بقلم: محمد خير موسى
في لحظةٍ يتصارع فيها استبدادٌ متديّن وعلمانيةٌ متوحشة، تتجدّد الحاجة إلى إحياء السؤال الجوهري: ما حقيقة حضور السّياسة في الإسلام؟ وهل كانت ـ أصلًا ـ ملحقة بالدين أم من جوهره؟ وهل هناك نظريّة سياسيّة في الإسلام أصلًا؟
هذا المقال رحلةٌ تأصيلية شرعيّة وفكرية فلسفية في جذور النظرية السياسية الإسلامية، وفيه لا نكتفي بتوصيف الواقع، بل نحاول إعادة بناء المفاهيم، وتحرير العقل المسلم من أسر التغريب، واستئناف الاجتهاد من محراب التوحيد.
حين يُقصى الإسلام من ميدان السياسة.. تأملات في لحظة الانفصال بين العقيدة والسلطة
لم يكن العام 1924م مجرّد منعطفٍ سياسي عابر في تاريخ الأمة، بل لحظةً زلزالية هزّت العمق الوجودي للوعي الإسلامي، حين اجترأ مصطفى كمال أتاتورك على إلغاء الخلافة، فأنهى بذلك رمز الوحدة الجامعة، وأعلن بجرّة قلم قطيعةً منهجيةً بين الدّين والدولة، بين الشريعة والسيادة، بين العقيدة ومجال التدبير العام.
هذا الحدث لم يكن إصلاحًا إداريًّا كما يُروّج له في أدبيات التغريب، بل كان فعلاً فلسفيًّا ذا دلالة حضارية؛ إذ عبّر عن مشروع نزع القداسة عن الاجتماع السياسي الإسلامي، وتجفيف منابع الروح من جسد الدولة.
لقد عاشت الأمة الإسلامية لقرون طويلة على وعيٍ متماسك لا يُفرّق بين الدّين والسّياسة إلا كما يُفرّق بين الرّوح والجسد؛ فالسّياسة في نظر الإسلام ليست حلبة صراع دنيوي تُفصل عن القيم، بل هي مجال من مجالات العبودية، يُراد بها إقامة العدل، ورفع الظلم، وصيانة الدّين، ورعاية مصالح العباد، وفق مقاصد الشرع الكلية، ولم يكن الحكم في الرؤية الإسلامية مجرّد سلطة، بل وظيفة تكليفية، وسدانة للمصلحة، ومجالًا من مجالات الوراثة النبوية في رعاية الشأن العام.
إنّ ما حدث في بدايات القرن العشرين كان انفجارًا لمنظومةٍ كاملةٍ من التراكمات الغربية التي تطبّعت بها النخب، فأعادت بناء الدولة على أسس علمانية مستوردة، جعلت المصلحة مقدّمة على النص، و”الوطن” متخيّلًا قوميًّا يُعاد تشكيله بمعزل عن الرؤية الدينية الكونية ولم يكن هذا التحوّل السياسي محايدًا، بل كان إعادة صياغة للوعي الجمعيّ، وترسيخًا لمقولات خطيرة في صميم العقل المسلم، أبرزها: أنّ الدين شأنٌ فرديّ، وأنّ السياسة علمٌ مستقلّ لا علاقة له بالوحي، وأنّ الدولة تُدار بمعايير النجاعة والواقعية لا الأخلاق والشرع، وبهذا، نُفي الإسلام من الفضاء العام، ونُزعت مرجعيّته في التشريع، وأُسقطت عنه وظيفة الهداية الحضارية، التي كانت ملازمة له منذ نزل قوله تعالى: "وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ" [1].
ثمّ حين هبّت رياح الربيع العربي عام 2011م، تكسّرت الجدران الصلبة التي أحاطت بالدولة “الوطنية”، وانفجرت الأسئلة المؤجَّلة التي لطالما أُرجئت باسم “المصلحة” أو “الواقعية السياسية”؛ فإذا الأمّة تقف فجأة أمام فراغٍ مرجعيّ صارخ: ما موقع الإسلام من السياسة؟ وهل ثمة نظرية سياسية متكاملة في الإسلام، أم أنّنا أسرى اجتهادات فقهية متفرقة، لا ترقى إلى منظومةٍ فلسفية تؤسّس لبديل حضاري؟
هذه الأسئلة لم تكن رفاهًا فكريًّا، بل كانت سؤالَ وجود؛ لأنّ السياسة ــ بالمعنى الإسلامي ــ ليست مجرّد آليات حكم، بل انعكاسٌ لفهم الإنسان، وموقعه في الكون، وعلاقته بربّه، ووجهة مسيره التاريخي.
ولهذا، فإنّ غياب التأصيل العميق للنظرية السياسية الإسلامية لم يؤدّ فقط إلى سوء الممارسة السياسية، بل إلى ارتباك في الهوية، وتشوّهٍ في البناء العقدي، وانفصالٍ قاتل بين فقه الشريعة ومجال السلطة.
لقد آن الأوان أن نعيد النظر في هذه القطيعة المفتعلة، ولا يكون ذلك بالعودة إلى فقه الدولة السلطانية أو بالارتهان إلى نماذج غربية معلبة بل ببعث الرؤية القرآنية الكبرى، التي ترى الدولة وسيلةً لا غاية، وترى الحكم أمانةً وليس امتيازًا، وترى السياسة امتدادًا عمليًّا للعبودية وليست مجالًا للمكر والخداع.
فمن دون التأّصيل المنهجيّ تبقى الشعارات معلّقة في الفراغ، وتبقى مشاريع الإسلاميّين مهدّدةً بالارتطام؛ لأنها تسير بلا جذور معرفية واضحة، ولا تصوّرٍ قرآنيّ يؤطّر علاقتها بالحكم والناس والعالم.
ومضة تمهيديّة؛ حين يُساء فهم المصطلح
هل في الإسلام نظرية سياسية؟ قبل أن نجيب عن السؤال، لا بدّ من تحرير المفهوم؛ ما المقصود بـ”نظرية سياسية”؟ وهل نعني بها منظومة عقلانية مكتملة على غرار ما أنتجته الفلسفة الغربية الحديثة؟ أم نعني رؤية شاملة تربط السياسة بالأخلاق، والسلطة بالتكليف، والحكم بالوحي؟ إذ كثيرٌ من مناقشات هذا السؤال انزلقت إلى نفيٍ ساذج بحجة “أنّ الإسلام لم يأتِ بنظام سياسي جاهز”، أو إلى إثباتٍ مغالٍ يرى كلّ تجربة حكم إسلامي نموذجًا معصومًا.
والحقّ أن الإسلام ــ بطبيعته دينًا خاتمًا ــ لا يقدّم “نظرية سياسية” بمعناها الأكاديمي المجرّد، بل يؤسس رؤية حضارية كلية، تتضمن مبادئ السياسة، وحدود السلطة، ومقاصد الحكم، وتحدد غايات الاجتماع البشري في ضوء مرجعية التوحيد والاستخلاف.
أولًا: الإسلام لا يؤسّس لفصل الدين عن السياسة، بل يُدرج السياسة ضمن مقاصد الدين
إنّ من أبرز معالم التصور الإسلامي للوجود أنّه لا يفصل بين “الدنيوي” و”الديني”، ولا يعترف بازدواجية الذات المؤمنة بين مجالٍ تعبّدي محصور ومجالٍ سياسي مستقل، بل يجعل السياسة امتدادًا عمليًّا للعبودية.
قال الإمام الجويني في غياث الأمم: “الإمامة رياسة تامة، وزعامة عامة، تتعلق بالخاصة والعامة، في مهمات الدين والدنيا؛ مهمتها حفظ الحوزة، ورعاية الرعية، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف، وكف الخيف والحيف، والانتصاف للمظلومين من الظالمين، واستيفاء الحقوق من الممتنعين، وإيفاؤها على المستحقين [2].
فالدولة ليست غاية، ولكنها آلة لإقامة العدل، وصيانة الضرورات الخمس، وحراسة الدين.
ولذا، كانت الخلافة كما في تعريف الماوردي: “موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا”[3] وأمّا ابن خلدون فيقدّم تعريفًا إبداعيًّا لكلّ من المُلك والخلافة فيقول: “إن الملك الطبيعيَّ هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسّياسي هو حمل الكافّة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”[4] فلا سياسة بلا دين، ولا حكم بلا مرجعية وحي، وهذه هي الخصيصة الفارقة بين الرؤية الإسلامية وبين الليبرالية الحديثة.
ثانيًا: القيم العليا للحكم في الإسلام؛ معيار الشرعية لا زخرف الشعارات
ليس من منهج الإسلام أن يفرض على المسلمين قالبًا سياسيًّا جامدًا، أو نموذجًا مؤسسيًّا موقّتًا، يُغلق به باب الاجتهاد في إدارة الشأن العام؛ ومن هنا فإنّ ما يُقدّمه الإسلام في السياسة ليس تفصيلًا تقنيًّا فحسب، بل ميزانًا قيميًّا، يجعل الحكم مقبولًا أو مردودًا، راشدًا أو فاسدًا، بحسب مدى تحقيقه لتلك القيم العليا التي تتجاوز الزمان والمكان، وتظل معيارًا خالدًا يُحاسب عليه الحاكم، وتُبنى عليه شرعية الدولة.
وأهم هذه القيم:
* الشورى: وهي ليست مجرد نظام تداولي، بل هي تعبير عن مبدأ الاستخلاف الجماعي، ووسيلة لتحرير القرار من سلطان الفرد، وهي كذلك قيدٌ أخلاقيٌّ ومعرفيٌّ على الحاكم، لا زينةٌ ديمقراطية أو شكليّة إجرائية، قال تعالى: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ”[5] فجعلها من خصال المؤمنين لا من فضائل النُظُم.
* العدل: وهو القيمة الحاكمة، التي يُقبل بها الحكم ويُرفض، ويُعزَل بها السلطان ويُولّى، فهو غاية الغايات في السياسة الإسلامية، قال تعالى: “لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ”[6]، فلا يُشرعن الظلم مهما توارى خلف رايات الدين أو عناوين الشرعية الشكلية.
* البيعة: وهي ليست تفويضًا مفتوحًا، بل عقدٌ رضائيٌّ مشروط، تُمنح بموجبه الولاية وفقًا لضوابط الشرع، وتُسحب عند الإخلال بها، وهي من أهم آليات تحقيق الرقابة الجماعية، ومظهر من مظاهر مسؤولية الأمة في صيانة المشروع السياسي من الانحراف.
* المحاسبة: وهي في الفقه الإسلامي فريضة جماعية، لا ترف معارض، بل واجب شرعي يدخل في فقه “النهي عن المنكر”، يشمل الإنكار السياسي على الحاكم، ومقاضاته، بل عزله عند الجور، وقد ذكر ابن المبارك في “الزهد”: ” أتى عمر بن الخطاب مشربة بني حارثة فوجد محمد بن مسلمة فقال عمر: كيف تراني يا محمد؟ فقال: أراك والله كما أحبّ، وكما يحبّ من يحبّ لك الخير، أراك قويًا على جمع المال، عفيفًا عنه، عادلًا في قسمه، ولو ملت عدلناك، كما يعدل السهم في الثقاف، فقال عمر: هاه، فقال: لو ملت عدلناك، كما يعدل السهم في الثقاف، فقال عمر: الحمد لله الذي جعلني في قوم إذا ملت عدلوني”[7]، فاستقامت الدولة باستقامة ميزانها، لا باستسلام الناس.
* الطاعة المشروطة: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” حديث صحيح، وفهمه أسلاف الأمة في سياق العمل السياسيّ وكانوا يذكّرون بعضهم به في التعامل مع منظومة الحكم، فعن الحسن البصري قال: “أنَّ زيادًا استعمَلَ الحَكمَ بنَ عَمرٍو، فلَقيَه عِمرانُ بنُ حُصَينٍ، فقال: أمَا تَذكُرُ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا بلَغَه الذي قال له أميرُه: قَعْ في النَّارِ، فقام ليَقَعَ فيها، فأدرَكَه، فأمسَكَه. فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: لو وقَعَ فيها لدخَلَ النَّارَ؛ لا طاعةَ لمَخلوقٍ في مَعصيةِ اللهِ؟ قال الحَكمُ: بَلى. قال: إنَّما أرَدتُ أنْ أُذكِّرَكَ هذا الحَديثَ [8].
و”لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق” قاعدة ذهبية تُنهي كل سرديات “الطاعة المطلقة”، وتفصل بين طاعة النظام والوفاء بالحق، فالطاعة مقيدة بالمعروف، وهي فريضةٌ إذا كانت نصرةً للحق، ومعصيةٌ إذا صارت غطاءً للباطل.
وهكذا، فهذه القيم ليست مجرّد أخلاق سياسية، بل هي مرتكزات شرعية يُبنى عليها قبول الحكم ورفضه، فالدولة في التصور الإسلامي ليست قِدْرًا يغلي فيه السلطان بما شاء من سياسة، بل هي أمانةٌ معلّقة في عنق كل حاكم، ومِيزانٌ تقيس الأمة به مدى قرب الحُكم من مقاصد الدين.
إنّ السلطة في الإسلام لا تُمنح لمن يطلبها، ولا تُحتكَر باسم “درء الفتنة”، ولا تُحصّن باسم “الشرعية التاريخية”، بل هي وظيفةٌ تكليفية، وليست امتيازًا نخبويًا، ومجالُ عبوديةٍ لا مجرّد حرفة حكم.
فلا يُحكم بصحة الدولة في الإسلام لمجرّد أن حاكمها يُصلّي، أو أن دستورها يُعلن الإسلام دينًا رسميًّا، بل يُنظر: هل كانت خادمةً للدين أم متاجِرة به؟ وهل كانت قائمةً بالقسط أم قابعة في الظلم؟ وهل رعت الأمانة أم استباحت الأمة؟ فهنالك توزن الدولة في ميزان الشريعة وليس في سجلات القانون.
ثالثًا: حضور الفقهاء في مجال السياسة؛ من فقه الأحكام إلى فلسفة العمران
لم يكن فقهاء الإسلام يومًا بمنأى عن ميدان السياسة، ولا انعزلوا في أبراج الفقه الفردي يتأملون الأحوال الطهورية ويهملون تدبير الشأن العام، بل كانوا في قلب المعترك الحضاري، يُبصرون بأعين الشريعة حركة السلطان، ويقيسون بميزان الوحي عدل السلطة، ويضعون معالم فكرية وأصولًا فقهية، تُضبط بها العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتُهندس بها بُنية الدولة الرشيدة.
لقد دوّنوا في فقه الإمامة الكبرى، وحدود الطاعة والعصيان، وشروط البيعة والنقض، ومهام السلطة ومسؤوليات الأمة، وأبدعوا في رسم معالم الدولة المسلمة، لا من خلال نظريات مُغْلقة، بل بمنهج المقاصد، وبعينٍ فاحصةٍ تربط النص بالواقع.
وكان في طليعة هؤلاء:
الماوردي (ت 450هـ) في كتابه “الأحكام السلطانية والولايات الدينية”، الذي يُعدّ أول محاولة منهجية لتقنين الوظائف السياسية في الدولة الإسلامية، حيث وضع إطارًا دقيقًا لمهام الإمام، وواجبات القضاء، ومراتب الولاية، وحدود التدخل السياسي في الشأن العام، مع حفاظٍ دقيق على توازن العلاقة بين الشريعة والسلطة، والماوردي لم يكن مروّجًا لحكم الجَوْر، بل كان واقعيًّا فقيهًا، يحاول أن يُبقي للشرع مجالًا في لحظة تسلط السلطان.
ثم جاء الجويني (ت 478هـ)، إمام الحرمين، في كتابه الفذّ “غياث الأمم في التياث الظُّلَم”، ليخوض في السياسة الشرعية بنَفَسٍ مقاصديّ، فتميّز عن سابقيه بجرأة في تصور الفراغ السياسي، ووضع شروط الإمام، وسيناريوهات غياب الدولة، مركزًا على مقاصد الإمامة وأسباب مشروعيتها، بل تجرأ على طرح سؤال: هل تبقى الشريعة قائمة إذا غاب الإمام؟، ففتح الباب أمام فكرة الشرعية الجماعية ومشاركة الأمة في حمل أمانة الحكم.
أما ابن تيمية (ت 728هـ)، فقد طرح نموذجًا متقدمًا في كتابه “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية”، إذ أخرج السياسة من قيد المكر والخداع، وردّها إلى أصلها الأخلاقي، حيث جعل وظيفة الحاكم هي تحقيق العدل ورفع الظلم، وربط السلطان بالعلم، وأكد أنّ الإمامة ليست استحقاقًا وراثيًّا ولا مغنمًا سلطويًّا، بل أمانة شرعية يُحاسَب عليها الإمام يوم القيامة، لا يتولاها إلا الأصلح، لا الأقرب ولا الأقوى.
ثم جاء الشاطبي (ت 790هـ) في “الموافقات”، ليرفع السياسة الشرعية إلى أفق المقاصد الكلية، إذْ رأى أنّ السياسات لا تُقيمها النصوص وحدها، بل روح الشريعة ومآلات الأفعال، فجعل حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، موازين دقيقة للحكم على السياسات، ولو بدت في ظاهرها غير منصوص عليها، مؤسّسًا بذلك لمدرسة التفكير المقاصدي التي تصلح لكل زمان، وتسدّ الفجوة بين الثابت والمتغير.
وأخيرًا ابن خلدون (ت 808هـ)، الذي لم يكن فقيهًا تقليديًّا، بل مؤسسًا لفلسفة العمران البشري، في “المقدمة” التي غدت مرجعًا عالميًّا في علم الاجتماع السياسي، لقد أدرك ابن خلدون أنّ الدولة ليست مجرد حكم، بل دورة حضارية، تنهض وتنهار، وتقوم على العصبية، لكنها لا تستقر إلا بالشرع. وقدّم رؤية عميقة في العلاقة بين الدين والسياسة، والتوازن بين الدولة والسلطة، والفساد الذي يصيب العمران إذا تحوّل الحكم إلى ملك عضوض، أو تعطّلت مقاصد الشريعة.
هذه الكتابات، وإن لم تُنتج “نظرية سياسية” بالمعنى الغربي الحديث، فإنها تشكل جذورًا فكرية وأصولًا تأصيلية لنظرية سياسية إسلامية متكاملة، يمكن اليوم أن تُعاد قراءتها في ضوء التحديات المعاصرة، فتُستخرج منها المبادئ الكبرى، وتُبنى عليها النظم المؤسسية، وتُجسر الهوة بين النص والواقع.
إننا لا نبدأ من الصفر، بل نقف على كتف تراثٍ عميق، فيه من الفقه ما يُنير، ومن الرؤية ما يُلهم، ومن الجرأة ما يُحرر، شرط أن نُحسن البناء عليه، لا أن نحجبه أو نحصره في النقول الجامدة.
رابعًا: النظرية السياسية الإسلامية بين الوحي والاجتهاد
في قلب النظرية السياسية الإسلامية ينبض توترٌ خصب بين قطبين لا يفترقان؛ الوحي المنزل والعقل المجتهد، فليست هذه النظرية تعاقدًا بشريًّا محضًا كما تخيّل فلاسفة الحداثة، وليست أيضًا نظامًا مغلقًا جامدًا يُلغي الواقع ويعلّق الزمن، بل هي هدايةٌ من الله تعالى، ومجاهدةٌ من الإنسان، وسعيٌ لفهم سنن الاجتماع الإنساني في ضوء الوحي.
ففي هذه النظرية، لا تكون السيادة للشعب بالمعنى الغربي المطلق، حيث تصير الإرادة الجمعية مصدرًا للحق والباطل، ولا تكون السيادة للحاكم كما في نظرية التفويض الإلهي التي صاغتها الملكيات الكاثوليكية، بل السيادة الحقيقية لله تعالى وحده، الذي له الخلق والأمر، والتشريع والحكم، لكن هذه السيادة لا تعني تجميد الزمان، ولا تسطيح الإنسان، بل تفتح الباب واسعًا أمام العقل المجتهد ليستنبط، ويُنزّل، ويكيّف، ويختار من آليات الحكم ما يحقق مقاصد الشريعة، ويقيم العدل، ويصون الكرامة، ويمنع الفساد. ولهذا قال الإمام ابن القيم في “إعلام الموقعين”: “إنّ الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلّها، ورحمة كلّها، ومصالح كلّها، وحكمة كلّها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظلّه في أرضه، وحكمته الدّالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها، وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل [9].
هذه العبارة ليست قولًا بلاغيًّا، بل إعلانٌ فلسفيٌّ لمركزية العقل الفقهي في فهم السياسة، وتأكيدٌ على أنّ الشريعة لا تُختزل في ظاهر النصوص، بل تُفهم بروحها ومقاصدها وسننها، فالوحي لا يُقصي العقل، بل يستنفره، ويضع له قواعد، ويكفله بالاجتهاد فيما لا نص فيه، ويجعله مسؤولًا عن استنطاق الواقع ومخاطبة الزمان.
ومن هنا، فإنّ النظرية السياسية في الإسلام ليست معادلة رياضية، ولا معمارًا شكليًّا، بل رؤية حضارية مرنة، لها ثوابت في الغايات، ومتغيرات في الوسائل؛ فالثابت هو العدل، لا شكل الدستور، والثابت هو الشورى، لا طريقة الانتخابات، والثابت هو منع الاستبداد، لا اسم المؤسسة.
وهكذا، تتشكل النظرية السياسية الإسلامية من ثلاث طبقات متفاعلة:
- النص القطعي: الذي يضع الأطر الكلية والمقاصد العظمى، مثل تحكيم الشريعة، إقامة العدل، مبدأ الشورى، حرمة الظلم، واجب الأمانة.
- الاجتهاد المقاصدي: الذي يتعامل مع المتغيرات، ويختار الوسائل المناسبة من تجارب الأمم دون أن يفقد انضباطه بالميزان الشرعي.
- الوعي التاريخي: إذ لا يُبنى حاضرٌ رشيد منبتًّا عن الماضي؛ فالخلافة الراشدة، وتحوّلات السياسة في الإسلام، وتجربة العصور، ليست وحيًا، ولكنها مخزون وعي، يجب قراءته دون تقديسه لاستخلاص السنن من خلاله، كما قال ابن خلدون: “التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال، وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يعد في علومها وخليق [10].
بهذا الجمع المركّب، تخرج النظرية السياسية الإسلامية من ثنائية “نصّ جامد أو عقل منفلت”، وتتموقع بوصفها مشروعًا حضاريًّا متزنًا، يتعبد بالعدل، ويفكّر بالمصلحة، ويهتدي بالوحي، ويعمل بالسنن.
وهذا التوازن، الذي لطالما افتقرت إليه التجارب المعاصرة، هو الذي يمنح السياسة الإسلامية شرعيتها الأخلاقية، ومرونتها الواقعية، وقدرتها على مخاطبة عالمٍ تتغير فيه الوسائل كل يوم، لكن تبقى فيه القيم العليا والمقاصد الربانية هي الثوابت التي لا يحق لأحد تجاوزها.
خامسًا: هل نحن أمام غيابٍ للنظرية أم غيابٍ لتأصيلها وتأطيرها؟
ليس الإشكال في الإسلام من جهة امتلاكه لرؤية سياسية، بل في غياب المشروع التأصيلي المعاصر الذي يُعيد الكشف عن هذه الرؤية ضمن منهجٍ علميٍ متكامل، يزاوج بين استنطاق النصوص، وتفكيك التجربة التاريخية، وتحليل الواقع بأدواتٍ معرفية منضبطة لا تنصهر في فلسفات التغريب، ولا تنعزل في قوقعة الماضوية.
فالنظرية السياسية في الإسلام ليست غائبة، لكنها مبثوثة في بطون الوحي، وفي مقاصد الشريعة، وفي التجارب التي لم تُقرأ بعدُ بوصفها علمًا سياسيًّا، بل جُزّئت تحت فقه البيعة، وآداب الإمامة، وأحكام الخروج والطاعة، من دون أن تُؤطَّر في بناءٍ نظري واضح المعالم.
وما نحتاجه اليوم ليس اختراعًا سياسيًّا هجينيًّا مستوردًا من الخارج، ولا إعادة إنتاجٍ لإرثٍ سلطاني متقادِم، بل تحرير للعقل المسلم من أسر المناهج الوافدة، وإعادة بناء لفكر سياسي يُنير الواقع بنور العقيدة، ويُقيم السلطة على أساس من التوحيد لا من الشهوة أو الغلبة.
إنّ النظرية السياسية الإسلامية، إذا أُعيد تأصيلها، لا تظهر بوصفها "أيديولوجيا حزبية" تستثمر الدين في سبيل التمكين، ولا “مشروع سلطة” يتستر بالشرع لقمع الناس، بل "أمانة رسالية"، تقوم على تكليفٍ لا تشريف، وعلى تحقيق القسط لا امتلاك الكرسي، وعلى الشورى لا الاستبداد، وعلى العدل لا التسلّط.
لكن هذه الأمانة لا تكتمل إلا إذا نُسجت بخيوط ثلاث:
عقيدة التوحيد التي تخلع العصمة عن كل حاكم، وتجعل المرجعية لله تعالى لا للهوى.
فقه العمران الذي يدرك سنن الاجتماع والتحول، ويُراعي طبائع الخلق في التشريع والسياسة.
شهادة الأمة التي تعني مشاركة الجماعة في الرقابة والمحاسبة، لا تحوّلها إلى جمهورٍ خاملٍ يُصفّق أو يصمت.
فحين نُعيد ربط السياسة بالمقاصد الشرعية وليس بالمصالح الضيقة، والحكم بمرجعية الوحي لا بأهواء النخب، والمجتمع بمهمته الرسالية وليس بوظيفته الإنتاجية فقط؛ نكون قد خطونا أولى خطوات التحرر من وهم التغريب، نحو استعادة العقل المسلم لرسالته الحضارية، وتحرير السياسة من أن تكون مكرًا دنيويًّا إلى أن تغدو عبوديةً ربانية.
سادسًا: الطريق إلى التحرر السياسي يبدأ من التحرر المعرفي
إنّ معركة الأمة اليوم ليست فقط مع الطغاة والاحتلال، بل مع بنى مفاهيمية كاملة، صيغت بلسان غربي، وغُرست في العقول تحت شعارات الحداثة. فلا يمكن الحديث عن سياسة إسلامية دون استرداد “المرجعية”، ولا يمكن بناء دولة مسلمة دون تحررٍ من أسر “المعيارية الغربية” التي تجعل كل ما سواها همجية وتخلفًا.
علينا أن نُعيد طرح السؤال السياسي في ضوء التوحيد وليس الهوية الوطنية، في ضوء الاستخلاف وليس المنفعة، في ضوء العدل الرباني وليس النسبية الأخلاقية.
إنّ النظرية السياسية الإسلامية ليست نزوة تاريخية، ولا أحكامًا تراثية، بل هي امتدادٌ للرؤية العقدية الكبرى التي ترى الإنسان خليفةً، والسياسة أمانة، والسلطة تكليفًا، والمجتمع شاهدًا على الناس، والغاية إقامة العدل لا حيازة القوة.
ولن يكون للأمة مستقبل سياسي إلا إذا بدأت من تأصيل نظريتها بالبحث في الوحي، وفهم الواقع، وتشييد خطابٍ سياسي يجمع بين التوحيد والحرية، بين النص والاجتهاد، بين المقاصد والمؤسسات، وليس باستيراد صمّ للتجارب، أو بتمجيد ساذج للماضي.
سابعًا: نحو نظرية سياسية إسلامية معاصرة.. من بعث الفكرة إلى بناء النموذج
إنّ بعث النظرية السياسية الإسلامية في العصر الحديث لم يعد خيارًا فكريًّا أو مطلبًا ثقافيًّا، بل هو ضرورة حضارية، وفريضة شرعية، واستجابة وجودية لأمّة تبحث عن ذاتها بعد قرونٍ من التغريب السياسي، والتبعية الفكرية، والانشطار المفاهيمي بين الدين والدولة.
لقد آن للأمة أن تخرج من قيد المفاضلة المزيفة بين استبدادٍ يتزيّا باسم الدين، وعلمانيةٍ تتنكّر له، وأن تستعيد قدرتها على صياغة نموذج سياسيّ متكامل، ينهل من الوحي، ويتفاعل مع الواقع، ويخاطب الإنسانية خطابًا رساليًّا لا دعويًّا فقط، ويقدّم للعالم تصورًا بديلًا عن العلاقة بين السلطة والقيم، بين الإنسان والسيادة، بين السياسة والعبودية، وهذا البناء لا يُرتجل بل يتطلب أربعة أسس تأصيلية كبرى:
التأصيل العقدي للنظام السياسي الإسلامي.. السياسة بوصفها امتدادًا للتوحيد والاستخلاف
في البدء، لا بدّ أن يُعاد بناء النظرية السياسية من أصلها العقدي؛ فكما أنّ العقيدة هي منطلق الإنسان المسلم في فهم الكون والحياة، فهي أيضًا منطلقه في فهم السلطة والحكم والسيادة. فالنظام السياسي في الإسلام ليس اختراعًا بشريًّا محضًا، بل هو امتداد لعقيدة التوحيد التي تقرّر أنّ الملك لله تعالى، وأنّ الحكم لله تعالى، وأنّ الإنسان خليفة لا إله.
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [11]، وهذه الخلافة ليست تمكينًا سلطويًّا، بل اختبارٌ حضاري: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) [12].
وهذا يقتضي تحرير العقل المسلم من المقولات المستوردة التي جعلت من السياسة فنًّا للحكم المجرد، أو تقنيةً لإدارة المصالح، أو فنًّا للتوازنات، ونزعها من أصلها التوحيدي، ومن وظيفتها العمرانية، ومن أمانتها الأخلاقية.
إعادة الاعتبار للمقاصد الشرعية.. العدل بوصفه روح السياسة، والمصلحة بوصفها ضابطًا للاجتهاد
من أعظم ما قدّمه الإسلام للعالم أن جعل السياسة خادمةً للحق، لا حارسةً للمصالح الذاتية، ولهذا، فإنّ المقاصد الشرعية التي هي روح الشريعة وغايتها الكبرى لا بدّ أن تعود لتكون معيارًا حاكمًا في العمل السياسي، يُقوّم به الأداء، وتُوجَّه به السياسات، وتُفهم به النصوص في نازلاتها.
فالمقاصد ليست مجرّد أدوات فقهية، بل هي إطارٌ معرفي يُحدّد “لماذا نحكم؟”، و”كيف نحكم؟”، و"لأجل من نحكم؟"، وهي التي تمنع السياسة من أن تتحول إلى صنمية شكلية أو ذريعة للمصلحة المجرّدة أو المصلحة المتوهّمة.
والعدل، الذي هو رأس المقاصد، لا يُعرّف في الإسلام وفق نسبيات الليبرالية، بل بوصفه تحقيق حقوق الخلق في ضوء حق الخالق. ومن هنا، فإنّ أية ممارسة سياسية تُنتج الظلم، أو تنتهك الكرامة، أو تسحق الفقراء، فهي خروج عن مقتضى الشرع ولو غُلفت بالشورى، أو تزيّنت بالشرعية.
إنّ النظرية السياسية الإسلامية المعاصرة لا تُبعث إلا إذا عاد الفقه السياسي إلى مركز المقاصد، وصار السياسي ينظر إلى الأمة باعتبارها أمانةٍ يُسأل عنها، وميدانٍ لتحصيل الأجر، وليست أداة لتمكينه وتراكم القوة.
بناء مؤسسات الشورى والمحاسبة.. من النص إلى النظم؛ تفعيل الشورى والرقابة عبر البناء المؤسسي
الشورى في الإسلام ليست خُلقًا محبّبًا، ولا قيمة وعظية، بل فريضةٌ دائمة في تدبير الشأن العام، تبدأ من اختيار الحاكم، وتمتد إلى صياغة السياسات، وتنتهي إلى المحاسبة والعزل، وقد آن الأوان لأن تُخرَج من ضمير النصوص إلى جسد الواقع، عبر مؤسساتٍ حقيقية تُجسّد الشورى وتضمن المحاسبة وتمنع الاستبداد.
إنّ الدولة الإسلامية لا يمكن أن تُبنى على المجاملات، ولا على “الفتوى السلطانية”، بل على مؤسساتٍ تفصل بين السلطات، وتمنع تركّز القرار، وتُخضع الحاكم لرقابة الأمة والعلماء، وتُحيي فقه البيعة والمساءلة، في ضوء فقه أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ الراشدين رضي الله عنهم وليس فقه السلاطين المتغلبين والجبريين.
وفي هذا السياق، لا يكفي أن نُطالب بالشورى، بل لا بدّ من ابتكار هياكل وأجهزة وآليات تُحققها؛ مجالس منتخبة، مؤسسات رقابة مالية، قضاء مستقل، أجهزة مساءلة نزيهة، إعلام حر ملتزم، كلها في إطار قيم الإسلام لا قيم التغريب.
تجديد الفقه السياسي.. بين إحياء سنّة الراشدين، وتحرير فقه المصلحة المعاصرة
إنّ من أعظم مواطن الخلل اليوم أنّ الفقه السياسي جُمد، أو استُلب، أو أُدير تحت سلطة القصر، فبعضه جُمِّد في قوالب تاريخية جامدة تستعيد نموذج الخلافة دون روحها، وبعضه خضع للأنظمة فصار يُفتي بطاعة الظلم، وبعضه انسحب من المجال العام فأفرغه من روح الإسلام السياسية.
ولذلك، فإنّ “تجديد الفقه السياسي” لا يعني تبني الديمقراطية كما هي، ولا اختراع صيغة جديدة من الدولة الدينية، بل يعني: إحياء فقه الخلفاء الراشدين في ممارسة السلطة المقيدة بالشورى والعدل، وتحرير فقه المصلحة من قيود التحجر، مع الالتزام بالمقاصد، واستعادة فقه العمران من روح ابن خلدون، الذي نظر في الدولة بوصفها ظاهرة اجتماعية لا عقدًا شرعيًّا فحسب.
وهذا التجديد لا يكون على يد السلطان، ولا في مجالس المجاملة، بل عبر عقلٍ مقاصدي، مجتهد، متصل بالوحي، مستنير بالواقع، صلبٍ في ثوابته، مرنٍ في وسائله.
أخيرًا: السياسة بوصفها شهادة
السياسة في الإسلام ليست مغنمًا حزبيًّا، ولا مشروعًا سلطويًّا، بل شهادة على الناس. ومن هنا، فإنّ بعث النظرية السياسية الإسلامية ليس فقط استجابةً لتحديات الواقع، بل هو استئنافٌ لموقع الأمة الشاهد، الذي لا يتحقق إلا بقيادة تحمل أمانة العدل، وتُقيم الدين، وتنهض بالعمران، وتكون مرآة للحقّ في هذا العالم المادي البارد.
إنّ إعادة بناء هذه النظرية لا يبدأ من صناديق الاقتراع، بل من أعماق التوحيد، ومن فقه النصوص، ومن اجتهاد الواقع، ومن إخلاص العلماء، ومن صدق الحركات، ومن تضحيات الشعوب.
فالسياسة ليست خادمة للملك، ولا مطيّة للفتوى، بل هي عبودية على مستوى الأمة، ومحراب يُخاض فيه الجهاد الأكبر؛ جهاد الأمة مع نفسها؛ جهاد العدل، والمصلحة، والشورى، والإصلاح.
وهنا يأتي السؤال: ما الفرق بين النظريّة السياسيّة في الإسلام والنظريّات السياسيّة في الغرب؟ وما هي أسس النظرية السياسية في الإسلام؟ وما هي المفاهيم المركزية في النظرية السياسية الإسلامية؟ وهذا ما نجيبُ عنه تفصيلًا بإذن الله تعالى في المقال القادم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] المائدة: 49.
[2] غياث الأمم في التياث الظلم، الجويني: 22.
[3] الأحكام السلطانيّة، الماوردي:15.
[4] مقدمة ابن خلدون:191
[5] الشورى:38.
[6] الحديد:25.
[7] الزهد، ابن المبارك: 1/179.
[8] أخرجه الحاكم والطبراني، وقال عنه الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح.
[9] إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم: 3/12.
[10] مقدمة ابن خلدون: 6.
[11] البقرة: 30.
[12] الأنعام: 165.