الإنحراف عن الأهداف :

    ومن الانحرافات الخطيرة أيضًا الإنحراف عن الأهداف الأصلية إلي أهداف جزئية أو فرعية، أو إلي أهداف مغايرة للأهداف الأصلية؛ وذلك يرتب إضاعة للجهود والطاقات بدون طائل، وانتكاسة للعمل الإسلامي الصحيح ونتائجه المرجوة. وقد أوضح لنا الإمام الشهيد أننا نهدف إلي التمكين لدين الله في الأرض بإقامة دولة الإسلام وإعادة الخلافة وتبليغ الإسلام للناس كافة .

    فنجده يخاطبنا في رسالة "بين الأمس واليوم" فيقول: ( اذكروا أن لكم هدفين أساسين :

    1 – أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي، وذلك حق طبيعي لكل إنسان، لا ينكره إلا ظالم جائر، أو مستبد قاهر .

    2 – أن تقوم في هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة تعمل بأحكام الإسلام، وتطبق نظامه الاجتماعي، وتعلن مبادئه القويمة، وتبلغ دعوته الحكيمة للناس، وما لم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودهم عن إيجادها ) .

    وها هو أيضًا في رسالة ( الإخوان المسلمون تحت راية القرآن ) يعبر عن مهمتنا وهدفنا فيقول: ( مهمتنا إجمالاً أن تقف في وجه هذه الموجة الطاغية من مدنية المادة وحضارة المتع والشهوات التي جرفت الشعوب الإسلامية، فأبعدتها عن زعامة النبي صلي الله عليه وسلم وهداية القرآن، وحرمت العالم من أنوار هديها . وأخرت تقدمه مئات السنين ، حتى تنحسر عن أرضنا ويبرأ من بلائها قومنا، ولسنا واقفين عند هذا الحد بل سنلاحقها في أرضنا، وسنغزوها في عقر دارها حتى يهتف العالم كله باسم النبي صلي الله عليه وسلم ، وتوقن الدنيا كلها بتعاليم القرآن، وينتشر ظل الإسلام الوارف على الأرض. وحينئذ يتحقق للمسلم ما ينشده؛ فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) .

    وأوضح لنا في أماكن متفرقة من رسائله أن هذه الأهداف مما يؤكده الدين ويحتمه وأنها واجب علي كل مسلم ومسلمة. وكيف أنَّ المسلمين الأول اهتموا بنصب الإمام أو الخليفة حتى قدموا إنجاز ذلك علي دفن الرسول صلي الله عليه وسلم . وأوضح أن الحكم أصل من أصول الإسلام، وقد جعله رسول الله صلي الله عليه وسلم عروة من عرى الإسلام . وذكر أيضًا أن الحكم معدود في كتبنا الفقهية من العقائد والأصول لا من الفقهيات والفروع . ثم نجده رضي الله عنه بعد أن أوضح كل ذلك يقول في صراحة: ( أما والحال كما نري ، التشريع الإسلامي في واد، والتشريع الفعلي في واد آخر ، فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف ) .

    هذه هي الأهداف بوضوحها ووجوبها وأصالتها والانحراف عنها يمكن أن يكون بصور منها :

  صور الانحراف عن الأهداف :

    1 – الاجتزاء في الأهداف : كأن يقتصر مثلاً على العبادة والذكر والعلم والدعوة إلي الله والأمر والنهي عن المنكر وأعمال البر ، ويترك أمر التشريع والحكم والجهاد وإقامة دولة الإسلام وإعادة الخلافة والتمكين لدين الله.. وهذا يعتبر في الحقيقة مسخا للإسلام وانتقاضا له ، وتطبيقا غير سليم هذه الأهداف الجزئية أو بعضها فهي وما اختارت وحسابها علي الله ، لكن الذي نعنيه هنا من يسيرون علي طريق الدعوة بأهدافه التي أوضحناها ثم ينحرف عنها بهذا الاجتزاء .

  • فإذا كان الدافع هو إيثار العافية وعدم التعرض للإيذاء من الحكام المستبدين فهذا ضعف في الإيمان لا ينجي صاحبه من المسئولية أمام الله ، ومن ناحية أخري فإنه في ظل الأوضاع الظالمة التي لا تطبق شرع الله لن تصفو عبادة ولا دعوة ولا علم، وسيظل المسلمون مستذلين مستعبدين ، وتفرض عليهم وعلى أبنائهم عقائد ضالة، وعادات جاهلية فاسدة ولن يغني عنهم علمهم شيئًا .

    وإذا كان الدافع لهذا الانحراف باجتزاء الأهداف هو الشعور بالعجز أمام قوي الأعداء، أو أنهم لن يمكنونا من تحقيق أهدافنا الكاملة فهذا أيضًا ضعف إيمان وخطأ في الفهم فإننا نستمد القوة من الله واهب القوي . وإذا كان الدافع لهذا الانحراف تصور أن تحقيق هذه الأهداف ليس واجبًا علي كل مسلم أو أنه فرض كفاية؛ فهذا خطأ يلزم تصحيحه، ومعرفة أنه فرض عين، وأن المسلمين آثمون إن لم يعملوا على إقامة دولة الإسلام .

    2 – دولة محدودة : ويمكن أن يكون الانحراف عن الأهداف بالاقتصار على إقامة حكم إسلامي في قطر من أقطار الإسلام دون التفكير أو العمل والتعاون في إقامة دولة الإسلام العالمية. وهذا خطأ ومخالفة صريحة لما تعاهدنا عليه، ويتعارض مع عالمية الدعوة ووحدة المسلمين ، قال تعالي :)  وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله )  .

    3 – الاستيلاء علي الحكم : ويمكن أن يكون الانحراف عن الأهداف بأن يصير الهدف هو مجرد الاستيلاء على الحكم بصورة أو بأخرى ، فيدفع ذلك إلى تجاوزات ومخالفات للخط الإسلامي الصحيح في الأساليب والوسائل بسبب التشوق إلى الحكم واستشرافه على طريقة الأحزاب السياسية المعروفة . وهذا الانحراف يعرض العمل الإسلامي إلي مخاطر جسيمة أو الانهيار لضعف الأساس فهناك فرق بين العمل لإقامة دين الله والتمكين له وبين العمل لمجرد الوصول للحكم فالأساس اللازم لكلا الحالين مختلف من حيث القوة والأصالة اللازمة للاستقرار والاستمرار .

    وقد عرض الحكم علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وذلك حين جاءه عتبه ابن ربيعة ممثلاً عن قريش وقال له : ( .. إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرًا دونك ، وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا ... ) . فما كان الرسول صلي الله عليه ـ كما نقول الرواية ـ إلا أن قرأ عليه أوائل سورة فصلت إلى قوله تعالي :( فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ).

    4 – الإسلام الجزئي : وقد يكون الانحراف بالرضا بأسلمة بعض مرافق الدولة دون العمل على إقامة الحكم الإسلامي الكامل ، وهذا خطأ لأن الإسلام كل متكامل ولا يصلح الاجتزاء في التطبيق؛ فمثل ذلك كمن يستبدل يد آدمي برجل حمار فسيظل الحمار حمارًا ولن تغيره الأطراف الآدمية . فلنحذر من هذا النوع من الانحراف لأن أعداء الله يفكرون في امتصاص الصحوة الإسلامية بتقديم صور جوفاء ممسوخة من الحكم الإسلامي يحولون به التيار عن الاتجاه الأصيل . قال تعالي ( ياأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة وقال تعالي :( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) .

 

منقول بتصرف من كتاب – طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف – للأستاذ مصطفى مشهور  رحمه الله .