بقلم: د. أحمد سنان الكامل

كلما نظرتُ إلى حال المسلمين اليوم أمام أعدائهم، ورأيت ما يغشاهم من ذلٍّ ومهانةٍ وضعفٍ وخوفٍ وخورٍ وهلعٍ، تذكّرتُ حال الأمة في أيام الغزو الصليبي لبلاد المسلمين. وكلما قرأتُ ما دوّنه المؤرخون عن تلك المرحلة المظلمة من تاريخنا، وعن ما كان يعيشه المسلمون من هوانٍ وذلٍّ واستكانة، قلت في نفسي: لعلها مبالغات أراد بها الكتّاب أن يصوّروا عِظَم الفاجعة وشناعة الواقع!

 

ولكني اليوم، وأنا أتابع ما جرى ويجري في غزة الجريحة، رأيت بأمّ عيني أن ما قرأناه في كتب التاريخ ليس سوى صورةٍ باهتةٍ لما نحن عليه اليوم، بل لقد تجاوز واقعنا حدود الوصف، وفاق ما كانوا فيه من ذلٍّ وخضوعٍ بمراحل مؤلمة.

 

لقد رأينا – ويا للعجب – القاتل يُكافأ بالمليارات، ويُغدَق عليه بالعطايا والأوسمة، وتُفرش له السجّاد الحمراء، في الوقت الذي يمعن فيه في القتل والتدمير، ويسخر من أصحاب "الفخامة" و"السعادة" دون حياءٍ أو وجل!

 

رأينا المجرم يدمّر ويشرّد ويعيث في الأرض فسادًا، بينما يقف المسلمون المكلومون في صفّ "إعادة الإعمار"، وكأنهم شركاء في إصلاح ما أفسده العدوّ، لا في ردعه ومنعه من تكرار جريمته!

 

يا الله...! أإلى هذا الحد بلغ بالمسلمين الخنوع وحبّ الدنيا والتعلّق بالكراسي والمناصب؟! أإلى هذا الحدّ فرّطوا في كرامتهم ومروءتهم ودينهم؟!

 

ما أشبه الليلة بالبارحة... بل ليلتنا أشدُّ سوادًا، ومصابنا أعمقُ جراحًا، فقد تجاوزنا حدود المهانة حتى صار بعضنا يفاخر بولائه لقاتله!

 

 ومع ذلك، فإن في التاريخ عبرةً لمن أراد أن يعتبر.

 

فكما أخرج اللهُ المسلمين من محنتهم في ذلك الزمان بتوحيد الكلمة ورصّ الصفوف على يد القائد المصلح صلاح الدين الأيوبي – الذي كان اسمه عنوانًا على فعله – فإن الله قادرٌ أن يبعث في هذه الأمة من يُصلح دينها بعد أن تمزقت أوصالها وهُتكت أستارها.

 

فما أصلحَ حالَ أسلافنا إلا عودتهم إلى دينهم، ووحدتهم على كلمة التوحيد، وإدراكهم أن لا نصرَ بلا إيمان، ولا عزةَ بلا وحدة، ولا كرامةَ بلا تضحية.

وقد لاحت في الأيام الماضية بوادرُ أملٍ حين تحركت بعض الأنظمة، وبدأت أصواتٌ رسمية تتحدث عن "ناتو إسلامي" يجمع الأمة على كلمةٍ سواء. لقد خفقت القلوب فرحًا بهذا الخبر، وارتفعت الأعناق رجاءً أن يعود للمسلمين عزُّهم وقوتهم، فارتعدت لذلك قلوب أعداء الله، وبدأوا يُعيدون حساباتهم، إذ أدركوا أن اجتماع كلمة المسلمين كفيلٌ بقلب الموازين.

 

 ولو أن حكّام الأمة ترجموا هذه الأقوال أفعالًا، وصدقوا العزم، لزالت الهيمنة الصليبية الحديثة، ولانقلبت المعادلة رأسًا على عقب، ولسجّل التاريخ من جديد أن أمة الإسلام – مهما ضعفت – لا تموت، وأنها قادرة على أن تنهض من تحت الركام متى ما عادت إلى ربها ووحدت صفوفها.

إنها سنة الله التي لا تتبدّل:

> "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ."

 

فلن يصلح حالنا إلا بما صلح به حالُ من قبلنا، ولن ننهض إلا إذا صدقنا مع الله، وتخلّينا عن الوهن الذي هو حبّ الدنيا وكراهية الموت، وعدنا إلى عزّ الإسلام وكرامة الإيمان.

 

فما أشبه الليلة بالبارحة… ولكن لعلّ فجرَنا هذه المرة يكون أبهى من كل صباح.