطي صورة عما سيحدث.

وقال سيف من سجنه "لو استولوا على جهينة فسيدمروها ولن أسلم ما بناه والدي". وفي فيديو على فيسبوك ناشدت والدته العام الماضي السيسي للإفراج عن ابنها وزوجها. وعندما انتشر الشريط بشكل واسع استدعيت للتحقيق وطلب منها السكوت وإلا واجهت نفس المصير. وتوفيت في الشهر الماضي حيث منع النظام المئات من المشاركة في جنازتها.

ورغم ارتفاع مستوى الناتج المحلي العام منذ حزمة الإنقاذ عام 2016 إلا أن الاقتصاد في وضع فقير، وفشلت مصر ببناء قاعدة تصنيع لها والصادرات بطيئة. وحسب آخر تقدير، ارتفع العجز في الحساب الجاري إلى 18.4 مليار دولار، كما زادت معدلات الفقر. وفي الشهر الماضي خفض البنك المركزي المصري قيمة الجنيه المصري بنسبة 14%. وكصورة عن المشاكل، تلاشت مبيعات أذون الخزانة قصيرة المدى. وأقنع السيسي دول الخليج الصديقة بإيداع مليارات الدولارات في البنك المركزي والتعهد بالاستثمار، إلا أن حالات مثل جهينة من غير المحتمل أن تجذب المستثمرين وتجعلهم يدقون على الباب.