https://ikhwanonline.com/article/266140
السبت ١٣ شعبان ١٤٤٧ هـ - 31 يناير 2026 م - الساعة 12:19 م
إخوان أونلاين - الموقع الرسمي لجماعة الإخوان المسلمون
زاد الداعية

في الإسراء.. دروسٌ وعبرٌ

في الإسراء.. دروسٌ وعبرٌ
الثلاثاء 28 يناير 2025 12:31 م
بقلم: د. جابر قميحة

عن الحول.. المفهوم والدلالات

تهل ذكرى الإسراء والمعراج، فنشنف آذاننا، ونملأ عيوننا، وقلوبنا من إشراقات قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (سورة الإسراء: 1).

 

ويؤكد الوحي تحقق الحدث، ووقوع الإراءة؛ أي تمكين النبي صلى الله عليه وسلم من رؤية ما عرضه عليه الله سبحانه وتعالى من آياته، وجاء هذا التأكيد بالحكم على شخصية الرائي بالصدق المطلق بنفي الضلال والغي والهوى عنه؛ فالوحي هو معينه الذي منه يستقي وعليه تعتمد رسالته ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 4) بلا زيغ، ولا توهم ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾ (النجم).

 

فهناك إذن "رحلة" أكرم الله بها نبيه تتمثَّل في الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج من المسجد الأقصى إلى السماوات العلا.

 

وهذه الرحلة التي خصَّ بها الله سبحانه وتعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم جاءت لتحقيق "غاية" شاءها الله تعالى تتمثَّل في أن "يرى" من آيات ربه ما شاءه "لعبده"، فكانت تسلية لنبيه بعد أن فقد أعظم نصيرين له: خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب، وكانت رحلة تشريعية؛ فرضت فيها الصلاة خمسًا في اليوم والليلة، بثواب خمسين صلاة.

 

وكانت رحلة عرفانية؛ رأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاده يقينًا ومعرفةً وعلمًا بقدرة الله وآيات عظمته، وكانت رحلة "كاشفة"؛ نقَّت الصف المسلم، ونفت عنه ضعاف الإيمان الذين كذبوا حادث الإسراء وعادوا إلى الكفر.

 

***

لقد أفاضت كتب التفسير، والحديث، والسيرة، في ذكر تفصيلات الإسراء والمعراج، وأغلب القرَّاء والقارئات على علمٍ بكثير منها، ولكني أجدني مشدودًا إلى وصف المسجد الأقصى بقوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ (الإسراء: من الآية 1)؛ فما معنى "البركة"؟.. يقول الراغب الأصفهاني في كتابه القيم "المفردات في غريب القرآن": "البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، كثبوت الماء في البِرْكة. ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحس، وعلى وجهٍ لا يُحصى، ولا يحصر، قيل لكل ما يشاهد منه زيادةٌ غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة" (ص 54).

 

وفُسِّر المسجد الأقصى بأنه بيت المقدس، ويقول الآلوسي في "روح المعاني": "وبركته بما خص به من كونه متعبد الأنبياء عليهم السلام وقبلة لهم، وكثرة الأنهار والأشجار حوله. وهو أحد المساجد الثلاث التي تشد إليها الرحال" (15/ 16)، وجاء في الأثر أن "البركة" تمتد فتشمل ما بين العريش إلى الفرات.

 

***

فهناك إجماع إذن على تفسير "حوله" بالمفهوم المكاني: أي ما أحاط بالمسجد الأقصى- أو بيت المقدس- من أماكن وأرضٍ "باركها" الله؛ أي منحها من الخير ما يزيد على المعهود المتعارف عليه في تقدير البشر وحساباتهم.

 

ولكن النظر في الآية والسياق القرآني يتسع كذلك إلى تفسير "حوله" بالمفهوم "القيمي"، والحول في اللغة معناه: القوة والقدرة والبراعة، والدهاء. واستصحاب الواقع التاريخي، واستقراء مراحله وأحداثه المختلفة يقطع بأن "منطقة المسْرى"- بيت المقدس وامتداداتها- بارك الله في "حَوْل" من عاش لها، وارتبط بها، ودافع عنها وعمل على تخليصها من الأذى والبغي والعدوان.

 

ومن الأماكن ما يبعث في نفوس أصحابها ومن يرتبطون بها- فكريًّا وعقديًّا- طاقات روحية ونفسية تنعكس وتتجسد في أعمال هائلة يعجز عنها الوصف.

 

كلمة التاريخ..

وصور "الحول" الذي باركه الله في منطقة المسرى أكثر من أن تحصى؛ نكتفي منها في مقامنا هذا بصورتين: الأولى في القديم، والثانية في الحديث.

 

وأظهر الصور قديمًا نراها في معركة حطين (583 هـ- 1187م)، وهي المعركة التي أنزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة، فتحت أمام المسلمين أبواب فلسطين كلها، وكانت بدايةً قويةً لانهيار حكم الصليبيين في المشرق العربي، وقبلها وحّد صلاح الدين- تحت راية الإسلام- مصر، والشام، والعراق، والجزيرة.

 

كانت قوات الصليبيين لا تقل عن خمسين ألفًا، وجيش صلاح الدين لا يزيد على نصف هذا العدد، وتمخَّضت المعركة عن انتصار ساحق مبين للمسلمين، وقُتل من الأعداء قرابة ثلاثين ألفًا، وأُسر غيرهم آلاف؛ منهم ملوك وأمراء، مثل "الملك غي"، والأمير "ينودي شاتيون"، قال ابن الأثير: "وكثر القتل والأسر فيهم، كان من يرى القتلى منهم لا يظن أنهم أسر منهم أحد، ومن يرى الأسرى منهم لا يظن أنه قتل منهم أحد"، وكان انتصار حطين نقطة انطلاق لجيش صلاح الدين إلى التحرير الشامل، "فتم تحرير قلعة طبرية، وعكا، ومجد بابا، والناصرة، وقيسارية، وحيفا، وصفورية، ودبورية، والفولة، وجنين، وزرعين، والطور، وإسكندرية، والبيرة، وجبل الجليل، وتل الصافية، وتل الأحمر، والسلع، ويافا، وصيدا، ونابلس، وقلعة نابلس، وسبطية، وتبنين، وبيروت، والرملة، وعسقلان، وغزة، وبيت لحم، وبيت جبريل، والنطرون، والخليل.. وغيرها من عشرات المواقع، والمدن والقرى.

 

إنه العدد الأقل الذي "بارك الله حَوْلَه" فغلب- بل سحق- العدد الأكثر ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ﴾ (البقرة: من الآية 249).

 

***

وفي أواخر القرن الماضي رأينا  كيف بارك الله حَوْل انتفاضة الأطفال وجعل حجارتهم أشد لذعًا ولسعًا على اليهود من الرصاص، وقد رأينا على شاشة التلفاز كيف يهرول أعداء من الجنود الصهاينة أمام "قذائف الحجارة" من أيدي أطفال الأقصى، محاولين التماس "سواتر" تحميهم من زخَّات هذه الحجارة، ورأينا ما لا يقل عن عشرة جنود يولون الأدبار في هلع أمام امرأة فلسطينية أرادوا اقتحام بيتها، فرفعت في وجوههم "مذراة" القمح، وهي قطعة خشبية لها أصابع كأصابع الكف، يذرى بها القمح في الهواء لفصل الحب عن التبن، وعلَّل بعضهم هربه بأن ما رآه في يد المرأة كان مدفعًا شاشًا غريبًا له "مواسير" متعددة، وصدق تعالى إذ قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (البقرة: من الآية 96)، وإذ قال: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (الأنفال: من الآية 17).

 

ومن صور "الحول" الذي باركه الله ما رأيناه من بطل حماس "محمود أبو هنود" الذي استطاع أن يهزم خمسمائة من الجيش الصهيوني، ويقتل ثلاثة من ضباطهم، ويجرح آخرين، ثم يفلت بعد ذلك من أيديهم.

 

إنها البركة الإلهية الممتدة التي وسم الله بها "حول" المؤمنين وجهادهم على مدى العصور ما ثبتوا على إيمانهم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47) وهذا التفسير- ولا شك- يدفع المؤمنين إلى مزيد من اليقين والثقة في نصر الله، ويفتح أمامهم أبواب الأمل الصادق في تحقيق النصر المؤزر المبين.

 

***

ووقعة الإسراء والمعراج لم تكن في حاجةٍ لإثباتها إلى ذلك المجهود الذي بذله بعض العلماء، مستخدمين بعض الحقائق العلمية المتعلقة بسرعة الضوء وغيرها لمجابهة من يعترض أو يعجب متسائلاً: أمن المعقول أن يتم للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك: إسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومعراج منه إلى السماوات العلا، ثم يعود من هذه الرحلة إلى فراشه، وهو ما زال دافئًا؛ أي أنها رحلة لم تستغرق من عمره البشري إلا دقائق؟!
أقول: لا مجال للتعجب، ولا الاعتراض، ولا حاجة لتجنيد المعارف العلمية التجريبية لإثباتها؛ وذلك لسببٍ واضحٍ خلاصته أن الأفعال كلها" مسندة" إلى الله سبحانه وتعالى؛ فمحمد لم يَسْرِ، ولكن الله هو الذي "أسرى" به، والإراءة- أي التمكين من الرؤية- جاء من الله ﴿لِنُرِيَهُ﴾ وليس "ليرى"، وقدرة الله كاملة مطلقة؛ لا تحتاج إلى تعليل أو تبرير ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: 82)، وما على المؤمن إلا التسليم المطلق في مثل هذه الحال.

 

***

ويبقى عطاء الإسراء والمعراج فيضًا من الدروس والتوجيهات التربوية، والخلقية والدعوية، نستقطر بعضها، ونقدمه بإيجاز في السطور الآتية:

 

1- على الداعية أن يجهر بالحق ومعطيات دعوته في صراحة وشجاعة حتى لو كانت الثمرة مُرَّة، والنتيجة غير مجدية، أو ضارة في ظاهرها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قصَّ على قريش قصة الإسراء حال عودته، ولم يكتمها، فقوبل بالسخرية، وارتد بعض المسلمين عن الإسلام.

 

2- التسليم المطلق بالغيبيات من لوازم الإيمان الحق انطلاقًا من الإيمان بمصداقية المصدر، كما رأينا من أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فقد قال للمشركين الذين سعَوا إليه لتشكيكه في مصداقية الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن كان قال ذلك فقد صدق؛ فإني أصدقه على أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء غدوة أو روحة".

 

3- على الداعية أن يؤديَ دعوته بكل ما يستطيع من أدلة نظرية وعملية؛ تحقيقًا لإقناع الناس، واستمالتهم؛ فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم لقريش المسجد الأقصى، وعيرًا لهم بالطريق وعددها، وعدتها، وأحمالها، وبعيرًا لهم نفر؛ وذلك إجابةً على أسئلة لقريش أرادت بها تعجيزه وتكذيبه.

 

4- على المسلم اختيار الوقت المناسب لأداء العمل على وجهه السليم المتقن السديد؛ فليست كل الأوقات سواءً في هذا المجال، وقد نستأنس لذلك بجعل الليل- لا النهار- للإسراء.

 

يقول العلامة الآلوسي في روح المعاني: "وإنما أسري به صلى الله عليه وسلم ليلاً لمزيد الاحتفال به عليه الصلاة والسلام؛ فإن الليل وقت الخلوة والاختصاص، ومجالسة الملوك، ولا يكاد يدعو الملك لحضرته ليلاً إلا من هو خاص عنده" (9/16)، ومن لطائف ابن الجوزي في ذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم سراج، والسراج لا يُقاد إلا ليلاً.

 

5- على المسلم أن يأخذ بالأسباب، ويتخذ- بَعد التحري- ما يراه أجدى الوسائل وأنفعها لتحقيق أهدافه، دون تواكل، أو اعتماد على الصدفة والحظ؛ فإن الله القادر سبحانه وتعالى، وهو الذي ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: من الآية 47) لم يكن ليعجزه أن يُسرِيَ ويعرج بعبده في أقل من لمح البصر دون أن يوجه جبريل إلى رسوله لتبليغه بأمر الله، واتخاذ البراق وسيلةً للقيام بهذه الرحلة الربانية.

 

6- التدرج يجب أن يكون قاعدةً يأخذ الناس أنفسهم بها في كل مجالات الحياة: المادي منها والمعنوي، كأمور الإصلاح، والتقنين وتوجيه الرعية، والتربية والتعليم، وتحصيل المعارف؛ فبالتدريج تكتسب النفوس مرانة ودربة، وتتهيأ بالسهل لتقبل ما هو أصعب، واستساغة ما هو أقوى وأشد.

 

وليس هناك أخطر على النفوس والمجتمعات، والأنظمة من الطفرة، والغلو، والإسراف، وقد قيل "إن المُنبتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى".

 

وقد نبَّه المفسرون القدامى على أن من حكم هذا الترتيب؛ إذ أسري به أولاً إلى بيت المقدس، وعُرج به ثانيًا منه ليكون وصوله إلى الأماكن الشريفة على التدريج، فإن شرف بيت المقدس دون شرف الحضرة التي عرج إليها، وقيل توطينًا له عليه الصلاة والسلام لما في المعراج من الغرابة العظيمة التي ليست في الإسراء، وإن كان غريبًا أيضًا.

 

فكأنما كان الإسراء- وهو رحلة أرضية- تهيئة نفسية وروحية للمعراج.. للرحلة السماوية الكبرى وما فيها من مشاهدَ يستحيل على النفس البشرية مواجهتها، واستيعابها، والإحاطة بمدلولاتها إلا بمنحةٍ من قدرة الله ومشيئته.

 

7- من مشاهد الإسراء والمعراج ما يذكرنا بما نسميه- تعليميًّا وتربويًّا- "وسائل الإيضاح"، وهي تمثل كما هو معروف في اللوحات والمجسمات، والمشاهد الحوارية وغيرها، والهدف منها تسهيل العملية التعليمية، وتقريب المفاهيم عمليًّا وميدانيًّا من التلاميذ وطلاب العلم.

 

ففي هذه الرحلة الربانية رأى النبي صلى الله عليه وسلم فئات متعددة مختلفة من الناس، ولكل فئة "حالة غريبة"؛ مما دفع النبي صلى الله عليه وسلم إلى سؤال جبريل عن واقع كل فئة، فيشرح له جبريل حال كل فئة، وحظها من الثواب والعقاب، ومن هذه الصور:

 

أ- صورة آكلي أموال اليتامى ظلمًا، وقد تمثلوا في هيئة قوم لهم مشافر كمشافر الإبل، وقد وكل الله بهم من يأخذ بمشافرهم، ويجعل في أفواههم صخرًا من نار يخرج من أسافلهم.

 

ب- صورة الهمَّازين المشَّائين الذين يغتابون الناس، وقد تمثلوا في هيئة قوم يعذَّبون بقطْع جلودهم، وترد في أفواههم، ثم يقال لهم: "كلوا كما أكلتم".

 

ج- صورة الزناة الذين يتركون ما أحل الله إلى ما حرم، وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قومًا على مائدة عليها لحم مشوي كأحسن اللحم، وإذا حولهم جيف يهرعون إليها، ويأكلون منها، ويدعون ذلك اللحم الطيب.

 

د- صورة الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة، وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة قوم تُرضخ (تحطم) رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، فتُرضخ من جديد.

 

هـ- صورة خطباء الفتنة، وقد رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة قوم تُقرَض ألسنتهم، وشفاههم بمقاريضَ من الحديد، كلما قُرضت عادت كما كانت، فتقرض من جديد.

 

و- صورة الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة الخطيرة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها، وقد تمثل للنبي صلى الله عليه وسلم في هيئة ثور عظيم يخرج من جحر صغير، ويحاول أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع.

 

ز- صورة المجاهدين في سبيل الله: رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في هيئة قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان.

 

إن هذه الصور الغيبية التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة الربانية المباركة، لَتُذكرنا كما قلت بالآليات التربوية التعليمية التي يطلق عليها وسائل الإيضاح، وهي تعكس إيحاءً قويًا للمؤمنين الدعاة في كل زمان ومكان أن يؤثروا في دعوتهم ما كان عمليًّا يعتمد على التجسيم والتشخيص، والحركة وضرب الأمثال بالمحسوس المشهود.

 

ومن جهة أخرى نستشعر فيما قُدِّم توجيهًا للمسلم بضرورة السعي إلى المعرفة، والإحاطة العلمية بما يشاهد، وما يعرض عليه لإدراك حقيقته وأبعاده ودلالته، وأن يقصد بالسؤال من كان خبيرًا عليمًا بهذه الأمور؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يترك مشهدًا من المشاهد إلا وسأل عنه جبريل عليه السلام: "ما هذا يا جبريل؟"، "من هؤلاء يا جبريل؟"، وكل مشهد من هذه المشاهد- وأغلبها يعتمد على الترهيب- يجسِّد فداحة العذاب الذي ينزل بالعصاة والمارقين، والمخالفين لشرع الله.

 

ومن فوائد المعروض أيضًا أن على "الخبير العالم" ألا يكتم علمه، وألا يقصِّر في البيان، وأن يستفرغ كل جهده ليوضح للناس ما استغلق عليهم من أمور دينهم ودنياهم.

 

***

إنها بعض نفحات الإسراء، وعلينا أن نتعلم ونعتبر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37).

-------