بقلم: د. مجدي الهلالي

أراد مشركو مكة ومَن تحالَف معهم من قبائل العرب أن يستأصلوا شأفة الإسلام، ويقضوا على الدولة الإسلامية الوليدة بالمدينة المنورة، فخرجوا بجيش ضخم يبلغ قرابة العشرة آلاف مقاتل، وحاصروا المدينة حصارًا شديدًا، واشتدَّ الأمر على المسلمين، وطال الحصار دون أن يحقِّق جيش الكفر هدفَه، فالخندق الذي حفره المسلمون يحمي الجهة الشمالية للمدينة، والجبال تحيط بالجهتَين الشرقية والغربية، ويهود بني قريظة- المتحالفون مع المسلمين- في الجهة الجنوبية..

 

وفي أثناء ذلك الحصار طمع يهود بني قريظة في النصر الشامل على المسلمين، فتحالفوا مع المشركين، وانتهى الخبر إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فبادر إلى التحقق منه، فأرسل سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، وخوَّات بن جبير، وقال: انطلِقوا حتى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟! فإن كان حقًّا فالحنوا إليَّ لحنًا أعرفه، ولا تفتُّوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس.

 

فلما دنوا منهم وجدوهم على أخبث ما يكون، فقد جاهروهم بالسبِّ والعداوة، ونالوا من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقالوا: مَن رسول الله؟! لا عهدَ بيننا وبين محمد، ولا عقد، فانصرفوا عنهم، فلما أقبلوا على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لحَنُوا له، وقالوا: عضل والقارة.. أي أنهم على غدرٍ كغدرِ عضل والقارة بأصحاب الرجيع.

 

يقول صاحب الرحيق المختوم: وعلى رغمِ محاولتهم إخفاء الحقيقة تفطَّن الناس لجلية الأمر، فتجسَّد أمامهم خطرٌ رهيبٌ، وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيءٌ من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصرافَ عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما يقول الله تعالى ﴿وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا﴾ (الأحزاب: 10-11).

 

فماذا كان رد فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تجاه هذا الخبر؟! يقول المباركفوري: أما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فتقنَّع بثوبه حين أتاه غدْر قريظة، فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتدَّ على الناس البلاء، ثم نهض يقول: "الله أكبر.. أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره".. إجابة مفاجِئة للجميع.. كيف يكون التبشير بالنصر في ظل هذا الموقف العصيب؟!

 

أتدري لماذا كانت هذه الإجابة؟! لأنه- صلى الله عليه وسلم يعلم بأنه طالما كانت الأبواب الأرضية مفتوحةً أمام الناس فإنها قد تكون سببًا في إضعاف التوكل على الله والاستنصار المطلق به، فإذا ما أُغلقت جميع الأبواب، واستنُفذت جميع الأسباب، لم يكن أمام القلوب المؤمنة إلا أن تتجه بكلِّيَّتها إلى الباب الأعظم.. الباب الذي لا يُغلق.. باب القادر المقتدر، فتقف أمامه موقنةً بأنه وحده الذي سينجِّيها ويؤويها وينصرها، فيحدث- تبعًا لذلك- الزلزال الذي يهدم جميع تصوراتها عن إمكانيات إحراز النصر من خلال باب آخر.. عند ذلك تنفتح أبواب السماء، ويأتي الفرج، ويكفيك في هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (يوسف: من الآية 110).

 

فعندما يتم اليأس التام والمطلق من الأسباب في كونها تستطيع بذاتها أن تجلب لنا النفع أو تدفع عنا الضرَّ.. عندئذ يأتي الفرج والنصر والمَدَد، ويؤكد على هذا المعنى الحافظ ابن رجب فيقول: "ومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب أن الكرب إذا اشتدَّ وعظُم وتناهَى وُجِدَ الإياسُ من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده، ومَن انقطع عن التعلق بالخلائق وتعلَّق بالخالق استجاب الله له".

 

منحة في طيات المحنة

معنى ذلك أنه لو استطاعت القلوب أن تتجه بكليَّتها إلى الله في كل وقت، ويئست من الناس، ولم تتعلق بأحد منهم، لكان الفرج متواصلاً في السرَّاء والضرَّاء، ولكنَّ طبيعة النفس وانخداعها