مشروع إسرائيل الكبرى أُسّه وأساسه الديني!
بقلم: د. إسماعيل صديق عثمان
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على المصطفى وعلى عباده الذين أصطفى، يجيء هذا المقال عقب تصريحات نتنياهو عن مشروع إسرائيل الكبرى وردود الأفعال الصامتة عليه ـ إذا جاز أن نعتبر الصمت ردا للفعل ـ وهو محاولة من الكاتب لتحريك العالم العربي والإسلامي - بالأفعال وليس الأقوال - حيال العدوان الإسرائيلي التوسعي المستمر المدعوم أمريكياً على غزة والمنطقة العربية والذي أسفر عن عشرات الألاف من الضحايا غالبيتهم من النساء والأطفال، وأصيب بسببه أكثر من مائة الف فلسطيني، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من المفقودين والمحاصرين تحت الأنقاض، كما أدَّى الحصار الإسرائيلي المشدد على غزة إلى قطع الضروريات الأساسية من الغذاء والمياه والكهرباء والوقود، مما تسبب في انهيار الرعاية الصحية والمجاعة الوشيكة غير المسبوقة في العصر الحديث، فيما اكتفت الأمم المتحدة بالإدانة الخجولة والشجب القولي، وحذرت من خطر التطهير العرقي الجماعي للشعب الفلسطيني.
وقد أصدرت لجنة الاجتهاد والفتوى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فتوى في نازلة استمرار العدوان على غزة، أهم ما تضمنته: وجوب الجهاد بالسلاح ضد الاحتلال في فلسطين على كل مسلم مستطيع في العالم الإسلامي، ووجوب التدخل العسكري الفوري من الدول العربية والإسلامية، وأكدت على ضرورة إمداد المقاومة عسكرياً ومالياً وسياسياً وحقوقياً وأنه واجب شرعي، وإنشاء حلف عسكري إسلامي لحماية الأمة وردع المعتدين، وأن ذلك واجب شرعاً بشكل عاجل،
وبالمقابل ها هي إسرائيل تصرح علناً بمواصلة مشروعها للتمدد والتوسع في الأراضي العربية لإقامة ما تسميه دولة إسرائيل الكبرى، - وتصريح ترامب بتهجير أهل غزة واستلامها يصب في دعم هذا المخطط - ولعلنا في هذا المقال وفي ضوء المستجدات المعاصرة نحتاج لضرورة الوقوف على ماهية مشروع دولة إسرائيل الكبرى، وعلاقته بالعقيدة الدينية لليهود ونصوصهم المقدسة! التي تحرضهم على محاولات الإعتداء على المسجد الاقصى وهدمه، والدعوة إلى بناء الهيكل الثالث، ورفضهم لعملية السلام، أو الإنسحاب من الاراضى المحتلة، والتطلع إلى حدود اسرائيل الكبرى!
فالصهيونية ادّعت أنّ فلسطين هي الوطن القومي التأريخي لليهود، و أن لها الحق في المطالبة بالعودة إلى هذه الأرض، والدراسات اليهودية عموماً تحاول أن تضخم مساحة أرض إسرائيل لتصل إلى النيل غرباً وإلى الفرات شرقاً، وقد استند اليهود في هذا الزعم إلى ما نسبوه إلى الله - عز وجل - في التوراة حيث خاطب فيه إبراهيم عليه السلام بقوله: (لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَات) (التكوين 15:18)، وقد بدأت القبائل الإسرائيلية بالعيش في فلسطين التي كانت في ذلك الوقت تسمى أرض كنعان أو أرض الفلسطينيين كان لتلك البقعة – أو لأجزاء منها – أسماء عديدة مثل الاسم المصري رتنو، الاسم اليوناني يودا، الاسم الروماني واليوناني يهودا، الاسم الآرامي آرا دي يسرائيل، بالإضافة إلى أسماء أخرى مثل، إفرايم، يِهود، يهودا، إيودا، يوداعيا، الأرض المقدسة وطيرا سانتا.
يشار إلى أرض إسرائيل كذلك باسم (أرض الميعاد) نسبة لوعود الله المتكررة إلى إبراهيم وذريته كما ورد في نص التوراة السابق.
فتمتد إسرائيل بحسب التعريف الواسع للـ (وعد) من (نهر مصر) (الذي يعتقد أنه يتواجد في وادي العريش، وليس النيل) إلى نهر الفرات، ويشمل هذا التعريف مناطق تتواجد في مناطق دولة إسرائيل، الضفة الغربية (يهودا والسامرة)، قطاع غزة، شرق سيناء، لبنان، سوريا وجنوب شرق تركيا.
ويعتقد العديد من العلماء أن هذه الحدود تعكس المنطقة التي كانت (أو يعتقد أنها كانت) تحت سيطرة الملك داود والملك سليمان.
ويرى البعض أن أرض إسرائيل هي من نهر الدان (اللدان) إلى بئر السبع، وهو التعريف الرسمي الوارد عدة مرات في الكتاب المقدس، والذي يشير لغالبية الأرض التي احتلها بنو إسرائيل. وبحسب تعريف آخر – معروف في التراث اليهودي باسم (حدود القادمين من مصر)، ويصف المناطق التي استوطنت فيها قبائل يهوشع – تمتد أرض إسرائيل من شمال النقب حتى لبنان وجنوب غرب سوريا، ومن شرق نهر الأردن حتى البحر الميت. والتعريف الأخير – وبحسب هذا التعريف فــــــــ(المنطقة المقدّسة بحسب العائدين من الأسر في بابل) (في نهاية القرن الخامس قبل الميلاد تحت قيادة عزرا الكاتب) – تمتد أرض إسرائيل من جنوب وادي أخزيف (وادي القرن) بجانب قرية معليا إلى النقب (لا يشمل البحر الأحمر)، وشرق نهر الأردن، يشمل مناطق من الجولان حتى البتراء جنوبًا.
واختيار اسم إسرائيل وإطلاقه كاسم للدولة – الكيان المحتل حالياً - بدلاً من دولة اليهود لم يأتي من فراغ، فعندما أعلنت الصهيونية عن قيام دولتها في فلسطين في مايو 1948م أطلقت عليها (دولة إسرائيل) لإيجاد تناسق بين اسم الدولة والاسم العبري لفلسطين وهو أرض إسرائيل، وكذلك إيثاراً للصفة العنصرية الكامنة في اسم إسرائيل على الصفة الدينية في لفظة اليهود، ولعدم الرغبة في التذكير بالحدود القديمة لمملكة يهوذا البائدة التي لم تكن تشمل إلا القسم الجنوبي من فلسطين بدون ساحل البحر مما يمثل قيداً للمطامع التوسعية.
الدلالات الدينية والتأريخية لعقيدة (الأرض الموعودة) عند اليهود:
الأرض هي المقابل العربي لكلمة (إرتس) العبرية التي ترد عادة في صيغة (إرتس يسرائيل) أي (أرض إسرائيل) (فلسطين). وترد النصوص اليهودية تأكيدا لهذا المعنى لتقديس أرض فلسطين التي تستمد قدسيتها من تقديس الإله لها برعايته لها أو توحده معها أو الإسكان فيها على زعم تعاليم العقيدة اليهودية. كما جاء في سفر يوشع: لذلك لا تقيمون بأرض الرب… أو كان الرب يتعاطف مع أورشليم ويغريها ـ إن كلمات أورشليم، أو صهيون، أو أرض إسرائيل، أو كلمة (أرض) نفسها، مواد تندرج تحت فكرة أو عقيدة (الأرض).
وقد وعد الرب برعاية الأرض بنفسه، فقد جاء في التوراة :( ويتعهدها الرب إلهكم، وعيناه عليها دائما من أول السنة إلى آخرها).
وهناك أسفار كثيرة جداً تؤكد أن أرض إسرائيل أرض الرب وهو يرعاها، وهي أقدس أرض لأن الرب قدسها، وتقر التوراة في كثير من أسفارها بأن الله قد أعطى أرض إسرائيل (فلسطين) لإبراهيم وونسله، أي شعبه المختار. لذلك استنادا إلى هذا الإقرار التوراتي تعتقد الجماعات اليهودية بحقها التاريخي والديني لأرض فلسطين.
ويخاطب الرب إبراهيم بقوله: (...أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين لأعطيك هذه الأرض ميراثا لك) وجاء في التوراة أيضا: (فاعملوا بجميع الوصايا التي أنا آمركم بها اليوم لتتشجعوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي أنتم عابرون إليها لتمتلكوها فهي أرض أقسم الرب لآبائكم أن يعطيها لهم ولنسلهم...).
وجاء أيضا: وقال الرب لأبرام بعدما فارقه لوط: (ارفع عينك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً، فهذه الأرض كلها أهبها لك ولنسلك إلى الأبد... قم امش في الأرض طولاً وعرضاً لأنّي لك أهبها). وتتسع رقعة وجغرافية الأرض التوراتية، بحيث تتنوع جغرافيتها، فمثلاً جاء في موضع: (وأجعل حدود أرضكم من البحر الأحمر جنوبا إلى البحر المتوسط غربا، ومن الصحراء شرقا إلى نهر الفرات شمالا، وأسلم إلى أيديكم سكان الأرض فتطردونهم من أمام وجوهكم) وجاء في موضع آخر: (كل موضع تدوسه أخامص أقدامكم يكون لكم، من البرية جنوبا إلى لبنان شمالا، ومن نهر الفرات شرقا إلى البحر غربا).
أما أكثر المفهوم توسعاً من الناحية الجغرافية فهو: (في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام عهداً قال: (لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات) (التكوين 18:15).
وفي مواضع أخرى نرى أن الشريعة المكتوبة (التوراة) تخلط عقيدتي الشعب الإلهي والأرض الموعودة وتذكر هاتين العقيدتين في نص واحد، ونفهم من هذا أن مفهوم الشعب لا يتم بدون مفهوم الأرض، و (سأخلص شعبي من أرض المشرق ومن أرض مغرب الشمس، وأجيء بهم فيسكنون في وسط أورشليم، ويكونون لي شعبا، وأكون لهم إلهاً) كل هذه الأسفار تعطي خلفية عقيدية ودينية للفكر القومي اليهودي، وبها تتغذى تلك القومية، وتبرر أفكارها وادعاءاتها في كون اليهود المنتشرين في العالم أصحاب أرض فلسطين الحقيقيين.
وفي كتاب التلمود نجد: (الواحد القدوس تبارك اسمه قاس جميع البلدان بمقياسه ولم يستطيع العثور على أية بلاد جديرة بأن تمنح لجماعة يسرائيل سوى أرض يسرائيل).
فالأرض في العقيدة اليهودية هي الأرض المختارة التي اختارها الرب لشعبه (شعب إسرائيل)، ومن هنا ارتباط الحركة الصهيونية بالأرض، حتى اتخذت من (جبل صهيون) في القدس اسماً وشعاراً لها.
والصهيونية بجميع تياراتها وتوجهاتها تقوم على أساس تقديس الأرض ووهم إعطاءها من قبل الله لشعب إسرائيل، لذلك فإن الصهيونية تقصد بالأرض (أرض إسرائيل) وترفض وجود شعب آخر في تلك الأرض، لذلك ليس هناك في الفكر الصهيوني إشارة إلى كلمة (فلسطين)، وهو ما أكده مناحم بيجين الزعيم الصهيوني (1913-1992)) عندما قال: (إن اليهود لو تحدثوا عن فلسطين بدلا من (إرتس يسرائيل) فإنهم يفقدون كلَ حق لهم في الأرض، لأنهم بذلك يعترفون ضمنا بأن هناك وجوداً فلسطينياً).
ويظهر ذلك بصورة أوضح في تعليق الحاخام راشي، (1040-1105) على العبارة الإفتتاحية في التوراة (في البدء خلق الله السماوات والأرض) التكوين 1:1، بقوله: (إن الله يخبر إسرائيل والعالم، أنه هو الخالق ولذلك فهو صاحب ما يخلق يوزعه كيفما يشاء، لذا، إذا قال الناس لليهود أنتم لصوص لأنكم غزوتم أرض إسرائيل وأخذتموها من أهلها فإنه يمكن لليهود أن يجيبوا (إن الأرض مثل الدنيا ملك الله، وهو قد أعطاها لنا).
وعقيدة العودة إلى أرض الوطن من القضايا المتعلقة بمسألة الأرض في النصوص اليهودية. وقد بدأت فكرة الحنين إلى الوطن بعد ما تم إجلاء اليهود من أرض فلسطين على يد البابليين سنة (586ق.م)، أي في فترة الأسر البابلي.
بدأت هذه العقيدة بعد أن تم إدخالها في النصوص التوراتية، مع بداية تدوين النصوص التوراتية في فترة الأسر البابلي التي كانت المنفى الأول بالنسبة لليهود الذين ولدوا في فلسطين وترعرعوا هناك، ونرى أن نزعة العودة هذه قد جعلت مدوِّني النصوص التوراتية أن يقوموا بإدخال نصوص وإشارات فيها كانت بداية تبلور فكرة العودة. وكانت تلك النصوص خير عزاء لليهود المطرودين آنذاك بعد أن تعرضوا لعدة هزائم انتهت بالسبي البابلي، وكانت أفق الأمل كذلك، حيث تبشر بأن اليهود سوف يعودون إلى الوطن، ويعود إليهم المجد والسلطة مرة أخرى.
فمنذ ذلك الحين تتغنى الجماعات اليهودية المتشتتة بالنصوص التي تبشر بعودة اليهود إلى صهيون، وتستمد النزعة الصهيونية عبر تاريخها روحها وحركتها من الدلالات الدينية والتأريخية للأرض (أرض صهيون).
والصهيونية كنظرية قومية دينية تسعى لتحقيق عودة اليهود إلى أرض صهيون، وكنظرية قومية دينية تحلم بعودة اليهود بقيادة الماشيح المخلص إلى أرض صهيون، وبقيادة أمور الدنيا بعد العودة، وتقوم على أساس لاهوت الشعب المختار ولاهوت الأرض المقدسة. والمؤسسات الدينية اليهودية تحاول عبر تاريخها الطويل (منذ التدمير الثاني لأورشليم والمعبد سنة 70م) أن تفهم اليهودي بأنه غريب ومنفي، لأنه يعيش خارج أرض صهيون. كما تُعلم التوراة اليهود جميعاً بأنهم سيكونون غرباء في أرض غير أرضهم التي هي (فلسطين).
وفي ذلك تقول موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: (والواقع أن تعاليم التوراة ، لا يمكن أن تنفذ كاملة إلا في الأرض المقدسة بل، وكما جاء في أحد أسفار التلمود وفي أحد تصريحات بن جوريون ، فإن السكنى في الأرض بمنزلة الإيمان: (لأن من يعيش داخل أرض إسرائيل يمكن اعتباره مؤمنا ، أما المقيم خارجها فهو إنسان لا إله له).
وفكرة الأرض تتخطى فكرة الثواب والعقاب الأخلاقية.. فقد جاء أن من يعيش خارج أرض الميعاد كمن يعبد الأصنام.
يقول المفكر الإسلامي علي عزت بيجوفيتش: (تمثل اليهودية بين الأديان اتجاه (هذا العالم)، فجميع أفكار ونظريات العقل اليهودي معنية بإقامة جنة أرضية.
و(كتاب أيوب) هو حلم بالعدالة التي لابد أن تتحقق على الأرض، لا في العالم الآخر وإنما (هنا والآن).
وعليه فاليهودية الحاخامية الصهيونية فقد حولت الديانة الموسوية من ديانة تحقق للإنسان الفوز في حياة خالدة، إلى ديانة تحاول تحقيق عودة مجموعة من البشر إلى رقعة جغرافية معينة (فلسطين)، بداية لتحقيق جنة أرضية تتسم بالعدالة، والشعب اليهودي (المجموعة المعينة من البشر) سيكون صاحب هذه الجنة، أي هو الذي سيتحكم بأمورها وأمور البشر فيها، وذلك لأن إلههم وعد أن يكون شعب إسرائيل فوق جميع الشعوب (أي أن يكون شعب الله المختار).
إذن فالصهيونية -المرتبطة بالشعب والأرض- حركة دينية سياسية قومية تقوم على الكراهية والاغيار التلمودية، وعلى احتلال قطعة جغرافية معينة من الأرض لتأسيس الهيكل المقدس عليها، ذلك الهيكل الذي سيحكم في النهاية العالم أجمع حسب زعمهم.
قتل الحقائق التأريخية والتزييف:
وبالنظر إلى أن هذه النتائج أعلاه والتي قدم لها اليهود لتبريرهم للاحتلال، والتي لا يمكن قبولها من قبل العائلة الإنسانية والعالم العربي والإسلامي، فالمتأمل فيها يجدها محاولة شائهة لخلق تأريخ مزّيف لفلسطين بأرضها وشعبها..
بينما الحقائق التأريخية تقول: إن إعطاء الأرض لإبراهيم جاء على أساس العرف السائد في المنطقة آنذاك، والذي يؤكد على إعطاء الأرض مقابل حماية سكانها،
وفي ذلك يقول الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي: النص الذي يستند إليه الصهاينة هو النص الذي يمنح كل أرض كنعان لإبراهيم: (وأعطي لك ولنسلك من بعدك أرض غربتك كل ارض كنعان). سفر التكوين/ الإصحاح السابع عشر، الآية 8، ويكشف هذا التفسير للكتاب المقدس القائم على عزل النص من مجموع نصوص الكتاب المقدس، وعن الإطار التأريخي، عن تصور قبلي للدين، فالواقع أن هذا العهد قد أعطي في أيام إبراهيم وفق نموذج العلاقات الإجتماعية في الشرق الأوسط كلّه في ذلك الحين إذ كانت كل قبيلة تتعاهد مع سيد ما لتعده بالطاعة مقابل حمايته.
ويختم هذا الميثاق -كما ذكر الكتاب المقدس- بذبح حيوانات التضحية!
ويعد الختان رمراً لهذا العهد (سفر التكوين، الإصحاح السابع عشر، الآية 10)، كما إن التوراة نفسها دليل على أن فلسطين ليست أرض إبراهيم، وأنه تعامل مع أهلها وسكانها معاملة غريب،
فعلى سبيل المثال جاء في التوراة أن سارة زوجة إبراهيم (ماتت في قرية أربع، وهي حبرون، في ارض كنعان. ودخل إبراهيم يندب سارة ويبكي عليها. فلّما قام من أمام جثمانها قال لنبي حثّ: أنا غريب ونزيلٌ بينكم، دعوني أملك قبراً عندكم لأدفن فيه ميتي من أمامي (التكوين 23: 2ـ 5)، ثم يذكر هذا السفر أن إبراهيم اشترى حقل عفرون في تلك القرية بأربع مئة مثقال فضة، ودفن سارة فيها (التكوين 23: 12-20).
وجاء في موضع آخر من التوراة: (وقال إبراهيم لكبير خدم بيته ووكيل جميع أملاكه: ضع يدك تحت فخذي فأستحلفك بالرب إله السماء وإله الأرض أنْ لا تأخذ زوجةً لابني من بنات الكنعانيين الّذين أنا مقيم بينهم. بل إلى أرضي وإلى عشيرتي تذهب وتأخذ زوجةً لابني إسحق) (التكوين 24 : 2-5.)، أما دينياً فالحق أنه لا يليق بالله سبحانه وتعالى أن يعطي أرضاً (تمتد من النيل إلى الفرات) لشعب خاص، و يسبّب طرد و تشتت وعذاب شعب آخر، فالله إله جميع البشر ويعطي الأرض لجميع الناس ليعيشوا بعضهم مع بعض في محبة وسلام وحسن جوار، ونحن نعتقد أن الله عادل – وليس عنصري - في إعطاء مستلزمات الحياة للبشر جميعاً حتى يقوموا بعبادته على أكمل الوجه، وهو يهتم بشؤون حياة البشر جميعاً لأنهم جميعاً مخلوقاته.
الحقائق التأريخية تبطل ادعاء مقولة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض):
وهناك حقائق تأريخية ثابتة - سنختصرها هنا - تبطل ادّعاء الصهاينة بخرافة حق اليهود التأريخي في فلسطين ناهيك عن مشروعها الذي يراد له ضم الأراضي العربية حولها: ومن هذه الحقائق أن بنو إسرائيل دخلوا فلسطين غزاة من الخارج دون أن يكون لهم بها جذور أو تأريخ، واستعملوا القوة الوحشية ليحصلوا على الإنتصار على السكان الأصليين.
أي إن بني إسرائيل دخلوا إلى فلسطين بعد وقوع حرب دامية بينهم وبين السكان الأصليين، هذا كان بسبب أنّهم ليسوا أصحاب أرض فلسطين، بل اعتبروا غرباء، لذلك قاومهم سكان الأرض الأصليون - كما يفعلوا الآن -، وهذا يعني أنّ بني إسرائيل جاؤوا إلى منطقة مسكونة، وليس إلى صحراء او منطقة خالية من السكان،
يقول غارودي: (حين جاءت قبائل ابراهام في القرن الثاني عشر قبل الميلاد من أراضي (أور) فيما بين النهرين لتستقر في أرض كنعان، فإنّها لم تأت إلى صحراء مهجورة، ولم تكن أول من يقطن هذه الأرض، فقد وصل إليها الأموريون قبلهم بثمانمائة عام، وجاءهم الآراميون في القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وبعدهم بقليل نزل الفلستينيون في المنطقة الساحلية، ولم يطرد داوود الفلستينيين والآراميين -نحو ألف عام قبل الميلاد- إلاّ عن طريق الحرب)، والتوراة نفسها تعترف بوجود قبائل كثيرة في المنطقة كانت ساكنة فيها قبل مجيء العبرانيين (التكوين 15: 18-21)، وبعد سقوط مملكة داوود أصبحت البلاد... إقليماً آشورياً في القرن الثامن قبل الميلاد، وغدت فيما بعد إقليماً رومانياً، ثم فارسياً ثم عثمانياً قبل أن تنتقل إلى أيدي المستعمرين الإنجليز، وفي العصر الحديث نرى الصهاينة يستخدمون المقولة الإستعمارية (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض)، لتبرير سياساتهم الإستعمارية - خاصة في بدايات القرن العشرين - وهذه المقولة تستند إلى وهم أن فلسطين خالية من السكان، وهذا إهمال سافر لوجود سكان أصليين يعيشون منذ القدم في المنطقة، فعلى سبيل المثال إن هرتزل لا يشير إشارة واحدةً إلى العرب في كتابه (الدولة اليهودية) (1896) الذي كان الأساس الذي قامت عليه الصهيونية، وقد أكد هرتزل في عام 1895 أن المشروع الصهيوني واضح للغاية وسهل التحقيق: (إعطاء أرض بلا شعب لشعب بلا أرض).
وفي ذلك الوقت كان يعيش في فلسطين أكثر من نصف مليون عربي. ثم إن اليهود لم يستطعوا أن يمدوا سلطانهم إلى كل فلسطين، ووقفوا عند منطقة التلال الداخلية، أما منطقة الساحل فقد ظلّت في أيدي السكان الأصليين. كما لم يعرف بنو إسرائيل بفلسطين حياة الاستقرار على الإطلاق، وظل السكان الأصليون يناضلون ضدهم حتى أخرجوهم.
والتاريخ يقول أن بني إسرائيل احتلوا أرض كنعان لمدّة خمسة قرون و زال حكمهم كما زال حكم غيرهم من الدول كالآشوريين و الفرس و الفراعنة و الإغريق و الرومان، بينما ظلّ شعب فلسطين راسخاً في أرضه، و كان الحكم الإسلامي هو الأطول حيث استمر حوالي 1200 سنة (636-1917 ) باستثناء الفترة الصليبية وهي (90 عاماً)، ثم انقطعت صلة اليهود عملياً بفلسطين نحو 1800 عام (منذ 135 م ـ و حتى القرن العشرين) ولم يكن لهم تواجد سياسي أو حضاري أو ريادي فيها، والمنطق يقول إذا كان البقاء طوال تلك الفترة في فلسطين مبرراً لادّعاء كون فلسطين الأرضَ التأريخيةَ لليهود ، فإن الغزاة الآخرين ـ على سبيل المثال الرومانيين (أي الإيطاليين حالياً) ـ يستطيعون أيضاً أن يدّعوا ملكيتهم في فلسطين ، وإحتلال الأرض لمدة طويلة أو قصيرة ليس مبرراً ولا يعطي شرعية للإدعاء بوجود حق تأريخي لليهود في فلسطين. خصوصا يهود اليوم والذين لا يمتون بصلة عرقية باليهود القدماء، وهي حقيقة تكفي لوحدها في إسقاط ادّعاء اليهود الصهاينة اليوم بحقهم التاريخي في فلسطين.. فأكثر من 80 %من اليهود المعاصرين ـ حسب دراسات عدد من اليهود أنفسهم مثل الكاتب الشهير آرثر كوستلر ـ لايمتون تأريخياً بأيّ صلة لفلسطين ، كما لا يمتون قومياً لبني إسرائيل، فالأغلبية الساحقة ليهود اليوم تعود إلى يهود الخَزَر (الأشكناز)، وهي قبائل تترية ـ تركية قديمة كانت تقيم في شمالي القوقاز، و تهودت في القرن الثامن الميلادي . يقول العلامة ( لامبروز ): إن اليهود المحدثين هم أدنى إلى الجنس الآري منهم إلى الجنس السامي، و هم عبارة عن طائفة دينية تميزت بميزات إجتماعية و اقتصادية، وانضم إليها في جميع العصور أشخاص من شتى الأجناس ومن مختلف صنوف البشر وجاء هؤلاء المتهوّدون من جميع الآفاق، فمنهم (الفلاشا) سكان الحبشة، و منهم الألمان ذوو السحنة الألمانية ومنهم (الثامل) أي اليهود السود في الهند، وهذه الجماعات اليهودية مجرد أتباع ديانة خاصة و ليست لها أية علاقة بأرض خاصة، بل كل جماعة تنتمي إلى وطن و جنس خاص ، على غرار أتباع الديانات الأخرى. إلا أن الصهيونية أنكرت ذلك واعتبرت تلك الجماعات أعضاء قومية خاصة لها الحق التأريخي في فلسطين.. وعليه فمشروع إسرائيل الكبرى وادعاء الصهيونية بوجود حق يهودي تأريخي في فلسطين غير صحيح وباطل وغير قابل للتطبيق، كما أن فرضية علاقة اليهود المعاصرين بالقدماء فرضية غير صحيحة أيضاً وهي غارقة في الوهم العنصري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* د. إسماعيل صديق عثمان إسماعيل؛ عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أستاذ العقيدة والأديان المشارك، بكلية العلوم الإنسانية. جامعة بحري، السودان.