حولّ قضية الفهم :

  أهمية الفهم :

    من القضايا الأساسية في مجال العمل الجماعي للإسلام أن يتوحد فهم أفراد الجماعة للإسلام بما يوحد الوجهة في العمل؛ لأن العمل مرتبط بالفهم، ولا يجوز أن يكون في الجماعة الواحدة مدارس فكرية متعددة. ولذلك حرص الإمام الشهيد علي إعطاء قضية الفهم ما تستحقه من اهتمام ، فجعل همه أن يقدم الإسلام الذي جاء به محمد صلي الله عليه وسلم خاليًا مما ناله من انحرافات البعض، سواء في العقائد أو العبادات أو العادات، وبعيدًا عن الاجتزاء أو التشويه وبعيدًا عن الخلافات التي مزقت المسلمين إلي فرق وأحزاب، وما قام به أعداء الإسلام في الماضي والحاضر من تشويه لوجه الإسلام المشرق، ولما كان هدف الإخوان إقامة دولة الإسلام العالمية وإعادة الخلافة، فلابد وأن يقوم هذا البناء العظيم على هذا الفهم الصحيح الشامل النقي للإسلام ولا يتصور أن تبذل جهود وتزهق أرواح علي طريق الدعوة لإقامة دولة إسلامية عالمية علي أساس من فهم مذهبي خاص لا يجتمع عليه كل المسلمين، أو على أساس من فهم غير كامل أو غير سليم . لذلك نجد الإمام البنا بعد قراءات كثيرة ودراسات عميقة، قدم الإسلام بصورته الناصعة في رسائله، ثم جعل الركن الأول من أركان البيعة الفهم، ووضع له أصولاً عشرين كإطار يحمي هذا الفهم الصحيح من الاجتزاء أو الانحراف أو الشوائب، وقد أثبتت الأيام بفضل الله أصالة هذه الأصول العشرين ودقتها واعتدالها وبعدها عن الإفراط أو التفريط ، وإن كان بعض المغالين أو المتشددين لم ترقهم بعض الألفاظ ولكننا لا نتعامل بمقاييس المغالين. ولحرص الإمام الشهيد علي توحيد وجهة الإخوان من جهة والمحافظة على هذا الفهم من جهة أخري جعله ركنًا من أركان البيعة بل الركن الأول ليكون كل أخ ملتزم بالجماعة مسئولاً عن المحافظة عليه من أي تبديل أو تغيير وفاء عن الفهم لبيعته .

  صور الانحراف عن الفهم :

    ومن صور الانحراف في قضية الفهم عن الخط الأصيل ما يلي :

    1 – تبني أفكار مخالفة للإسلام : تبني أفكار أو أفهام فيها مخالفة صريحة للفهم الصحيح للإسلام من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام والذي اجتمعت عليه الجماعة، وحددت إطاره الأصول العشرون، والسير بهذه الأفكار المخالفة داخل الصفوف بما يحدث بلبلة واختلافاً. ومن الأمثلة البارزة لهذا النوع من الانحراف في الفهم هو فكر التكفير الذي ظهر عند بعض أفراد الجماعة داخل السجون والمعتقلات. وهو في الحقيقة ثمرة من ثمار الإيذاء والتعذيب الشديد ، وهو مخالف لأصول الإسلام، وما أشير إليه في الأصل العشرين. وقد بذلت جهود مكثفة لتفنيد هذا الفكر وتوضيح خطئه. وعدل الكثير عنه بسبب ذلك، وبقيت مجموعة محدودة مصرة عليه، فوقف الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله موقفًا حازمًا، وكان هو المرشد العام وكان في المعتقل في ذلك الوقت – وقال للذين أصروا علي فكر التكفير : لن نكفركم كما تكفروننا، ولكن ليس هذا فكر الإخوان الذي بايعنا عليه الإمام البنا، وليس من الإسلام في شيء؛ فإن تمسكتم به فلتبحثوا لكم عن لافتة أخري غير لافتة الإخوان، وبهذا صار من يحمل فكر التكفير ليس من الإخوان .

    2 – الانتقاص من قدر السنة : ومن صور الانحراف حول قضية الفهم أي محاولة للانتقاص من قدر السنة النبوية أو الاكتفاء بالقرآن ، أو ترجيح النظر العقلي علي الأحاديث الصحيحة ، أو محاولة تطويع الإسلام ليجاري إلي غير ذلك من الأفكار المنحرفة والأساليب المغرضة . فآيات القرآن تؤكد التزامنا بالسنة وطاعة الرسول صلي الله عليه وسلم

( وما آتالكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ( فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم * وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون ) وحديث الرسول صلي الله عليه وسلم " تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي " . فلا يصح أن يصدر من أحد من الإخوان أي شيء من هذه الأفكار المنحرفة ولا تروج لأصحابها بين صفوفنا ولنحذر هذا الصنف من الناس المتعالين أو المتعالمين ورحم الله امرأ عرف قدر نفسه .

    3 – الإلزام بالرأي : ومن صور الانحراف حول قضية الفهم محاولة إلزام أفراد الجماعة جميعًا برأي واحد في الأمر الفرعي الذي فيه أكثر من رأي، ولكل دليله ، فإن هذا المسلك يحول الجماعة إلي فرقة أو طائفة أو مذهب خاص فمن وافقنا على هذا الرأي ارتبط بنا ومن خالفنا ابتعد عنا ، وما هذا قامت جماعة الإخوان ، وحرص الإمام الشهيد علي تفادي ذلك لتتسع الجماعة للمسلمين جميعًا لتوحدهم ما وسعهم الإسلام . ولكنها في الوقت نفسه لا تتسع لمن يخرجه رأيه عن الإسلام . وإن كنا في مثل هذه الأمور الفرعية التي فيها أكثر من رأي نتواصى أن نأخذ بالرأي الذي دليله أرجح ولكن لا نفاصل من أخذ برأي آخر مادام في دائرة الإسلام .

    4 – تضخيم القضايا الجزئية: ومن صور الانحراف حول قضية الفهم تضخيم القضايا الجزئية والفرعية على حساب القضايا الكلية، ولأن القضايا الفرعية غير متفق عليها فيُفتح مجال الخلاف والجدال بما يشغل الإخوان وغيرهم وقد يرسب في النفوس ما يحول دون التعاون المثمر للعمل الجاد في القضايا الأصلية . وكيف والإسلام يتعرض إلي محاولات الأعداء للقضاء عليه جملة ، ويختلف المسلمون حول فرعيات وجزئيات ؟ وقد دعانا الإمام الشهيد إلى تلك القاعدة الرشيدة في هذا المجال وهي ( أن نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه ) . فلنلتزم بذلك .

    5 – الاجتزاء : ومن صور الانحراف حول قضية الفهم الاجتزاء في أخذنا للإسلام وفي العمل به كأن يقتصر على الجوانب التي لا تثير الحكام كالعبادة والعلم والذكر وأعمال البر إلي غير ذلك، وترك جوانب التشريع والحكم والجهاد ومحاربة المنكر . ولكن علينا أن نقدم الإسلام كاملاً، وندعو إليه كاملاً، ونعمل له كاملاً، ولا نخاف في الله لومة لائم مهما تعرضنا بسبب ذلك إلى الإيذاء، فقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يدعو، ويؤذَي، ويستمر في الدعوة رغم ذلك دون انتقاص . وينبهنا الإمام الشهيد إلى هذا المعني في الأصل الأول من الأصول العشرين بشمول الإسلام وتكامله. ولقد تعرضنا في أثناء المحن إلى امتحان في أركان البيعة ومنها الفهم بين متطرفين كأصحاب فكر التكفير وبين مترخصين يريدون منا أن ندع أمور الحكم والتشريع والجهاد التي تثير الحكام وتعرضنا للإيذاء فكان الوفاء بالبيعة يحتم علينا أن نحافظ علي الفهم دون تبديل ولا تغيير نورثه إلي من بعدنا سليمًا صحيحًا شاملاً . 

    ولعله من المفيد أن توضح أن الانحراف في الفهم أو غيره يبدو بسيطًا دقيقًا ثم يزداد مع الزمن، من اندفاع الشباب وروح التعصب، ولمسنا أن المنحرف كثيرًا ما يلبس عليه إبليس؛ فيعتقد أنه علي الصواب وغيره هو المنحرف، ويأخذ في تلمس الآيات والأحاديث التي يؤولها بما يخدم بها فكره المنحرف، ويجمع حوله ويرفع راية، وينشئ جماعة، وهكذا يحدث التمزق والتشتت نتيجة الانحراف عن الفهم . وواجب الأخوة يحتم علينا أن نبصر من يبدأ في الانحراف لتصحيح فهمه قبل أن يوغل في الانحراف ويزداد اقتناعه أنه علي الصواب فيصعب إرجاعه عنه .

منقول بتصرف من كتاب – طريق الدعوة بين الأصالة والانحراف – للأستاذ مصطفى مشهور  رحمه الله .