إن الداعية كالغيث، أينما حل نفع، هكذا تعلمنا في محاضن التربية لهذه الدعوة المباركة دعوة الإخوان المسلمين، يقول الشهيد سيد قطب – رحمه الله: "والتجارب تجزم بأن الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين لا يفقهونه، مهما تفرغوا لدراسته في الكتب – دراسة باردة - وأن اللمحات الكاشفة في هذا الدين إنما تتجلى للمتحركين به لتقريره في حياة الناس، ولا تتجلى للمستغرقين في الكتب العاكفين على الأوراق!".
نعم هذا الدين بحقائقه وقيمه ومفاهيمه ومعانيه وشرائعه لا يمكن أن يقوم على الأرض مالم يتجسد في بشر، يحملونه أولًا ويتحركون به بين الناس.
وهو الأمر الذي أكد عليه الإمام حسن البنا من قبل، وهو أن نهضات الأمم والشعوب تحتاج إلى جهود حقيقية وتضحيات عزيزة وحركة دءوبة، تتجاوز الكلام والوعظ والإرشاد ،فقد ذكر في هذا الشأن: «أن الوعظ والإرشاد والدعوة والإقناع وتهذيب النفوس وتزكية الأخلاق إنما هي سبيل الفلاسفة الخياليين لا المصلحين العمليين، ونحن قوم عمليون».
والأفكار والدعوات لا تنجح بالتنظير لها – فحسب – دون العمل في سبيل نشرها، والحركة بين الناس بها، وقد حدد الإمام حسن البنا في رسالته القيمة (إلى الشباب) مجموعة المعايير التى تنجح بموجبها الأفكار والدعوات، فقال:
«أيها الشباب: إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها. وتكاد تكون هذه الأركان الأربعة: الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل من خصائص الشباب. لان أساس الإيمان القلب الذكي، وأساس الإخلاص الفؤاد النقي، وأساس الحماسة الشعور القوي، وأساس العمل العزم الفتي، وهذه كلها لا تكون إلا للشباب. ومن هنا كان الشباب قديما وحديثا في كل أمة عماد نهضتها، وفي كل نهضة سر قوتها، وفي كل فكرة حامل رايتها: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) (الكهف: 13)».
إن الداعية المتحرك في كل صوب، المتقن لدعوته في كل ثوب، إن كان في بيته فنعم العائل والمربي. وإذا خالط الناس؛ وسعهم بدعوته، وتناثرت بركات دعوته على كل من حوله من حوله. إنه المبارك في حله وترحاله. كالغيث أينما وقع نفع، قلب عامر وعقل يثابر، تقيُّ حفيُّ، نقيُّ أبيُّ، نفعه متعد، وخيره عام، يتجذر هداه في كل أرض أقام فيها.
إذا قال أسمع، وإذا وعظ أقنع، دءوب الخطو، بدهي التصرف، محمديّ الخلق، صِدّيقيّ الإيمان، عُمَريّ الشكيمة، عثمانيّ الحياء، علويّ الصلابة، فَضيليّ العبرة، حنبليّ الإمامة، تيمويّ الثبات.
مظهره متناسق مع وظيفته السرمدية، هندام نظيف ومتواضع، وهيئة تقية، وإخبات غير متكلف، إذا رآه الخلق ذكروا الله تعالى. لا يساوم الباعة ويلح في خفض الأسعار، ولا يأنف من إماطة الأذى عن الطريق، يبتسم في وجوه الناس أجمعين، ويحفظ حشمته من نزق الطائشين. فإذا ما رأيته أقبل بوجهه الضحوك. وسلامه الرونق «الفيت كل تميمة لا تنفع»
لا يلعن الظلام، ولكنه يشارك في إيقاد شمعة، إذا قصرت به وسيلة نزل إلى التي دونها، حتى لو لم يجد إلا لسانه أو الإشارة باليدين لا ستعملهما متوكلًا على الله الهادي إلى صراطٍ مستقيم.
إن الداعية الحي يترقب الفرص، ويسعى إليها ولا ينتظر مجيئها إليه، يباغت المواقف، ولا يكون هو رد فعل لها، لا يترك فرصة لما يسميه الناس الصدف أو الفجأة، بل تراه بدهيًا مستعدًا لكل موقف بما يناسبه.
ومن سمات الداعية الحي، أنه يعمل في صمت، ويؤثر العمل الدءوب على الثرثرة والتفيهق، ليس بالمنان ولا بالمعجب. شعاره بعد سماع الأمر من القادة: (عُلم وسينفذ إن شاء الله)، وإذا سئل عن تكليف أنيط به، قال: (التنفيذ جارٍ بعون الله)، فإذا أتم مهامه. أبلغ المسئول في صمت: (تم التنفيذ والحمد لله). إنها الجندية في أرقى صورها.
إن الداعية الحي متحرك لدينه، سواء كان مدرسًا أو طالبًا، مهندسًا أو طبيبًا، عالمًا أو متعلمًا، سائقًا أو راكبًا، حالًا أو مرتحلًا، أميرًا أو مأمورًا، رئيسًا أو مرءوسًا، فقيرًا كان أو غنيًا. في الشارع أو في البيت، في الجامعة أو في المدرسة، في الدكان أو في الحافلة، في الشارع أو في أي مصلحة حكومية، بلسانه ويده، بنفسه وماله بكله يتحرك للدين وينافح عنه، لسان حاله: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَأيَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162، 163) وشعاره: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَأنَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108)
تجده يدور فى فلك الشريعة، ديدنة السنَّة، فإذا هو بمنأى عن البدعة ومالم يكن عليه أمر رسول الله ﷺ، مشربه كوثر الحديث النبوي، فهو يكرع من سلسبيل الإسلام الخالص، ويشرب من عين الإيمان الصرف.
إن سُئل عن نسبة، قال:
أبي الإسلام لا أب لي سواه .. إذا افتخروا بقيس أو تميم
وإن سئل عن طبيعة دعوته، قال:
فدعوة الحق لا تخبو مسيرتها .. لا تستطيع جيوش أن تواريها
فالله صاحبها والله ناصرها .. والله حافظها والله مبقيها
وهو الداعية المجاهد، الذى وصفه الإمام حسن البنا – رحمه الله – يوماً فقال عنه: «أستطيع أن أتصور المجاهد شخصاً قد أعد عدته، وأخذ أهبته، وملك عليه الفكر فيما هو فيه نواحى نفسه وجوانب قلبه، فهو دائم التفكير، عظيم الإهتمام، على قدم الاستعداد أبداً، إن دعي أجاب وإن نودي لبى، غدوه ورواحه، وحديثه وكلامه، وجده ولعبه لا يتعدى الميدان الذى أعد نفسه له، ولا يتناول سوى المهمة التى وقف عليها حياته وإرادته، يجاهد فى سبيلها، تقرأ فى قسمات وجهه، وترى فى بريق عينيه، وتسمع من فلتات لسانه، ما يدلك على ما يضطرم فى قلبه من جوى لاصق وألم دفين، وما تفيض به نفسه من عزمة صادقة وهمة عالية وغاية بعيدة.»