بقلم: أحمد جاد

لقد مرت بأمة الحبيب محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- نفحات ورحمات وبركات، هي تلك التي دلنا عليها رسولنا الكريم بقوله: "ألا إنَّ لله في أيام دهركم لنفحات، ألا فتعرضوا لها، فعسى أن تصيبكم نفحة من نفحات الله فلا تشقَوا بعدها أبدًا".

 

نفحات خاصة ونفحات عامة.. نفحات اختصَّ الله- عز وجل- بها حجاج بيته الحرام، فكان لهم من الخير الطواف حول البيت الحرام والسعي بين الصفا والمروة والشرب من ماء زمزم، و"ماء زمزم لما شرب له" وكان لهم الوقوف بعرفة؛ حيث يفيض الحجاج مغفورًا لهم ولمَن استغفروا له، وكان لهم الطاعة الكاملة لله عز وجل والالتزام التامّ بأمر الله، فهذا حجرٌ يُقبَّل، وذاك حجر يُرجَم، وكأنَّ حال أمرهم يظهر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: من الآية 36)، وقال تعالى:﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ (النور: من الآية 51).

 

فكهذا يكون السمع والطاعة والالتزام الكامل والتام لأمر الله عز وجل، فهذه هي عظمة الإسلام في الاستسلام والانقياد والخضوع التام لأمر الله عز وجل، ثم كان التجرد والذبح قُربى لله عز وجل، والغاية هي التقرب بها إلى الله سبحانه ليصلوا بها إلى تقوى الله جل وعلا ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (الحج: من الآية 37).

 

هذه النفحات والبركات والرحمات الخاصة على أهل المشعر الحرام وحجاج بيت الله الحرام.. لذا فما عليهم أيها الأحباب إلا أن يستثمروا هذه الطاعات وأن يظلوا على طاعة وقرب من الله عز وجل، ولمَ لا أيها الأحباب وحجاج بيت الله الحرام وهم في طواف الوداع لبيت الله الحرام يرسل الله عز وجل لكل حاجٍّ ملكًا يضع جناحَيه على كتفيه، ويقول له: افعل فيما تستقبل فقد غفر الله لك ما مضى؟!

 

 الصورة غير متاحة
 
لما لا والنبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقول في حديثه: "من حجَّ فلم يرفث ولم يفسق ولم يصخب رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"؟! إذًا لا بد للحاجّ أن يعود ويستمر على ما كان عليه من طاعة وقرب من الله عز وجل؛ لأنه من علامات قبول الطاعة أنها تؤدي إلى طاعة أخرى، وكما يقول اين القيم: "إذا رأيتم الرجل على طاعة فاعلموا أن لها أخوات"، وهل هناك طاعة أجلّ وأعظم من طاعة حج بيت الله الحرام!!

 

فلا بد لمن كُتب له الحج هذا العام أن يظلَّ على طاعة وقربة وصلة بالله عز وجل، فمِن علامات قبول الطاعة أن يستمر العبد على فعلها وإن كانت بصورة أقلّ، فرسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يقول: "خير الأعمال أدومها وإن قلّ"، وقوله: "إن المنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى".

 

لقد استكثر الحجاج أصحاب النفحات والرحمات الخاصة من الأعمال الصالحة والطاعات والقربات من الله عز وجل، فنسأل الله عز وجل دوامَ الطاعة لهم والصلة التامة لله عز وجل بعد عودتهم وقد غفر الله عز وجل لهم الذنوب وحطَّ عنهم الخطايا.

 

وأما أصحاب النفحات والرحمات العامة فكانت لهؤلاء الذين لم يُكتَب لهم حجُّ البيت هذا العام، ولكنهم عاشوا هذه الأيام بقلوبهم القريبة من الله عز وجل، وبعيونهم الدامعةً شوقًا إلى زيارة بيت الله الحرام، فكان لهم من المنافسة في أعمال الطاعات من صيام وقيام وتلاوة قرآن وذكر لله عز وجل وتهليل وتكبير وتحميد ومشاركة لحجاج بيت