في غزة قلعة الثوار والأحرار، تتوالى حكايات البطولة والعز التي ينخرط ويلتحم فيها الجميع من أبناء الشعب الصابرين إلى أبطال المقاومة بما فيها القادة وأبناء القادة الذين تسابقوا ليكونوا في مقدمة الصفوف والعقد القتالية.

 

بطل إحدى الحكايات الجديدة، عبد الله نجل القيادي في حماس وعضو وفدها المفاوض غازي حمد الذي كشف النقاب عن استشهاده مع عدد من أبطال المقاومة بعد ثمانية أشهر من الحصار في رفح.

 

مساحة للتأمل

 

فاستشهاد عبد الله لا يمثّل مجرد فقدان فرد من عائلة منخرطة في العمل السياسي والعسكري، بل يعيد طرح سؤال أكبر عن طبيعة القادة الذين يضعون أبناءهم في خط المواجهة قبل أن يطلبوا من أبناء الآخرين فعل الشيء نفسه، في مشهد يختبر ميزان القيم التي تعلنها القيادات تحت النار، ويفتح مساحة للتأمل في معنى أن يقود شخص معركة وهو يعلم أن ابنه العالق بين المقاتلين قد لا يعود.

 

غازي حمد جلس إلى طاولة التفاوض غير المباشر مع المحتل على مدار أسابيع وهو يحمل هذا العبء. التحق بوفد المقاومة في جولات تبحث مصير مقاتلي رفح، ومن بينهم ابنه المحاصر، وكان يدخل كل جلسة وهو يعرف أن أي قرار يشاركه في صياغته قد يدفع ثمنه ابنه نفسه. هذا البعد الإنساني يكشف ثقل التجربة.

 

حالة نادرة

 

الكاتب السياسي محمود العيلة يقرأ المشهد من زاوية تخصصه في فض النزاعات والتفاوض. يقول: إن التجارب التي درسها لم تسجّل حالة مفاوض يخوض جولات تتعلق بمصير ابنه بينما يجلس وجها لوجه مع الطرف المسؤول عن محاصرته.

يصف العيلة قدرة القيادي حمد على الفصل بين عاطفته ورسالته بأنها حالة نادرة، ويشير إلى أن الرجل لم يُبد أي ميل للتنازل، ولم يطلب معاملة خاصة، ولم يسمح للقضية الشخصية أن تطغى على مصير المقاتلين الآخرين، وهو ما يطرح سؤالا مباشرا: كيف يمكن لقائد أن يحافظ على صفاء قراره بينما يعيش هذا الضغط؟ وما الذي يجعل شخصا يضع واجبه تجاه شعبه فوق وجعه كأب؟.

 

لحظة وصول خبر استشهاد عبد الله إلى والده داخل مسار التفاوض تعكس الجانب الأشد قسوة في هذه التجربة، فالحدث لم يكن مجرد فقد فردي، بل كان امتدادا لسياق فقد عاشه كثير من قادة المقاومة في غزة.

 

الكاتب العيلة يلخصه بوضوح حين يقول إن من ينكر أن قادة غزة قدموا نماذج من التفاني فهو إما مخدوع أو منزوع الحس الوطني.

 

النقاش هنا لا يتعلق بالاتفاق أو الاختلاف السياسي مع حماس، إنما يتعلق بقدرة المراقب على رؤية مشهد مركّب من الفقد وسياق الحرب وطبيعة القيادة في بيئة تتعرض للإبادة.

 

وأفادت مصادر عائلية باستشهاد عبد الله حمد نجل القيادي في حركة حماس عضو وفدها المفاوض غازي حمد بعد حصاره ومجموعة من المقاومين منذ أشهر في رفح جنوبي قطاع غزة.

 

وأكد محمد حمد شقيق الشهيد استشهاده قائلا: حبيبي وروح قلبي عبدالله شهيدًا، رحل مقبلًا غير مُدبر، محاصرًا مشتبكًا في أنفاق رفح، ومضى إلى ربّه راضيًا محتسبًا.

 

سر التميز!

 

الكاتب محمد شكري يضيف بعدا آخر، يقول: إن تميز شهادة عبد الله لا يعود لكونه ابن قائد فقط؛ إذ أن هذا أصبح مألوفا. يركز على نوعية القيادات التي تضع أبناءها ونفسها وكل ممتلكاتها في كفة، وتضع مصلحة شعبها ومقدساتها وأسرى شعبها في الكفة الأخرى، ثم تختار ما يخدم قضية الناس.

 

    الفارق في شهادة عبد الله غازي حمد ليس أنه ابن قائد فقط، فهذا أصبح دارجاً وعليه أمثلة عديدة.

 

ويرى أن حصار رفح كشف إرادة واضحة لوقف الحرب ومنع تكرارها مهما كلّف الأمر، منبها إلى أن غازي حمد كان جزءا من هذه الإرادة، وأن هذا النموذج من القيادة ليس متوفرا دائما، داعيا إلى احترام هذا النوع من التضحية مهما بلغ حجم الخلاف السياسي.

 

مفارقة صعبة

 

الكاتب علي أبو رزق أشار إلى مفارقة صعبة، وقد تكون غير مسبوقة، ظهرت بعد تأكد استشهاد أحد أبناء الوفد المفاوض، الشاب عبدالله غازي حمد، في مدينة رفح، وقد كان عالقاً هناك، تحت الأرض، منذ عدة أشهر.

 

وبيّن أنه خلال هذه الحرب وحدها، استشهد ابن رئيس الوفد، همام خليل الحية، وابن عضو الوفد الثاني، نعيم باسم نعيم،

وابن عضو الوفد الثالث، عبدالله غازي حمد، في سبيل الله وعلى طريق محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، وعلى نهج أصحابه الكرام وآل بيته الأطهار…!

تكشف هذه الشهادات صورة نادرا ما تعرض بوضوح، لقيادات تعمل تحت ضغط يومي وتعرف أن خسارتها الشخصية قد تكون جزءا من النتيجة، في حين أن السائد في كثير من المجتمعات يكون هناك قادة يرفعون الشعارات بينما يحافظون على أبنائهم بعيدا عن الخطر.

 

أما في غزة والضفة تظهر تجربة مختلفة، أبناء القادة يقفون في المواقع ذاتها التي يقف فيها أبناء المخيمات والقرى، هذا الواقع يخلق صورة قيادية أكثر ارتباطا بالناس وأقرب إلى معاناتهم، ويفسر لماذا يلتف الناس حول حماس وقادتها.