منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، أغلقت سلطات الاحتلال كلّ الطرق المؤدية إلى القطاع أمام الصحافة الدولية. وبعد أكثر من عامين من الإبادة والدمار، ما تزال المحكمة العليا الصهيونية تمنح الحكومة مهلاتٍ إضافية للرد على التماسات تطالب بالسماح للصحفيين بالدخول، في مشهدٍ يكشف عن مماطلةٍ ممنهجة تهدف إلى إطالة العزلة الإعلامية وطمس الأدلة على الجرائم المرتكبة.
وبينما تصرّ سلطات الاحتلال على تبرير المنع بـ"الاعتبارات الأمنية"، تتصاعد الأصوات الحقوقية والدولية التي ترى في هذا الحظر محاولةً واعية لاحتكار السردية وإخفاء الحقيقة عن أعين العالم.
وقالت لجنة حماية الصحفيين (CPJ) إن قرار المحكمة يطيل أمد استبعاد الإعلام الدولي عن تغطية الحرب وآثارها الإنسانية في غزة، مشيرة إلى أن حكومة الاحتلال طلبت تأجيل البت في القضية بعد تأجيلات متكررة بلغت سبع مرات منذ بداية العام.
ودعت اللجنة المجتمع الدولي إلى الضغط على الاحتلال لرفع القيود فوراً، مؤكدة أن استمرار الحظر يمثل انتهاكاً صارخاً لحرية الصحافة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.
وقالت جودي جينسبيرج، الرئيسة التنفيذية للجنة، إن "من غير المقبول أن ينتظر الصحفيون الدوليون أكثر من ذلك لتغطية الأحداث بشكل مستقل من داخل غزة"، مشددة على أن "حق الجمهور في المعرفة لا يمكن تعليقه لأسباب سياسية أو أمنية".
وخلال جلسة المحكمة الأخيرة، أقرّ المدعي العام الصهيوني بأن "الوضع في القطاع قد تغيّر"، لكنه طلب شهراً إضافياً قبل مراجعة موقف الحكومة، مدعياً أن (إسرائيل) "تخطط لتجديد مرافقة الجيش للصحفيين" داخل ما يسمى "الخط الأصفر"، الذي تمركزت فيه القوات بعد إعلان وقف إطلاق النار قبل نحو أسبوعين، واصفاً الوضع بأنه "حساس وصعب التقييم".
أداة دعائية
وفي المقابل، اعتبرت لجنة حماية الصحفيين أن مرافقة جيش الاحتلال للصحفيين "أداة دعائية"، مشيرة إلى أن الصحفيين لا يُسمح لهم بالبقاء في غزة سوى لساعات محدودة وتحت رقابة مشددة، دون حرية في الحركة أو التواصل مع الفلسطينيين، وهو ما يتعارض مع المعايير الدولية للعمل الصحفي المستقل.
بدوره، دعا اتحاد البث الأوروبي (EBU)، الذي يضم 113 مؤسسة إعلامية من 56 دولة، سلطات الاحتلال إلى السماح بالوصول الحر والكامل للصحفيين إلى غزة بعد وقف إطلاق النار، مؤكداً أن "القيود الإسرائيلية تقوض مبادئ حرية الإعلام والشفافية والمساءلة، ولم تعد مقبولة تحت أي مبررات أمنية".
وأكد الاتحاد أن "الصحفيين هم عيون وآذان العالم"، ووجودهم في الميدان ضروري لتوثيق الأحداث والتحقق من المعلومات ورصد الاحتياجات الإنسانية في القطاع.
في يونيو، وقّعت أكثر من 200 وسيلة إعلامية رسالة مفتوحة تطالب سلطات الاحتلال بمنح الصحفيين وصولاً غير مقيد إلى قطاع غزة.
حجج واهية
العريض قدمها الصحفيون كان واحدة من سلسلة مطالبات بدأت في ديسمبر 2023، عندما تقدمت رابطة الصحافة الأجنبية في القدس (تمثل الصحفيين الدوليين العاملين في إسرائيل والضفة الغربية وغزة)، بطلب إلى المحكمة العليا الصهيونية للسماح لهم بدخول غزة، غير أن سلطات الاحتلال ادعت أن السماح للصحفيين بالدخول سيُعرّض جنود الجيش للخطر.
وفي يناير 2024، أيدت المحكمة العليا الحظر، مدعية أن المخاوف الأمنية لا تتعلق بالجيش فقط، وإنما أيضًا بالسلامة الشخصية للصحفيين والمخاطر التي قد يواجهونها في غزة. كما تكرر ادعاء المحكمة في فبراير 2025.
ويؤكد تيبو بروتان، الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود، أن تدمير وسائل الإعلام الفلسطينية ومنع المراسلين الأجانب من دخول قطاع غزة يشير إلى أن سلطات الاحتلال "تريد إخفاء الواقع على الأرض هناك ".
ويقول في تصريحات صحفية سابقة، إن التدمير والحظر يمنعان وسائل الإعلام الدولية من إثبات الحقائق، ويضرّان بشدة بالتغطية الصحفية المتوازنة لهذا الصراع المدمر للسكان المدنيين.
وطالب بروتان برفع الحظر المفروض على دخول الصحفيين الأجانب إلى قطاع غزة، والذي يُعدّ انتهاكًا صارخًا لحرية الصحافة، مشددا على "أن الحجج التي تقدمها إسرائيل واهية. ليس من حق الحكومة الإسرائيلية أن تقرر نيابةً عن الصحفيين ما إذا كانوا سيذهبون إلى غزة أم لا، وعليها السماح لهم بتقرير ذلك بأنفسهم".
صورة مجتزأة
وتعتمد وسائل الإعلام الدولية بشكل كبير على الصحفيين الفلسطينيين المحليين العاملين على الأرض كمراسلين أو مراسلين متعاونين، يعمل بعضهم مع فرق تحريرية ومكاتب مراسلين خارج غزة منذ سنوات.
وعلى الرغم من اتهام سلطات الاحتلال للصحفيين الفلسطينيين داخل غزة مرارًا وتكرارًا بالافتقار إلى الموضوعية، إلا أنها واصلت منع معظم الصحفيين الدوليين من دخول القطاع، ولم تسمح إلا لقلة مختارة بدخول المنطقة لفترة قصيرة، حيث يكونون "مُدمجين" داخل الهياكل العسكرية لجيش الاحتلال.
ويخضع هؤلاء الصحفيون والمواد التي ينتجوها من تقارير وصور لرقابة عسكرية، وهو ما تؤكده الكاتبة الصهيونية ستاف ليفاتون، مبينة أن الصحفيين الأجانب لا يدخلون القطاع إلا عبر برامج عسكرية مُحكمة المراقبة، حيث يتم جلب صحفيين صهاينة وأجانب مختارين إلى غزة تحت إشراف الجيش، دون حرية تنقل.
وتقول في مقال نشرته "تايمز أوف إسرائيل" في 30 يوليو الماضي: "عادةً ما تكون هذه الزيارات قصيرة، ومُراقَبة بدقة، وتمنع أي تفاعل حر مع المدنيين الفلسطينيين، مما يُثير انتقادات من مُدافعي الصحافة الذين يُجادلون بأنها لا ترقى إلى مستوى الاستقلال الصحفي الحقيقي".
وتلفت ليفاتون إلى أن مخاطر السلامة الشخصية للصحفيين الأجانب، "ليست افتراضية. فالصحفيون الفلسطينيون المقيمون في غزة، والذين يعمل بعضهم مراسلين لوكالات أنباء دولية، وقعوا في مرمى النيران الإسرائيلية، ويواجهون العديد من الظروف الإنسانية المزرية التي تلاحق المدنيين في غزة".
ووفقاً لبيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فقد استشهد 254 صحفياً منذ بدء الحرب، غالبيتهم في غارات مباشرة أو اغتيالات متعمدة نفذها جيش الاحتلال.
وتضيف ليفاتون، أن حكومة الاحتلال "تدرك كيفية النظر إليها على الساحة الدولية، لذلك لديها مصلحة واضحة في تجنب التقارير التي تتحدث عن مقتل أو إصابة الصحفيين الأجانب، وخاصة من الدول الحليفة ــ أثناء تغطيتهم للحرب".
فراغ معلوماتي
وعلى الرغم من الدور الكبير الذي أدته شبكات التواصل في نقل السردية الفلسطينية بشكل مجرد وخال من أي تأطير معلوماتي مؤدلج، تزعم تانيا كرايمر، رئيسة رابطة الصحافة الأجنبية في القدس، أن غياب مصادر الأخبار الموثوقة في غزة، وهي تشير بذلك إلى وسائل الإعلام الدولية الممنوعة من الوصول إلى القطاع، أدى إلى خلق فراغ إعلامي، ملأه الصحفيون المواطنون من خلال منصات التواصل الاجتماعي.
وتقول: "في حين أن وسائل التواصل الاجتماعي تزودنا بالمعلومات، إلا أنه من الصعب ويستغرق وقتا طويلا التحقق منها”، مضيفة "غالبًا ما تفتقر المنشورات إلى تفاصيل أساسية كالوقت والموقع ونسب المصدر، وفي كثير من الأحيان، تُنشر اللقطات الأصلية خارج سياقها أو تُعدّل بطريقة ما. ودون وصول مستقل إلى الميدان، تُترك وسائل الإعلام التقليدية معتمدة على روايات مجزأة، مما يُصعّب التمييز بين الحقيقة والمعلومات المضللة والدعاية".
وتتابع كرايمر: "لا ينبغي أن يقع عبء التغطية الإعلامية على عاتق زملائنا الفلسطينيين في غزة فقط، خاصةً الآن وهم يعيشون ظروفًا قاسية للغاية، ويخاطرون بحياتهم لنقل الأخبار، بينما يكافحون الآن لتوفير الطعام لأنفسهم وأسرهم".
وتحذر من أنه إذا أصبح الصحفيون الفلسطينيون غير قادرين على مواصلة عملهم بسبب الظروف المتدهورة، وظل المراسلون الأجانب ممنوعين من دخول غزة، فإن تدفق المعلومات قد يتوقف تماما، "من الصعب تخيّل مثل هذا الوضع. يعتمد العديد من الصحفيين على زملائهم الفلسطينيين، فهم يُمهّدون لنا الطريق، ويمثلون لنا عيونًا وآذانًا".
وبحسب كرايمر، فإن اختفاء الصحفيين الغزيين لن يؤدي إلا إلى تفاقم الفراغ الإعلامي، مما يمنح الجانبين مجالاً أكبر لتشويه الواقع، مشيرة إلى أن الوصول إلى هذا الوضع في ظل اتهام الصحفيين الفلسطينيين والأجانب بالتحيز أو عدم نقل الحقيقة، سيجعل الوضع أكثر صعوبة.
تواطؤ المؤسسات
وفي هذا الإطار، يشدد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان على أن منع دخول الإعلاميين الأجانب يجسّد سياسة الاحتلال تهدف إلى احتكار السردية وإخفاء الحقيقة، عبر السيطرة على المشهد الإعلامي ومنع الضحايا من نقل روايتهم إلى العالم.
ويؤكد المرصد، أن قرار المحكمة العليا الصهيونية منح حكومة الاحتلال مهلة إضافية قبل السماح بدخول الصحفيين المستقلين إلى غزة، "يعكس تواطؤًا مؤسساتيًا داخل منظومة الدولة الإسرائيلية، إذ يوفّر القضاء غطاءً قانونيًا للسياسات الحكومية التي تسعى إلى منع الشفافية وطمس الأدلة الميدانية".
ويبين أن منع الصحفيين والمحققين الدوليين يشكّل جزءًا من سياسة متكاملة تتبناها سلطات الاحتلال عبر أذرعها التنفيذية والأمنية والقضائية، لإبقاء الجرائم خارج نطاق الرقابة الدولية، وعرقلة أي مساءلة مستقلة عن الانتهاكات الجسيمة في القطاع.
ويضيف المرصد الحقوقي، أن هذه الإجراءات تشكّل هندسة ميدانية متعمدة لإخفاء معالم الجريمة وتحويل نصف القطاع إلى منطقة محظورة تمنع دخول الإعلاميين والباحثين وفرق الإغاثة.
ويشدّد الأورومتوسطي على أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا صارخًا للمبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني، وللقرارات القضائية الدولية التي تلزم الاحتلال بالحفاظ على الأدلة ومنع تدميرها.