الإسلام خلق الدولة الاسلامية

تلك حقيقة لا يجادل فيها أحد؛ فالإسلام هو الذي خلق الدولة الاسلامية من العدم , ومد أطرافها في كل الاتجاهات, وجعل منها دولة مرهوبة الجانب تدور في فلكها الدول وتتقرب إليها الممالك .

والقرآن هو الذي وجه المسلمين لتكوين هذه الدولة حيث بشرهم بها , وعدهم بقيامها , ودفعهم لأن يعملوا لقيام الدولة وأن يقيموها عندما تيسرت لهم سبل إقامتها .

و لقد كانت أول بشرى بقيام الدولة الاسلامية بمثابة التشجيع والتقوية للمسلمين وحضهم على الصبر والتضحية فقد كانوا يعيشون في مكة مستضعفين يصاحبهم التعذيب, ويلاحقهم التكذيب والسخرية أينما ذهبوا , نبههم الله جل شأنه أولا إلى سنته في خلقه وأنه كتب على نفسه أن يجعل الأرض ميراثا لعباده الصالحين يحكمون أهلها ويمدون سلطانهم عليها , ثم نبههم ثانيا أنه يعلمهم هذا بصفة خاصة ليفقهوه ويرتبوا عليه نتائجه ويستعدوا لها " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون. إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين. وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " الأنبياء : 105-107 .

أما البشرى الثانية فكانت بعد الهجرة إلى المدينة , فكانت بشرى ووعدا من الله جل شأنه باستخلاف المسلمين وببسط سلطان الدولة الاسلامية على الأرض والتمكين للمسلمين في أقطارها , وبابدالهم من الخوف أمنا ومن الضعف قوة " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " النور: 55.

ولقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين أثناء حفر الخندق حول المدينة بأنهم سيستخلفون على ملك فارس والروم واليمن , فكانت هذه البشرى مثارا لسخرية المنافقين والذين في قلوبهم مرض , وأخذوا يتندرون بهذه البشرى التي جاءت في وقت يحفر فيه المسلمون خندقا حول المدينة ليحموا أنفسهم من كفار قريش وأحلافها حتى أنزل الله في ذلك قوله: "وإذ يقول المنافقون و الذين في قلوبهم مرض ما وعد الله ورسوله إلا غرورا" الأحزاب:12.

ولقد دفع القرآن المسلمين لتكوين الدولة التي وعدوا بها عندما تهيأت لهم أسباب تكوينها يعد الهجرة إلى المدينة , فأذن لهم أن يقاتلوا أعداءهم الذين ظلموهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم , والقتال هو أول مظهر من مظاهر الدولة , ووعد المسلمين النصر والغلبة على أعدائهم , و نبههم بعد ذلك إلى وظيفة الدولة الاسلامية التي قدر لها أن ترث الأرض و وعد الله بالتمكين لها , وبين أن وظيفة هذه الدولة هي إقامة أمر الله و ذلك بإقامة الصلاة و ايتاء الزكاة و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر الذي ينكره الإسلام " أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ " الحج:39-41.

وإذا كانت الدولة الإسلامية قد قامت في أذهان المسلمين وهم في مكة وارتسمت لها صورة جميلة كانت تداعب خيالهم وهم محصورون في المدينة أثناء غزوة الأحزاب , فإن الدولة الاسلامية قد تكونت فعلا في المدينة بعد أن اعتنق الأوس والخرزج الإسلام وتجمعوا عليه , وبعد أن هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة , حتى إذا لحق بهم رسول الله صلى الله عليه و سلم التفوا حوله وسمعوا له وأطاعوا فكون منهم أول وحدة سياسية اسلامية , وأخذت هذه الوحدة الصغيرة – ولم تكن تجاوز المدينة وضواحيها- تكبر و تنمو وتزحف في كل الاتجاهات حتى شملت كل جزيرة العرب ثم ابتلعت بعد ذلك الدولة الفارسية وغيرها من الدول واقتطعت من الدولة الرومانية معظم ما تملكه وحبستها في أوروبا , وقد تم كل ذلك , ولما يمض أربعون عاما على تكوين الوحدة السياسية الإسلامية أو بتعبير آخر الدول الاسلامية .

ولقد قامت الدولة الجديدة على أساس الإسلام في كل شيء , في إدارتها وسياستها وحربها وسلمها وصلاتها بالأفراد والجماعات , واتخذ المسلمون حاكمين ومحكومين من القرآن وسنة الرسول دستورا لهم ينظم شئونهم الفردية و العامة , ويهيمن على شئون الحكم والسياسة والاقتصاد والاجتماع و التشريع .

و كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه و سلم أول رئيس لهذه الدولة الناشئة , فجمع برئاسته للدولة بين صفتين : أولاهما صفة الرسول فهو يبلغ عن ربه ما أوحي إليه من الدين والتشريع ويبينه للناس . والثانية : صفة الحاكم فهو يرأس الدولة ويديرها فيجيش الجيوش ويسيرها ويعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات ويعين القواد والحكام والقضاة ويقيلهم ويصرف الشئون المالية والقضائية والسياسية والإدارية .

وكان صلى الله عليه و سلم يؤدي وظيفته كحاكم في حدود الإسلام , فما جاءت فيه نصوص صريحة طبق عليه تلك النصوص وما لم يرد فيه نص طبق عليه ما يوحى به إليه إن نزل فيه الوحي بشيء فإن لم ينزل فيه وحي اجتهد في الحكم و لم يخرج بالأمر عما يقتضيه روح التشريع الإسلامي واتجاهاته العليا .

سلطان بلا ألقاب

و لقد أعيا البعض أن يفهم كيف يكون الرسول صلى الله عليه و سلم رئيس الدولة والمرجع الأول في إدارتها وتوجيه سياستها ثم لا يتخذ لنفسه أي مظهر من مظاهر الحكم , ولا يلقب نفسه بما يلقب به عادة أصحاب السلطان من ألقاب الإمارة والملك والخلافة . و لعل هؤلاء لا يعلمون أن النبي صلى الله عليه و سلم كان خلقه القرآن كما قالت عائشة , وأنه قال:  " إن الله أوحى إلى أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد " و أنه قال :" لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر " و قال:" لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبده ورسوله" ولعل هؤلاء لا يعلمون أن الاسلام يدعو إلى التواضع والبساطة والرحمة , ويكره التعالي والظهور , بل إنه ليجعل الدار الآخرة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا ترفا ولا عظمة ولا فسادا " تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين " القصص:83 . وما يليق بالرسول إلا  أن يكون مثلا لما جاء به , وأن يتخلق بأخلاق القرآن .

ثم إن ألقاب الإمارة والملك والخلافة ليست شيئا بجانب النبوة والرسالة , وما يحاول عاقل أن يستبدل الأدنى بالذي هو خير , أو أن يضيف أدنى الألقاب إلى أعلاها وأسماها , فلقب النبوة والرسالة يحجب كل لقب غيرها , ومظهر النبوة والرسالة هو المظهر الوحيد الذي يلائم النبي والرسول سواء أكان حاكما أم غير حاكم مالكا أو غير مالك .

واذا كان الله جل شأنه قد بين لنا أن بعض الأنبياء كانوا ملوكا أو خلفاء كداوود الذي آتاه الله الملك والحكمة " وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة و علمه مما يشاء " البقرة : 251: " وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة و فصل الخطاب " ص:20 . وجعله خليفة في الأرض " يا داود انا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " ص: 26 . اذا كان الله جل شأنه قد بين لنا هذا فإنما ذلك لبيان نعمه التي أنعم بها على عباده و رسله و ليس معنى ذلك أن داود كان يلقب نفسه بالملك مع النبوة أوة ان يترك لقب النبوة ليلقب نفسه بالخلافة أو الملك , و ليس أدل على ذلك من أن داود وهو ملك وخليفة كان يأكل من عمل يده كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده " وكما ذكر لنا القرآن الكريم :" وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم " الأنبياء :80 . وما أكل داود من عمل يده إلا لتمسكه بلقب النبوة ومظهرها ولأنه ألغى من حياته كل ما للملك والخلافة من ألقاب ومظاهر كما كان يفعل محمد صلى الله عليه و سلم .

ولن يفوتنا هنا أن نعرض لما روى عن الرسول من أنه قال لرجل قام بين يديه فأخذته رعدة " هون عليك فإني لست بملك ولا جبار وإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة " فإن نفي الملك والتجبر عن الرسول لا يستلزم نفي صفة الحكم ورئاسة الدولة , وكل ما يعنيه الحديث أن الرسول ليس فيه ما يخيف ويرهب فما هو بالملك الذي يستطيل بالملك , و لا بالجبار الذي يأخذ الناس بلا  حق .

كذلك الأمر في حديث الرسول الذي اختاره فيه أن يكون نبيا عبدا لا نبيا ملكا . فإن معنى الحديث لا يفيد التخلي عن الحكم و السلطان و انما يعني كراهة المال والاستطالة على الناس , بل إن مغزى الحديث هو أن الرسول ليس له أن يشكو الفقر فالله أعلم به ولو شاء لأعطاه , ونص الحديث وظروفه تقطع بهذا فقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم وجبريل عليه السلام على الصفا فقال رسول الله: " يا جبريل والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة من دقيق ولا كف من سويق " فلم يكن كلامه بأسرع من أن يسمع هدة السماء من السماء أفزعته , فقال أمر الله القيامة أن تقوم ؟ فقال جبريل: لا ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك فأتاه اسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض وأمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا وياقوتا وذهبا وفضة , فإن شئت جعلتك نبيا ملكا وإن شئت جعلتك نبيا عبدا , فأومأ إليه جبريل أن تواضع فقال: " بل نبيا عبدا ثلاثا" وفي رواية أخرى أن إسرافيل قال: يا محمد أرسلني اليك ربك أملكا أجعلك أم عبدا رسولا؟ فقال رسول الله : " بل عبدا رسولا " فظاهر نص الحديث أن النبي لم يكن يجد شيئا وأن اسرافيل عرض عليه أن يحول له الجبال زمردا و ياقوتا و فضة وذهبا , ولم يعرض عليه ممالك ولا بلادا فاختار أن يبقى كما هو , والأصل أن لفظ ملك يعني لغة كثرة الملك , فيقال لمن يملك الأموال الكثيرة أنه ملك , ويقال للواحد من الملوك الحاكمين أنه ملك لأنه عادة يملك المال الكثير كما يملك الحكم , فإذا كان الرسول يشكو الفقر وكان ما عرض عليه هو المال فقط فيكون الملك الذي رفضه هو ملك المال لا ملك الحكم .

وأخيرا فإن الملك والإمارة والخلافة والإمامة في قديم الزمان إنما كانت تدل على سلطان الحكم قبل أن تدل على شيء آخر , وهذا داود عليه السلام آتاه الله الملك وجعل له الخلافة في الأرض ولم يجعل لملكه وخلافته إلا مقتضى واحدا هو أن يحكم بين الناس بالحق " يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق " . وإذا كان هذا هو أمر الملك والخلافة والإمارة في القديم , فذلك هو أمرها نفسه في العصر الحديث , فرئيس الدولة أيا كان اسمه سواء أكان أميرا أو ملكا أو خليفة أو إماما أو زعيما أو رفيقا أو رئيس جمهورية إنما يمثل سلطان الدولة , وما للدولة من سلطان إلا سلطان الحكم .

واذا كان محمد صلى الله عليه و سلم لم يلقب نفسه بلقب الامارة أو الملك أو ما يماثلهما , ورضي لنفسه أن يكون بحيث اختاره الله نبيا ورسولا , فلن يمنع ذلك محمدا أن كان رئيس الدولة الاسلامية , وكان له من سلطان الحكم ما كان لداود الملك والخليفة , لقد قال الله لداود: " فاحكم بين الناس بالحق " وقال لـ محمد :" إنا أنزلنا اليك اكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله " وقال له :" فاحكم بينهم بما أنزل الله " فالسلطان الذي أعطى للنبي الذي وصف بالعبودية , والحكم الذي منحه هذا هو الحكم نفسه الذي منحه ذاك , فلا فرق إلا لقب الملك والخليفة ولهما من قيمة كما قلنا مع لقب النبوة والرسالة .

السلطان قديماً و حديثاً

السلطان في القديم والحديث لم يخرج عن أن يكون سلطانا ماديا , أو سلطانا روحيا , فإذا تكلمنا عن هذين النوعين من السلطان بالنسبة إلى النوعين من السلطان بالنسبة للدول فان السلطان المادي هو سلطان الحكم , أما السلطان الروحي فهو سلطان الأنبياء والمصلحين وأصحاب الآراء على العموم .

و السلطان المادي يفرض من الخارج , تفرضه على الناس القوة والغلبة , أما السلطان الروحي فيفرض من الداخل , يفرضه الناس على أنفسهم وتلزمهم اياه قلوبهم و أرواحهم و عقولهم .

والسلطان المادي في الدولة يستمد من قوة الدولة و يتركز في أشخاص الحكام القائمين عليها , أما السلطان الروحي فيستمد مما يجيء به الرسول أو المصلح لا من شخصه .

والناس دائما يخشون السلطان المادي ولا يثقون فيه , ويهربون من السلطان المادي كلما استطاعوا , فلا يطيعونه إلا كارهين و لا يسالمونه إلا مغلوبين و لا يؤازرونه إلا طامعين , وإذا استطاعوا أن ينفلتوا من حكمه وكان في ذلك منفعة لهم فلن يصدهم عن الانفلات عقل ولا ضمير . أما السلطان الروحي فإن الناس يطلبونه قبل أن يطلبهم ويعبدون أنفسهم له قبل أن يستعبدهم و يربطون أنفسهم به راضين مسرورين .

والسلطان الروحي بالرغم مما له من أثر في الأفراد قد يتعطل سيره أو يضعف عمله اذا كان السلطان المادي مضادا له؛ لأن في طباع الكثيرين من البشر أن يؤثروا الأمن و السلامة فيهملوا العمل بما يؤمنون به خشية أن يصيبهم أذى , أو يكتموه في أنفسهم فلا ينتقل إلى غيرهم .

كذلك في طبيعة الأفراد أنهم يشق عليهم أن يلزمهم السلطان المادي ما يجنبهم اياه السلطان الروحي , وأنهم يميلون إلى مقاومة السلطان المادي للتخفيف عن أنفسهم و إرضاء ضمائرهم , وهذه المقاومة مهما كانت ضعيفة تؤدي بمرور الزمن إلى تفويض السلطان المادي أو اضعافه .

فإذا بني السلطان المادي على أساس من السلطان الروحي كان ذلك أدعى إلى إسعاد الجماعة وتضامنها و توثيق الصلات بين أفرادها وبث الثقة بين المحكومين والحاكمين , بل إن ذلك يوفر على الحاكمين مشقة التنفيذ والمراقبة لأن كل فرد يقيم من نفسه رقيبا على نفسه ويقبل على أداء واجبه إرضاء لضميره . لا خشية العقاب , والنتيجة الطبيعية لهذا كله هي ثبات الأنظمة وحرص الحاكمين والمحكومين عليها .

وبهذا الذي يلائم طبائع البشر و يدعو إلى استجوابتهم , ويوفر لهم السعادة و الحب والأمن ويصرفهم إلى الخير , بهذا كله نزل القرآن على قلب محمد صلى الله عليه و سلم , حيث ربط السلطان المادي وهو سلطان الدولة بالسلطان الروحي وهو سلطان الدين , وأقام السلطان المادي على دعامة من السلطان الروحي وفي حدوده , وجعل من الإسلام عقيدة ونظاما ودينا ودولة .

دولة استكملت أركانها

ولقد حاول محاول أن يشكك في تكوين الدولة الإسلامية في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم , فقال إن النبي لم يؤسس دولة , وبني ذلك على ما يظنه من فقدان بعض أركان الدولة ودعائم الحكم , وحدد هذا المفقود فقال: لماذا لم يعرف نظام الرسول في تعيين القضاء والولاة , ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وقواعد الشورى , و لماذا ترك العلماء في حيرة و اضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه , ولماذا لم يكن للدولة ميزانية ودواوين تضبط شئونها الداخلية والخارجية ؟

وما زاد على خداع نفسه حين حاول أن يخدع الناس " يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . وفي قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا و لهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون " البقرة:10-11.

إن أركان الدولة طبقا للفقه الدستوري والإداري لا تزيد على أربعة هي :

1- وجود شعب , ولا شك في وجود الشعب في الدولة الاسلامية من يوم أن تجمع المسلمون في المدينة .

2- الاستقلال السياسي , و يتوفر اذا لم تخضع الجماعة لغيرها , ولا جدال في أن المسلمين تمتعوا بهذا الاستقلال من يوم أن تجمعوا بالمدينة , فما عرف عنهم أنهم خضعوا في أمورهم الداخلية و الخارجية لأي جماعة أخرى أو لغير توجيه الإسلام الذي دانوا به .

3- وجود إقليم تعيش عليه الجماعة بصفة مستمرة , ولقد كانت المدينة هي إقليم الدولة الاسلامية عاش فيه المسلمون بصفة مستمرة , وبدأ صغيرا لا يتجاوز المدينة وبعض ضواحيها , ثم أخذ يتسع حتى شمل كل جزيرة العرب قبل وفاة الرسول صلى الله عليه و سلم .

4- السلطان أو السيادة , وتكون إذا وجدت سلطة عامة يخضع لها جميع الأفراد , ولهذه السيادة وجهان : وجه داخلي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق إصدار الأوامر لجميع أفراد الجماعة , ووجه خارجي بحيث يكون للقائمين على السلطان حق تمثيل الجماعة أو الأمة و التصرف باسمها , وليس ثمة شك في أن هذا السلطان بوجهيه كان قائما في الدولة الاسلامية من يوم تجمع المسلمين في المدينة , وكان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي يمثل الجماعة الاسلامية في الخارج فيعقد مع الجماعات الأخرى المعاهدات والصلح و يعلن الحرب كما حدث في عهده لليهود و في معاهدة الحديبية وفي غزوة بدر وغيرها من الغزوات , كذلك كان هذا السلطان يتركز في شخص الرسول الذي كان له حق اصدار الأوامر لجميع أفراد الأمة الاسلامية وكان عليهم واجب السمع و الطاعة " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول " النساء : 59 .

واذا كانت هذه الأركان الأربعة متوفرة في الوحدة التي ألفها المسلمون برئاسة النبي صلى الله عليه وسلم فقد تكونت الدولة الاسلامية بحكم الفقه وبحكم الواقع , والتعلق بعد ذلك بالتنظيمات الداخلية انما هو تعليق بما لا يفيد و لا ينتج .

إن الجهل بالتنظيمات الداخلية لدولة ما ليس حجة على أنها لم تكن دولة , وعدم تدوين تنظيمات هذه الدولة بدقة لا يطعن في وجود هذه الدولة وإلا اضطررنا أن نمحو من سجل الدولة كل دولة لم يثبت المؤرخون تفاصيل تنظيماتها أو لم يثبتوا شيئا منها .

واذا كنا لم نعرف تفاصيل النظام الذي كان يتبعه الرسول في تعيين الولاة والقضاة فيكفي أن تعلم أنه عين ولاة وقضاة في جهات معينة, لنعلم أنه كان يفعل ذلك في الجهات الأخرى, وأنه بذلك يباشر سلطان الدولة من الوجهة الداخلية .

وليس سكوت الرسول عن التحدث عن نظام الحكم و قواعد الشورى بمؤثر على قيام الدولة التي قامت فعلا بتوفر أركانها , على أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يسكت عن نظام الحكم بل بينه خير بيان فالقرآن جعل أمر المسلمين شورى بينهم " وأمرهم شورى بينهم " وأمر الرسول أن يشاورهم في الأمر " وشاورهم في الأمر " والتاريخ حافل بذكر الوقائع التي شاورهم فيها حتى لقد كان يشاورهم في تعيين الولاة و يروي عنه في ذلك قوله :" لو كنت مُؤمِّرا أحدا دون مشورة المؤمنين لأمَّرت ابن أم عبد " .... "قوله: "مؤمرا" : من التأمير; أي: جاعلا له أميرا.
"
لأمرت" : - بتشديد الميم - .
"
ابن أم عبد": هو عبد الله بن مسعود، وفيه مدح له بأنه جامع للفضائل التي يتوقف عليها الإمارة، والمراد بالإمارة: الإمارة الخاصة، لا العامة، حتى يشكل بأنه ما كان من قريش، والله تعالى أعلم."

وهكذا جاء الرسول بمبدأ الشورى في الحكم وأقامه حكمه عليه , واذا كان لم ينظم هذا المبدأ تنظيما نهائيا فذلك لأن التنظيمات النهائية يجب أن لا تقبل التعديل بطبيعتها وكل تنظيم لمبدأ الشورى لا يمكن أن يكون إلا مؤقتا لأن التنظيم ينظر فيه إلى ظروف الأشخاص وظروف الزمان والمكان وهي جميعا أما الاحتجاج بعدم وجود ميزانية ودواوين فهو من أعجب صور الاحتجاج , خصوصا إذا كان هذا المحتج يقرر أن الدولة الاسلامية تكونت يوم استخلف أبو بكر , ولا شك أننا جميعا نعرف أنه لم تكن ثمة ميزانية في عهد أبي بكر وأن الدواوين لم تدون إلا في عهد عمر فأي احتجاج أعجب من هذا الاحتجاج ؟ و أي تناقض أبعد من هذا التناقض ؟

مدى سلطان رئيس الدولة الاسلامية

قلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع نبوته رئيسا للدولة وبذلك كان يمثل السلطان الروحي باعتباره نبيا , و يمثل السلطان المادي باعتباره رئيسا , وكانت مهمته النبوية أن يبلغ للناس ما يوحى إليه من ربه ويبينه لهم كما علمه الله , أما مهمته باعتباره رئيسا فهي اقامته الدين والحكم بما أنزل الله ونوجيه أمور الأفراد والجماعة والقيام على شئونهم جميعا في حدود ما أنزل الله .

وبعد وفاة الرسول انقطع الوحي وتحدد الإسلام فلا زيادة ولا نقص ولا تبديل ولا تعديل , وأصبح السلطان الروحي ممثلا فيما جاء به الرسول وهو الإسلام , كما أصبح الإسلام محددا بالقرآن والسنة . وكل من يخلف الرسول على رئاسة الدولة ليس له من سلطان الا السلطان المادي الذي كان يباشره الرسول باعتباره رئيسا للدولة , أما السلطان الروحي فهو للقرآن والسنة أي لما جاء به الرسول , على أنه لما كان السلطان المادي في الإسلام يقوم على السطان الروحي و يندمج فيه فإن ريس الدولة الاسلامية حين يباشر وظيفته إنما يباشر سلطانا ماديا و سلطانا روحيا اندمج كلاهما في الآخر و امتزج به .

 من كتاب "الإسلام وأوضاعنا السياسية" للقاضي الشهيد الدكتور عبد القادر عوده رحمه الله