في تطوّر خطير يسلّط الضوء على جانب بالغ الحساسية من جرائم الاحتلال أثناء الإبادة في قطاع غزة، تكشف أدلة موثّقة وتحقيقات إعلامية وحقوقية متقاطعة عن ممارسات تتجاوز حدود الانتهاكات التقليدية في ساحات النزاع.
فبينما انشغلت الوكالات الدولية بتتبع أعداد الضحايا والدمار، برز ملف أكثر تعقيدًا يتعلق بمصير المفقودين وآليات التعامل مع جثامين المدنيين في المناطق القريبة من نقاط توزيع المساعدات وممرات النزوح.
ويفتح التحقيق الذي نشرته شبكة CNN الأمريكية، وما تبعته من شهادات ووثائق قدّمها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، نافذة على نمط عمليات دفن غامضة وإطلاق نار استهدف مدنيين عزّل، ما يثير تساؤلات عميقة حول مدى التزام جيش الاحتلال بقواعد القانون الدولي، وحول مصير مئات الأشخاص الذين اختفوا منذ الأسابيع الأولى للعمليات البرية في شمال غزة.
وكشفت شبكة CNN، عبر تحقيق استقصائي موسّع، عن قيام جيش الاحتلال بدفن جثث فلسطينيين في قبور ضحلة وغير معلّمة قرب منطقة معبر زيكيم شمال قطاع غزة، مستخدمًا جرافات عسكرية في عمليات الدفن دون أي إجراءات متعارف عليها في النزاعات المسلحة.
واعتمد التحقيق على مجموعة من المقاطع المصوّرة التي جرى التحقق من مواقعها عبر تقنيات الجيو-تحديد، وأظهرت جرافات عسكرية تتعامل مع جثث فلسطينيين في أرض مفتوحة.
كما استخدمت الشبكة صورًا فضائية توضح نشاط الجرافات وتغيرات التضاريس، في مؤشرات واضحة على عمليات حفر وردم متكررة.
وأثار التحقيق موجة واسعة من الجدل نظرًا لخطورة الوقائع، خصوصًا أنّ جزءًا من الضحايا يرتبط بحوادث استهداف طوابير المساعدات الإنسانية.
شهادات محلية: جثث في العراء لأيام
وتضمّن التحقيق شهادات من سكان محليين وسائقين في المنطقة أكدوا رؤيتهم جثثًا ملقاة في العراء لساعات وربما أيام قبل دفنها آليًا.
كما نقلت CNN عن جندي صهيوني سابق أن وحدته دفنت تسعة فلسطينيين "غير مسلحين" في قبور بلا علامات، ومنعت أفرادها من تصوير ما جرى.
مفقودون في طوابير المساعدات
وأشار التحقيق كذلك إلى أن جزءًا من الجثث يعود لأشخاص فقدوا أثناء توجههم إلى نقاط توزيع المساعدات.
ومن بين الحالات التي وثّقت، شاب خرج للحصول على مواد غذائية قبل أن يختفي إثر إطلاق نار وقع في المكان، دون أن تتمكن عائلته من استعادة جثمانه أو معرفة مكان دفنه.
المرصد الأورومتوسطي: نمط متكرر من نزع الإنسانية
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قدّم رواية موازية، عزّزت ما ورد في تحقيق CNN، حيث وثّق عمليات إطلاق نار ودفن آلي مشابهة، من بينها حادثة وثّقها مقطع فيديو في مارس 2024، يظهر رجلين يقتربان من الجنود الصهاينة رافعين الأعلام البيضاء في شارع الرشيد، قبل أن يُختفيا خلف الأنقاض، بينما لاحقت جرافة عسكرية أحدهما وقامت لاحقًا بدفن الجثتين في الرمال.
واعتبر المرصد أن هذه الحوادث تشكّل نمطًا متكررًا من نزع الإنسانية المقصود عن أفراد الجماعة، واستخدام الرعب وسيلة لإجبار السكان على النزوح والخضوع، وهو ما يعد — وفق المرصد — مؤشرًا إضافيًا على توفر القصد الخاص لجريمة الإبادة الجماعية.
كما قال إن هذه الأفعال قابلة للتكييف كـ جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مكتملة الأركان.
مطالب بفتح تحقيق دولي شامل
وطالب المرصد الأورومتوسطي بفتح تحقيق دولي مستقل وشامل في عمليات الدفن التي نفذها جيش الاحتلال في محيط المناطق المكتظة ونقاط المساعدات، بما يشمل: وقائع إطلاق النار على المدنيين طالبي المساعدة، والكشف عن جميع مواقع المقابر الجماعية والفردية، وحماية هذه المواقع باعتبارها مسارح محتملة لجرائم دولية، ومنع العبث بالأدلة أو نقل الجثامين، والسماح بدخول فرق طب شرعي مستقلة إلى القطاع، ورفع قيود الاحتلال على إدخال معدات فحوص الحمض النووي، أو وضع آلية آمنة لنقل العينات إلى مختبرات خارج غزة.
وأشار المرصد إلى أن هذه الإجراءات ضرورية لضمان إمكانية التعرف على الضحايا وتوثيق الجرائم بشكل سليم.
المفقودون: ملف مفتوح وهواجس ثقيلة
ودعا المرصد إلى الضغط على الاحتلال للكشف عن قوائم الأشخاص الذين خضعوا لسيطرتها خلال العمليات العسكرية، سواء كانوا جثامين أو مفقودين أو معتقلين، بما يضع حدًا لحالة عدم اليقين لدى العائلات، ويضمن بدء خطوات جدية للكشف عن الحقيقة وجبر الضرر.
وطالب بالكشف الفوري عن مصير الأشخاص الذين ما يزالون يتعرضون للإخفاء القسري، وتمكين المحتجزين من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، والإفراج عن كل من لا يستند احتجازه إلى أساس قانوني واضح.
أسئلة مفتوحة للمجتمع الدولي
ويؤكد المرصد ضرورة تمكين العائلات والجهات الفلسطينية المختصة من استرداد جثامين الضحايا ودفنها وفق المعايير الإنسانية والقانونية والدينية، إضافة إلى إشراك ذوي الضحايا في إجراءات التعرف على الجثامين وتزويدهم بالمعلومات الكاملة.
كما شدّد على ضرورة اضطلاع الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف والمجتمع الدولي بدوره في ضمان المساءلة وفتح تحقيقات وطنية ودولية، واستخدام الولاية القضائية العالمية حيثما أمكن، واتخاذ تدابير تضمن عدم تكرار هذه الممارسات.