عبر شارع الرشيد المؤدي إلى مدينة غزة، يتدفق مئات آلاف المواطنين عائدين إلى مناطقهم السكنية، محطمين مجددًا وهم الاحتلال الصهيوني في قلع السكان وفرض واقع ديمغرافي جديد.

 

آلاف الفلسطينيين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، تركوا وراءهم الخيام التي احتموا بها شهوراً وأياما طويلة، واتجهوا شمالاً نحو بيوتٍ لم تعُد موجودة.

 

وسط السالكين امرأة خمسينية تمسك بيد حفيدها، تسير بخطوات بطيئة وهي تردّد بصوت خافت: “يمكن بيتا راح، بس نعرف وين مكانه، اليهود دمروا كل الحي”.

 

رحلة إلى المجهول

 

تتدفق العائلات على الطرق المدمّرة، وبعضهم يعلّق صوراً صغيرة على صدورهم لأقارب فقدوهم في الحرب الأخيرة، علهم يهتدون إليهم، فقد طال الألم واشتدت المعاناة.

صامتون، ومنهم من يتمتم بحمد الله وشكره، صمتهم ليس عجزاً، بل وجعٌ لم يعد يجد كلمات.

 

في وسط الجموع، يقف سليم الهباش، وهو معلم من بيت لاهيا، يحمل بيده خريطة صغيرة رسمها لطفله يشرح له فيها أين كان بيته قبل أن يختفي.

 

الهباش وصل إلى منزله، ليصدم من هول الدمار الذي لحق بمنزله، ومنازل السكان في البلدة، إلا أنه سجد سجدة شكر لله، راضيا محتسبا، “املنا أن الله لن يضيعنا”.

 

مدينة تغير وجهها

 

حين اقتربت القوافل البشرية من تخوم مدينة غزة، بدت المدينة وكأنها فقدت شكلها القديم.

 

شوارعها الرئيسية، كشارع الوحدة والنصر، والجلاء، تحوّلت إلى متاهات من الركام.

تصف نادين المصري، وهي طالبة جامعية كانت تعيش في حي الرمال، المشهد بعيون دامعة: "ما في صوت غير الريح. كنت أسمع صوت الباعة، صياح الأطفال، ضحك الجيران… اليوم حتى العصافير ما بتقرب من المكان".

 

تتوقف عند زاوية كانت تعرفها جيداً، وتلتقط حفنة من التراب تقول إنها من "حوش بيتنا"، ثم تبتسم ابتسامة حزينة.

 

ذكريات معلّقة في الهواء

 

على بعد كيلومترات قليلة، يقف أبو سامر دلول، سائق سيارة أجرة فقد عمله ومنزله. يشير إلى كومة حجارة.

 

"نا كانت غرفة أولادي. كل يوم الصبح كنت أصحّيهم على المدرسة. اليوم، حتى المدرسة راحت" يتابع بحزن عميق.

 

يحاول رفع بعض الأنقاض بحثاً عن دفتر أو لعبة. حوله أطفال يلعبون في المكان كأنه حديقة، لا يعرفون أن الأرض التي يركضون فوقها كانت ذات يوم منازلهم.

ما بعد الحرب

 

برغم مشهد الدمار الهائل والذي لا تصفه الكلمات، لا تتوقف ألسنة الغزيين عن قول "الحمدلله"، "هنعمرها من جديد".

 

تقول رُبى شهاب، وهي ناشطة شبابية من خانيونس، جاءت مع مجموعة تطوعية لتوزيع مياه وغذاء على العائدين: "الناس مش راجعة على بيوت، راجعة على الذاكرة. بس هذا بحد ذاته نوع من الحياة. بعد عامين من الجحيم، الرجعة بتمثل أمل ولو صغير".

 

وتضيف: "فيه تعب، فيه خوف، بس فيه نبض. الناس بدها تعيش، ولو على الرماد".

 

هدنة لا تشبه السلام

 

يؤكد الدكتور خالد العراج، وهو طبيب من مجمع الشفاء الطبي، أنّ الهدنة لم تغيّر شيئاً جوهرياً بعد: "الناس بترجع بس ما في خدمات، لا كهرباء، لا مياه، لا مستشفيات جاهزة. الهدنة سياسية، بس الواقع الإنساني ما تحسّن. لسه المرضى بنعالجهم تحت الخيام".

 

ورغم كل ذلك، يرى أن في العودة "بداية تعافي نفسي"، فـ"الإنسان محتاج يشوف بيته حتى لو مهدوم، عشان يصدق إنه لسه موجود".

 

مع غروب الشمس، خيّم الهدوء على غزة لأول مرة منذ عامين، الا من خروقات صهيونية هنا و هناك، هدوء غريب مريب جاء بعد أن صب الاحتلال مئات آلاف الأطنان من القنابل على مدى أكثر من 730 يوما.