بقلم: الشيخ محمد عبد الله الخطيب
لا بد من وضْع الأمور في نصابها، ولا بد من الردِّ الموضوعي، فقد طفح الكيل، وجاوز البعض المدى، وحدث خلطٌ عجيبٌ عند الحديث عن ضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو ما ننادي به، وزادت الحملة على من يرَون عدم الأخذ بأسباب الحضارة الغربية العالمية، ونحن لسنا من هؤلاء، ما دامت الحضارة راقيةً بنَّاءَةً نافعةً، وازداد الخلط أيضًا بين التخلُّف الناشئ عن آثار الاستعمار في بلادنا والتطلع إلى المجتمع الفاضل الذي يتراءى للمنادين بتطبيق الشريعة الإسلامية في شتى المجالات.
لا أجد ردًّا على هذا الخلط العجيب إلا أن أقول: إننا فعلاً ننادي بتطبيق الشريعة الإسلامية "وشعارنا القرآن دستورنا"، وننادي مع ذلك بالأخذ بأسباب العلم، ولا تعارض بين الاتجاهَين، فقد جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- فداءَ الأسير المشرِك من أسرى بدر أن يعلِّم عشرةً من المسلمين القراءةَ والكتابةَ، فجعله وهو مشرك معلمًا للمسلم، ولم يرَ بأسًا من تلقِّي المسلمين على مَن سبقهم من أعدائهم في مجال المعارِف، ما داموا يحافظون على وحْي السماء.
كما نقرر أننا حربٌ على التخلُّف في شتى المجالات العلمية والخلُقية والعملية، وأننا بحاجة ملحَّة إلى الضمير اليقِظ، والخلُق المتين الذي يبيِّنه التزامنا بتطبيق الشريعة الإسلامية، أفرادًا وجماعاتٍ، كما نؤكد ضرورةَ اقتدائنا بسيد الخلق- صلى الله عليه وسلم- والذين آمنوا معه، والذي يشكِّل أقوى الدوافع إلى بناء النهضة، التي تفوق ما يتطلَّع إليه أبناءُ القرن العشرين، ونرفض اعتبار أخطاء البعض حجةً على الإسلام، وهذا منطقٌ غريبٌ لا يستقيم في ديننا وعند العقول السوية التي تفرق بين شرع الله وواقع الناس "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون" (رواه الترمذي عن أنس وقال حديث غريب).
ونرفض الاتهامَ الرخيص الذي يدفعون به في وجْه المطالبين بالعودة إلى شرع الله وردّ الأمر إليه سبحانه، بقولهم: إننا في عصر العلم الشامل، والتنظيم الدقيق، ثم يتهمون المطالبين بشرع الله بأنهم يرغبون فقط بالتستُّر بالدين في الوصول إلى الحكم، والحق أن الذي يتستَّر بالدين للوصول إلى ما يريد من أهداف هو من غير الدعاة، هو الشيوعي الملحِد، أو العلماني، أو من كان على هذا المستوى.
فهو يحمل المسبحة ويذهب إلى الحج، ويطلق على نفسه لقبًا واسمًا إسلاميَّين، ثم هو بعد ذلك يكذب على الله وعلى الناس ويُخفي ما الله مبديه، أما حمَلة المنهج الإلهي الذين يبلِّغون رسالات الله ويخشَونه ولا يخشَون أحدًا إلا الله، فما لهم والتستُّر والتخفِّي.. إنهم رهَنوا أنفسهم وما يملكون لنصرة دين الله ورفْع لوائه، لكنه الخلْطُ العجيب من البعض والجُرأة على الحق، ومحاولة طمس الحقائق.
كما يتوهم البعضُ أن عصر تحطيم الذرة وعصر غزو الفضاء وعصر العلم والتكنولوجيا والوصول إلى الكواكب.. يَتوهم البعضُ أنه لا مكانَ للدين ولا للشرائع السماوية ولا للكتب المنزَّلة على أنبياء الله، ويزعم أن هذه المخترعات من أعظم تحديات العصر للأديان بصفة عامة وللدين الإسلامي بصفة خاصة، والتي لم يعد لها مكان اليوم.
لقد سلك هؤلاء وغيرهم طرقًا في غاية المكر والخبث والدهاء، فوضعوا الأديان في جانب ووضعوا التقدم العلمي والتفوق المادي والاختراعات وجميع ألوان الرقيّ والحضارة في جانب آخر، وكأنهما عدوَّان لا يتصالحان ولا يتصافحان ولا يلتقيان، ثم قالوا للناس: عليكم أن تختاروا، فإما طريق الحضارة والتفوق العلمي والتقدم، وإما الدين وهو التخلُّف والبقاء في الظلام والرجعية، واستعانوا بأجهزة الإعلام ليؤكدوا هذا المعنى!!
ومن شدة مكرهم انطلَت لعبتهم هذه على الكثيرين خاصةً في أمم الغرب، حتى قال أحد الذين أرادوا الدخول في الإسلام: إنني مقتنع بالإسلام، لكنني كلما هممت بالانتساب إليه تذكَّرت أنني أريد أن أركب الطائرات وأن أنزل في الفنادق وأن أتمتع بالدنيا!! إنه واحدٌ من المغرَّر بهم، إذ أفهموه أن الإسلام يحرم هذه الأشياء أو يمنعه منها على الأقل.
إن هؤلاء الذين أشاعوا هذه الأوهام ونسَجوا هذه الخيالات يعلمون تمامًا أنهم يصدُّون عن سبيل الله عن عمدٍ وقصدٍ، ويكذبون على حقائق التاريخ والواقع المعاصر، ونظرة بسيطة إلى الواقع تكذِّب كلَّ هذا الوهْم والضلال، فهل يوجد أحدٌ من المسلمين رفَضَ أن يركب طائرةً عند سفره وفضَّل عليها دابةً، أو ترك النزول في فندق وفضل عليه خيمةً نصبها في أحد الشوارع، أو رفض استخدام أرقى الأجهزة في الاتصالات أو في العمل؟!
إن أمة الإسلام هي التي صنعت الحضارة الحقيقية ورَعَتْها وطوَّرَتْها، إن تصور هؤلاء أن الإسلام دين الأمس لا اليوم ولا الغد تصوُّرٌ واهمٌ ضالٌّ وبعيدٌ عن الإنصاف والحيدة، كيف نسي هؤلاء الصلةَ الوثيقةَ بين الإسلام والفكر، وبين العقل والعلم، وبين الإسلام والحضارة المبدعة الفاضلة، التي نعمت فيها البشرية بنعمة الحرية والأمن والإخاء والمساواة والعدالة والسلام؟!
ولا تزال مبادئ الإسلام في حيويتها وبساطتها ورَوعتها وعظمتها لا تزال أهلاً لقيادة العالم اليوم وغدًا، كما قادته بالأمس إلى شاطئ الأمن والسلام والرفاهية والحرية والتحضُّر.
إن جوهر التغريب يقوم على المرتكزات الآتية:
1- الفصل بين الدين والعلم، وبين الدين والسياسة، وبين الإسلام والحياة.
2- اعتبار النموذج الحضاري الإسلامي يمثِّل زمنًا ماضيًا، فهو نظام العصور الوسطى، عصور الظلام، ولم يعد صالحًا للانطلاق من على أرضه لتحقيق أهداف الأمة.
3- اعتبار النموذج الحضاري الثقافي الغربي المعاصر يشكِّل أرقى ما وصلت إليه الإنسانية من تطوُّر، وهو النموذج الذي يجب أن يعمَّمَ على العالم كله.
4- الإقرار بأعمال الغزو والقهر والسلب التي قام بها الرجل الأبيض "المستعمر" وهو يحطِّم النموذجَ الحضاريَّ الإسلاميَّ، فهم دعاةٌ له.
إذن هناك داءٌ انتشر بين البعض من أدعياء العلمانية، هو داءُ الفصل بين الدين والعلم، فوضَعوا الدينَ في جانبٍ، في زاوية الشعائر والعبادات، وارتقَوا بالعمل إلى مرتبة عالية من التقديس، وقسَّموا المسلمين إلى رجل دين لا علاقةَ له بالدنيا ولا الحياة، ورجل دنيا لا علاقةَ له بالدين، ورجل لا علاقةَ له بالاثنين، ثم جعلوا الدين في مواجهة العلم، وكأن الدين جهلٌ وتخلُّفٌ والعلم تحضُّر وتقدُّم!! فالدين في زعمهم يحجر على العقل والفكر ويحرم عليه ذلك!!
وهذا الفهم المستورَد من خلف البحار والسهول غريبٌ على منهج الإسلام، ويصحُّ أن يكون موجودًا عند الشعوب الغربية، التي عانت من سلطان الباباوات، والكنيسة التي حالت بين هذه الشعوب والتقدم العلمي، فاضطُّرَّ الناس هناك إلى نبْذ الآراء التي تحرم عليه الاشتغال بهذه الجوانب وتحكم عليهم بالحرمان من ملكوت السماء، واتخذت الشعوب الغربية لنفسها طريقاً آخر، ووصلت إلى مرتبة علمية حضارية.
لكن ما لنا نحن بهذا كله والإسلام بعيد كل البعد عن الحجر على العقول أو الأفهام؟! إنه لا يعارِض العلم، بل يحضُّ عليه ويأمر به "يوزن دم الشهداء بمداد العلماء يوم القيامة" فهل نتجاهل تاريخَنا، ونترك دينَنا، ونسعى خلف كل من يلوك بلسانه دعوة نبذ الدين بحجة غريبة حقًّا، تقول: "إن أوروبا تنكَّرت فتقدمت علميًّا وحضاريًّا، ونحن حافَظْنا وتمسكْنا بالدين فتخلَّفنا؟!" إنها نظرية سخيفة بالية، ردَّدها اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام ونعَق بها كلُّ مقلِّد لهم، يسير على دربهم من الببغاوات عندنا.
إن دعوى هؤلاء بأن الحضارة ما تقدَّمت إلا بالعلم دعوى صحيحة، لكن الربط بين قبول منطق العلم ورفض منطق الدين واعتقاد أن الدين يعادي العلم غير صحيح، فالإسلام قائمٌ منذ بزوغ فجره على احترام العقل والدعوة إلى النظر والتفكر والتأمل في الأنفس والآفاق وفي ملكوت السماوات والأرض ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ (يونس: من الآية 101) ولقد أشاد بالعلم والعلماء، وفضل درجة العلم على درجة العبادة، وحرَّم الكهانة والعرافة، والجرْي وراء الظنون والأوهام، وصدق الله العظيم ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِين﴾ (الأنعام: آية 11).
ولقد استخدم النبي- صلى الله عليه وسلم- أسلوب الإحصاء منذ عهد مبكر جدًّا بعد الهجرة إلى المدينة المنورة مباشرةً، فقد روى البخاري أنه- صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة إلى المدينة أمر بعض أصحابه أن يحصوا عدد الذين يلفظون بالإسلام، فأحصوهم فكان عددهم خمسمائة وألفًا" (رواه البخاري في صحيحه في كتاب الجهاد).
شجَّع- صلى الله عليه وسلم- على الاقتباس وأخْذ النافع من الغير في الأمور الدنيوية التي لا تتعلق بالعقيدة ولا بالقيم والآداب ولا بالشرائع، فقد أخذ- صلى الله عليه وسلم- برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق حول المدينة، مع أنه من الأساليب التي لم تكن معروفةً عند العرب، بل هي أساليب الفرس، وقد علَّم المسلمين فقال: "الحكمة صالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها" (الترمذي).
أشار القرآن إلى استخدام التخطيط في السياسة الاقتصادية والتموينية، وكانت هذه الخطة الحكيمة سببًا في إنقاذ مصر وما حولها من الأقطار من مجاعة مهلِكة، فليس الإحصاء ولا التخطيط الدقيق ولا الأخْذ في الأسباب منافيًا للعقيدة الإسلامية، كما يحلو للبعض أن يردِّد هذا باستمرار.
إن النظرية الوافدة والمستوردة كانت نابعةً من علمانية الحضارة الغربية، وكانت تعني فصل الدين عندهم عن الحياة فصلاً كاملاً، واستبعاد معاييره من كل شئون الحياة، سواءٌ منها ما يتعلق بالتربية أو الاجتماع أو الاقتصاد والسياسة والأخلاق، إنها تعني التخلص من الإيمان بالله وبالدار الآخرة ومن ضوابط الشرع بالواقع المحسوس، هو المنطلق في الأول والآخر، والحواس هي سبيل المعرفة، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْر﴾ (الجاثية: من الآية 24) إنها سياسة دنيوية المحتوى والقصد، لا تعترف بشيء خارج الحياة الدنيا، وهيهات هيهات أن تعيش أو تستمر أو تنمو في بلاد الإسلام، لأنها مخالفة لكل شيء!!
إن ما بناه الإسلام في مجال التعليم والثقافة والصحة والسياسة الخارجية والداخلية والأحوال الشخصية والمدنية وغيرها مما يقودنا إلى أننا حيال نمط عقدي حضاري سياسي اقتصادي ثقافي مدني قائم بذاته له سمات وله آليات حركته، قامت الأمة على أساسه، ونهضت على أساسه، واستقلت على أساسه، وطورت طاقتها الإنتاجية والعلمية والثقافية على أساسه، وكافحت أمراضها وعاهاتها على أساسه.
كل هذا العطاء وغيره يجعلنا نؤكد أن هذه الرسالة عالمية لجميع البشر ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِين﴾ (يوسف آية 104)، ونؤكد أيضًا أن الإسلام بعد نزوله بقليل صنَع أمةً وأقام دولةً لم يشهد مثلها التاريخ من قبل، وأقام حضارةً لم ترَ الإنسانيةُ لها من قبل ولا من بعد مثيلاً، كما نؤكد أن الإسلام صديقٌ للعقل والفكر والعلم والتجديد والتطور والحضارة،، وهو تراثٌ روحيٌّ وفكريٌّ وحضاريٌّ للإنسانية كلها، دين رسالته دائمًا التبشير بقيم إنسانية رفيعة.
في فترات الاستعمار المباشر احتدمت المعارك في المجاالات الاجتماعية والسلوكية بين النمط الإسلامي، والنمط الوافد أو المستورد، ثم جاءت المرحلة اللاحقة فأصبحت المساجلات ممنوعةً، كأنما الصراع حُسم في مصلحة التغريب، ثم انساحت الأنماط الغربية في مجال اللباس والعادات والمأكل والمشرب، حتى طريقة الاستهلاك أصبحت عند البعض تسير حسب النمط الغربي، ويظهر عندنا الكثير من الشباب والفتيات في أزيائهم وأذواقهم يحرصون على هذه التقاليد، ثم ازدادت التبعية وفقدان الشخصية والهوية.
والحمد لله فإن الصحوة الإسلامية وجَّهت المسلمين إلى العودة إلى منابع دينهم والتمسك به، فبدأ الكثير من الفتيات يطبقن الإسلام، ويرتدين الحجاب، ويحرصن على مرضاة الله، ويتمسكن بشرع الله، ويَظهرن بالمظهر الكريم اللائق بخير أمة أخرجت للناس، وكذلك بالنسبة إلى الشباب الناهض المؤمن، فعاد الشباب إلى دينه وربه، يحلُّ ما أحلَّ الله ورسوله، ويحرِّم ما حرَّم الله ورسوله﴿وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون﴾ (يوسف: من الآية 21).
إن المسلمين اليوم يؤمنون بأنه ليس هناك دينٌ يصلح لعالم اليوم ويصلح له كلَّ الصلاحية إلا الإسلام، فهو دينٌ عمليٌّ حضاريٌّ بكل معاني هذه الكلمات؛ لأنه دين خالد، وسيظلُّ- كما كان- دين العالم بالأمس ودين العالم اليوم وغدًا بإذن الله.