في الوقت الذي يشهد فيه قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في تاريخه، تتصاعد محاولات إقصاء وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من المشهد الإغاثي، عبر الدفع نحو شرعنة ما يسمى "مؤسسة غزة الإنسانية".

 

وتعمل المؤسسة التي مارس عناصرها خلال الأشهر الماضية عمليات قتل للباحثين عن الغذاء، تحت إشراف أمريكي–صهيوني مباشر، وتحاول واشنطن تقديمها كبديل إنساني “محايد”، بينما تخدم في الواقع أجندة صهيونية ترمي إلى إعادة هندسة بنية العمل الإغاثي وتفكيك الوكالات الأممية القائمة.

 

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، عن انضمام نحو 40 دولة ومنظمة دولية إلى مركز التنسيق المدني العسكري الذي أنشأته القيادة المركزية الأمريكية في المناطق الشرقية من قطاع غزة.

 

وقالت "سنتكوم" في بيان صحفي: "أصبح الآن ممثلو ما يقرب من 40 دولة ومنظمة دولية ممثلين في مركز التنسيق المدني العسكري (CMCC) الذي تقوده الولايات المتحدة في إسرائيل بعد افتتاحه في 17 أكتوبر الماضي".

 

وأضافت: "يقوم الممثلون بالتخطيط والعمل معاً لتدفق البضائع التجارية والمساعدات من الشركاء الدوليين، ومراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار، ودعم استقرار غزة، والتقدم نحو سلام دائم".

 

وتوصف الخطوة بأنها محاولة لإعادة إنتاج مؤسسة "غزة الإنسانية" وجعلها الجهة المنسقة لإدخال المساعدات إلى القطاع، رغم الاعتراضات الأممية التي تؤكد أن الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة المخولة قانونًا بالإشراف على العمليات الإنسانية ونشر قوة الاستقرار في غزة.

 

إعادة تعريف المشهد الإنساني

ووفقاً لمسئول أمريكي، تحدث إلى وكالة رويترز، سيكون ما يسمى "حزام غزة الإنساني" هو "العمود الفقري" لمركز التنسيق المدني العسكري، الذي يتألف من عدد يتراوح بين 12 و16 مركز مساعدات ستتوزع على امتداد الخط الذي انسحبت إليه قوات الاحتلال داخل غزة.

 

ويشار إلى أن هذا المسار لتوزيع المساعدات الإنسانية، تزامن مع حوادث قتلٍ دامية للمدنيين الباحثين عن الغذاء، إذ بلغ عدد الشهداء الباحثين عن لقمة العيش 2615 شهيد، إلى جانب أكثر من 19 ألف جريح، وفق معطيات وزارة الصحة في 10 أكتوبر 2023، ما يكشف عن طبيعة الدور الميداني للمؤسسة وعلاقتها بمنظومة السيطرة الصهيونية على المعابر وسلاسل الإمداد.

 

وبينما تحاول واشنطن وسلطات الاحتلال إعادة تعريف المشهد الإنساني في غزة بما يتناسب مع خطتهما لما بعد الحرب، تتمسك الأمم المتحدة بشرعية دورها، مؤكدة أن إقصاء الأونروا يشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني ويمهد لتفكيك المنظومة الأممية لصالح ترتيبات سياسية جديدة تهدف إلى فرض وصاية طويلة الأمد على القطاع تحت لافتة "الإغاثة الإنسانية".

وأكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، أن سلطات الاحتلال تضع عقبات أمام إيصال المساعدات الإنسانية، مشددا على أن الأمم المتحدة هي الجهة الوحيدة المخولة بالإشراف على نشر قوة الاستقرار في القطاع.

 

تضليل ممنهج

 

وفي وقت سابق السبت، قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إن ادعاء القيادة المركزية الأمريكية بأن هناك "ما يقرب من 40 دولة ومنظمة دولية تعمل في غزة" هو تضليل ممنهج، إذ لا يتجاوز عدد المنظمات العاملة فعلياً في تقديم الإغاثة الإنسانية 22 منظمة فقط، يعاني معظمها من المنع والتضييق من قبل الاحتلال الذي يعرقل إدخال المساعدات ويقيد حركتها بشكل ممنهج.

 

ولم تسمح إسرائيل منذ بدء وقف إطلاق النار في الـ10 من أكتوبر الحالي، وحتى تاريخه إلا بإدخال نحو 24% من إجمالي عدد الشاحنات المساعدات المفترض وصولها إلى غزة.

 

وتفيد بيانات الإعلام الحكومي، بأن المتوسط اليومي لدخول الشاحنات التجارية والمساعدات يبلغ 145 شاحنة فقط، من أصل 600 شاحنة يفترض دخولها يومياً وفقاً للاتفاق، من ضمنها 50 شاحنة وقود ومحروقات، ما يعني أن نسبة التزام الاحتلال 24% من الكميات المفترض إدخالها.

 

وفيما يتعلق بشاحنات الوقود والمحروقات (السولار، غاز الطهي، البنزين)، أشار إلى أن مجموع ما وصل غزة منذ دخول اتفاق وقف النار حيز التنفيذ، بلغ 115 شاحنة فقط من أصل 1,100 شاحنة يُفترض إدخالها بين 10 و31 أكتوبر 2025، ما يعني أن نسبة ما تم توريده فعلياً 10% من الكميات المتفق عليها، وهو ما يعكس استمرار سياسة التضييق والتعطيل المتعمد لإمدادات الطاقة الحيوية التي يحتاجها القطاع لتشغيل المستشفيات والمخابز والمرافق الأساسية.

 

وتتكدس آلاف الشاحنات على المعابر الحدودية مع القطاع تنتظر موافقة الاحتلال على إدخالها، منها نحو 6000 شاحنة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الأونروا تحمل مواد غذائية تكفي سكان القطاع لمدة ستة أشهر، بالإضافة إلى مئات الآلاف من الخيام ومستلزمات الإيواء التي تشتد الحاجة إليها مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل معاناة نحو 96% من سكان غزة من انعدام أمن غذائي حاد.

 

وتفيد الأونروا، بأن نحو 75 ألف نازح في غزة يحتمون في أكثر من 100 مبنى تابع للوكالة، العديد منها متضرر ويعاني من اكتظاظ شديد.

 

وأوضحت الوكالة في بيان نشرته على حسابها في منصة "إكس" أن مواد الإيواء ولوازم الشتاء المخصصة للنازحين في غزة موجودة بمستودعاتها في الأردن ومصر، ولكن الاحتلال يمنع دخولها إلى القطاع، مؤكدة ضرورة استئناف السماح لـ”أونروا” بإيصال المساعدات الإنسانية داخل غزة، خصوصاً مع بدء المرحلة الأولى من اتفاق لوقف النار في غزة في 10 أكتوبر الحالي.

 

وتزعم سلطات الاحتلال أن موظفين لدى "الأونروا" شاركوا في عملية طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر 2023، وهو ما نفته الوكالة، وأكدت الأمم المتحدة التزام الأونروا الحياد.

وفي 28 أكتوبر 2024، صدّق الكنيست الصهيوني "نهائياً وبأغلبية كبيرة"، على قانونين يمنعان "الأونروا" من ممارسة أي أنشطة داخل الأراضي الفلسطينية وسحب الامتيازات والتسهيلات منها، ومنع إجراء أي اتصال رسمي بها.

 

ويؤكد المستشار الإعلامي للأونروا، عدنان أبو حسنة، أن الرفض الأمريكي للوكالة الأممية بدأ مع وصول الرئيس ترامب إلى السلطة عام 2018، حين قرر وقف تمويل بلاده للوكالة، قبل أن يعيد الرئيس جو بايدن الدعم لاحقًا، ثم يعيد ترامب تجميده مجددًا فور عودته إلى البيت الأبيض مطلع العام الجاري.

 

وتُعد الولايات المتحدة أكبر المساهمين في موازنة الأونروا بنسبة تتراوح بين 25% و30%، وقد تجاوزت قيمة مساهماتها الإجمالية منذ تأسيس الوكالة أكثر من 7 مليارات دولار.

 

وفي 22 أكتوبر الماضي، أقرت محكمة العدل الدولية بأن "الأونروا" منظمة حيادية وملتزمة بقوانين الأمم المتحدة، ولم يثبت أي اختراق لها من قبل التنظيمات الفلسطينية كما تدّعي سلطات الاحتلال.

 

وأكدت المحكمة عدم وجود أدلة على انتهاك الأونروا لمبدأ الحياد أو ممارسة التمييز في توزيع المساعدات، مشددة على أن سلطات الاحتلال ملزمة بتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، وخاصة تلك التي تقدمها الوكالة الأممية.

 

وكانت صحيفة هآرتس الصهيونية قد كشفت، أمس الثلاثاء، عن إجراء جديد اتخذته سلطات الاحتلال أجبر عشرات من المنظمات الإنسانية العاملة في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة على وقف أنشطتها.

 

وقالت الصحيفة إنّ القرار جاء بعد الإجراء الجديد في مارس الماضي، بنقل تسجيل المنظمات من وزارة الرفاه إلى وزارة الشتات، مشيرة إلى أن عشرات المنظمات التي سبق أن حصلت على موافقة الاحتلال "تُجبر الآن على وقف عملها بسبب إجراء صارم، ما يُبقي آلاف الأطنان من المواد الغذائية ومعدات الإغاثة خارج غزة".

 

وبموجب هذا الإجراء تُلزم المنظمات بتقديم عدد كبير من الوثائق، بينها قائمة بجميع موظفيها الأجانب والفلسطينيين، ومعلومات عن أفراد عائلاتهم.

وبينت "هآرتس" أنه أصبحت لوزارة الشتات الآن صلاحية واسعة "لرفض طلبات على المنظمات، كما يمكنها رفض منظمة إذا تبيّن أنها تنكر وجود إسرائيل دولةً يهودية وديمقراطية أو تعمل على نزع الشرعية عن إسرائيل"، على حد تعبير الصحيفة.

 

واستطردت بأن هناك سبباً إضافياً لرفض منح تصريح لمنظمة إنسانية، وهو دعمها لـ"محاكمة مواطنين إسرائيليين في دولة أجنبية أو أمام محكمة دولية"، في إشارة إلى ارتكابهم جرائم خلال حرب الإبادة في غزة.

 

ولمدة سنتين شن الاحتلال الصهيوني، بدعم أمريكي، حرب إبادة جماعية على الفلسطينيين في قطاع غزة منذ الثامن من أكتوبر 2023، أسفرت عن استشهاد أكثر من 68800 مواطن، وإصابة ما يزيد عن 17670 آخرين، و10 آلاف مفقود، ودماراً طاول 90% من البنى التحتية المدنية، مع كلفة إعادة إعمار قدرتها الأمم المتحدة بنحو 70 مليار دولار.