بقلم: الدكتور خالد فهمي*
هناك أحداث تتأبَّى على الوصف، وربما صحَّ في هذا السياق استرجاع القول القديم: إن اللغة تعجز في أحيان عن تصوير بعض المشاعر؛ بسبب عجز أصحابها، واستيلاء العجز على أصحاب لسان ما في بعض المواقف، ليس لعجزٍ في طاقات القادرين المتلبِّسين بحالات الإبداع، وإنما يأتي من تلبُّس هؤلاء القادرين المبدِعين بشيء من سطوة بعض المشاعر وطغيان بعض الأحاسيس.
هذا مفتتح تثيره قصيدة الشاعر/ جميل عبد الرحمن، التي أبدعها في رثاء الراحل الكريم الشهيد/ أحمد ياسين (مؤسس حركة حماس)، التي تتصدى للدفاع عن أرض الإسلام المغتصبة في فلسطين.
ولأن القصيدة تصوِّر حادثًا مروِّعًا وجليلاً وتقف أمام نموذجٍ فذٍّ من نماذج الرجال، الذين يقلُّ جود الزمان بهم.. صحَّ من جانبنا أن نعنون لقراءتها بهذا العنوان الذي تصدَّرها، وهو "مجد فوق الرثاء!!".
في قصيدة جميل عبد الرحمن الديوان صرخةٌ لم تعُد مكتومةً، يلفها شيءٌ رهيب من الحزن، وشيءٌ مرعب من حرقة اللوعة، وشيء مفزع من الشعور بالفقد والخسارة، وشيء مُقبِض من مرارة الرحيل، وشيء تصح في وصفه قائمةٌ طويلةٌ من المفردات التي تندرج تحت حقل التيه، والشعوب بالضياع، والغياب الشبيه بفقدان الوعي.. كل ذلك بسبب من تصور الراحل الذي مضى وارتقى.
القصيدة تصوره طليقًا في القيود، وتصوره نسرًا أفزع غربان الوجود، وتصوره عُقابًا لم يشِخ يومًا، وتصوره وقد ابتدت فيه المشاعل ترتدي جلد الرعود، وتصوره جسورًا يتحدى كل ألوان المرارة.
القصيدة ترصد نسبًا شعريًّا بديعًا، عن طريق استثمار تقنية الاستدعاء التراثي للشخصيات، عندما تستولده من سلسلة طويلة من أبطال أمجاد كرام:
يرصد الأبطال صفًّا فاق صف
فرأى (سعدًا) يقود الجند يوم القادسية
واليقين العذب سلسالاً
ينادي الله
في تكبيرة تطلق سهمًا
ورماحًا ورياحًا
في نحور العدر يرمي
حيث يلقى جحفل الطغيان حتفه
هكذا استولد شيخي!
وتأمل هذا السطر الأخير يؤكد ما قلناه، ويستمر الشاعر حاشدًا له كل صور المجد والفخار والعزة عندما يصوره بالأمجاد السابقين من الصحابة الكرام الراحلين، فيقرن بين غدر الغادرين به بعد سجود الفجر وبين مَن غدروا قديمًا بعمر الفارق، يقول:
إنه أصبح رمزًا
صاغ بالنور وجوده
ساجدًا لله في فجرٍ
تلاقيه الشهادة
وهو في هذا المشهد يصوره كريمًا، من خلال الاستدعاء التراثي لشخصية عمر بن الخطاب الذي تعرَّض للغدر من جبانٍ قديم.
قبله ناش (عمر)
خنجرٌ للهرمزان
بيد نكراء شلت
للمجوس الجبان
ويرتفع المشهد ويعلو صاحبه، ويتوَّج بتاج المسجد، من خلال استدعاءٍ تراثي آخر لمشهد مقتل عثمان بن عفان:
إن ذا النورين عثمان المفدى
أزهقوا النور بعينيه
فشق النور ليلاً لا يطال
ثم يتعانق مشهد الغدر بياسين بمشهد الغدر الذي طال عليًّا كرم الله وجهه:
وعلي في صلاة الفجر أشقاهم رماه
أركس الله خطاه
وبكى الأفق عليًّا
هذه المشاهد الثلاثة هي في الحقيقة إثراء لمشهد من أنبل المشاهد؛ حيث تجمَّعت الدنيا وهزَّها رحيل الفارس القعيد.
ففي هذه المشاهد الثلاثة شيء من انصباب المجد القديم الذي حازه القمم الثلاثة على القمة الرابعة المعاصرة.
وفي الجهة المقابلة حشد جميل عبد الرحمن كل صور الخسة والغدر لقاتليه، وكما استدعى من تراثنا ما يرتقي بقامة الشيخ وقيمته، استدعى من تراث الشخصيات التي طالما غدرت وارتكست في حمأة الرذيلة والخيانة:
يا نجمة داود البليدة
والقذائف التي انطلقت مرغمة تغتاله
يا صواريخ النذالة
والطريقة التي اغتالوه بها تدل على تاريخهم الطول القذر:
لم يكن فيكم لهذا النسر ندٌّ
فإذا خِسَّتُكم تُسفر عن وجهٍ دميم
طعنة في الظهر من بعد صلاة الفجر
تستعدي الرجوم
حاكها لص عجوز وزنيم
والعتلّ المعتدي الجاني اللئيم
وكل هذه الأوصاف التي حشدها الشاعر تستدعي إلى الذهن صورةَ رموز الكفر التي خلَّدها القرآن مذمومة، وتُشكِّل الوجدان المسلم على كرهها والنفور من سيرتها، ولعن أصحابها فاستدعاء أمثال الوليد بن المغيرة وأبي لهب وأبي جهل والعاص بن وائل تم بصورةٍ شاعرة، تكثَّفت صورهم جميعًا في شخص القاتل الرجيم.
ومثلما فعل جميل عبد الرحمن في استدعائه للشخصيات التراثية التي لعنها القرآن وشنَّع عليها، فعل ذلك مع قاتل عمر بن الخطاب عند جمع له من الصفات مَا هو جديرٌ بأن يجمع قلوب المؤمنين على كراهيته، يقول:
قبله ناش (عمر)
خنجرٌ للهرمزان
بيدٍ نكراء شلّت
للمجوس الجبان
وتواجهك أوصاف تُعلن الكره، وتشي بالاشمئزاز من المتصفين بها فقاتل علي موصوف بالشقاء، ومدعو عليه بالإركاس، وابن ملجم تجسيد للشؤم والخديعة:
وابن ملجم صار شؤمًا وقناعًا للخيانة
في هذه القصيدة لعب الاستدعاء التراثي للشخصيات الإيمانية ولغيرها من رموز الغدر والكفر دورًا رائعًا في تصوير أحمد ياسين، القصيدة اقتربت به من صورة رجال الصحابة الكرام بما كان فيهم من نور، وجهاد، وبما توافر لهم من نبل المقاصد وشرف الأعمال.
القصيدة تحاول أن ترثي رجلاً ترتقي به فعاله ومناقبه عن أن تحتويه أو يحبس بعد موته في قصيدة رثاء.
والقصيدة تحاول تصوُّر مشاعر الفقد التي تتجمع من أجل الوفاء، بهذا التصوير قوائم طويلة من معجم الوجع والأحزان، فالراحل جرح دامٍ في القلب.
فارس الفتيان
يا شيخي ويا جرحًا له في القلب
ندبة
ولا يصح أن يفهم من "الندبة" هذه معنى التقليل، وإنما ينبغي أن تحمل العموم والشمول، كامن ذلك في بنيةِ التنكير الملابس لها، واستعمالها في بنيةِ الإفراد مراوغة لا يغني عنها استعمالها في بنية الجمع.
وتستمر القصيدة في تصوير آلام الوجع الآخذ بمجامع القلوب:
- يا نزيفًا لم أعد أُدرك طبه
لقد أحسن جميل عبد الرحمن عندما استعمل لفظة "انعتاق" في عنوان الديوان، وكررها في سطور شعرية في داخل القصيدة/ الديوان، فالانعتاق سليلة دلالة من مادة (عتق) الموجبة بالسماحة، والمُوحية بالكرم والأريحية، إذ العتق هو إطلاق سبيل العبد مجانًا بلا مكاتبة أو عوض.
القصيدة تظهر الدنيا متشحةً بالقيود رمزًا للقهر، وتصور الاستشهاد منحة ربانية من السيد سبحانه، القصيدة تصور الشهادة حرية هي أعلى الحريات، ولقد جعل الفقه الإسلامي الولاء باقيًا للسيد بعد العتق، وها هو ذا متفضل سبحانه على الشهداءِ فيجعلهم بعتقه أحياء عنده، موصولي العلاقة به.
ولا يصبح في هذا المقام بعد أن وقفنا عند علاماتٍ دالةٍ في القصيدة هي مشغلة النقد الملتبس بروح التفسير أن نقف قليلاً عند بعض المجاوزات اللغوية التي فرطت من الشاعر من مثل:
كلما زادوا عسفًا
كلما زادوا عنادًا
إذ لا يصح تكرار "كلما"؛ لأنه ظرف يقتضي المعنى مع التكرار من غير تكراره هو.
ومن الحق أن نُسجِّل أنَّ هذه القصيدة نموذج لما نرجو من أدبٍ إسلامي على مستوى الموضوع والفكرة التي تطرحها فليس أعز من قيمة الشهادة والفداء، أو على مستوى المعجم المختار بعناية، أو على مستوى البناء اللغوي، وقد وقفنا عند تقنية الاستدعاء التراثي للشخصيات، وكيف أضفت على المرثي الماجد أحمد ياسين ظلالاً من زمان النور.
كما جاء كثيرٌ من الصور أدلة موحية تشع منها روح الجدة والابتكار تأمل معي:
حدَّثته الأرضُ عن آلامها
والرُّبا عن مقتل الزيتونِ في أكمامها
وورود الحزنِ عن شنق الرَّبيع
والمآذن عن حمامٍ
صام عن شدو الهديل
فالمقطوعة مترعة بكثيرٍ من الاستعاراتِ الجديدة المبتكرة التي جسَّدت الآلام والأحزان لرحيل المرثي الماجد الكريم.
رحل أحمد ياسين، وظلت القصيدة تحاول أن تُرثيه، فيتأبى بما حازه من مجدٍ أن يلين للرثاء، ليظل هو وأمثاله شيئًا بل مجدًا فوق الرثاء.
--------------
* كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر