تبدو شوارع دمشق كأنها لوحة حية من الألوان الوطنية، تتخللها أصوات الزحام والضحكات وأصوات الباعة الذين يصطفون على جوانب الطرق والمداخل التجارية، في مشهد يعكس روح الاحتفال بالنصر، الذي أصبحت مناسبته السنوية محطة لفرح المواطنين وأيضًا فرصة لكسب الرزق لكثير من الشباب.
سوق الحميدية وباب توما يبدوان كأنهما قلب هذه الحركة، فالأعلام الوطنية تتطاير فوق المحالّ وعلى واجهات الأكشاك، بينما البطاقات واللافتات المعلقة تحمل شعارات وطنية بسيطة، لكنها تعكس شعورًا عامًا بالانتماء والفخر. حركة البيع والشراء هنا لم تعد مجرد نشاط اقتصادي عادي، بل تحولت إلى جزء من الاحتفال نفسه، حيث يتقاطع البعد الاجتماعي مع البعد الاقتصادي.
رائد القداح، وهو شاب في العشرين من عمره، يقف على قارعة الطريق حاملًا قارورة قهوة ساخنة، إلى جانب صديقه الذي يبيع عبوات المياه، يقول لـ"العربي الجديد": "هذه الأيام فرصة لنا بعد فترة صعبة، الزحام كبير، والناس يشترون، أحيانًا نشعر بأننا جزء من الاحتفال، وأحيانًا نشعر بأن رزقنا مرتبط بهذا اليوم فقط، لكن على الأقل يمنحنا دخلاً مؤقتًا". حوله يلتف الأطفال وأفراد العائلات الذين يتجولون بين المحالّ حاملين الأعلام الصغيرة ويبتسمون عند رؤية أكشاك الزهور والمرطبات.
على بعد أمتار، يبيع زياد الحكيم الأعلام والبطاقات الوطنية، ويتحدث عن كثافة الطلب، قائلاً: "الطلب اليوم أعلى بكثير من الأيام العادية. الأعلام الصغيرة والكبيرة تباع بسرعة، وأحيانًا نبيع أضعاف ما نبيعه عادةً. الزوار يشترون للبيوت وللأطفال، واللافتات الكبيرة تزين واجهات المحالّ، ما يجعل الشوارع تبدو مختلفة تمامًا عن أي يوم آخر في السنة". تختلف أسعار الأعلام والبطاقات الوطنية بحسب الحجم والنوع.
تبدأ أسعار الأعلام الصغيرة، التي يفضلها الكثير من الأهالي لتعليقها في المنازل أو إعطائها للأطفال، من حوالي 20 ألف ليرة سورية (نحو 1.8 دولار)، بينما الأعلام الكبيرة، التي تُستخدم لتزيين واجهات المحالّ والشوارع، قد تصل أسعارها إلى 100 ألف ليرة سورية. وتختلف أسعار البطاقات والشعارات بحسب التصميم والجودة، في حين تراوح أسعار عبوات المياه والمشروبات الساخنة بين 1.500 و10.000 ليرة سورية، بحسب الحجم والنوع.
هذه الفروقات تجعل الاحتفالات مناسبة لكل الفئات الاجتماعية، حيث يمكن للجميع المشاركة بشراء الرموز الوطنية أو بعض المشروبات والزهورات، بينما يجد الشباب الباعة فيها فرصة لاستثمار الإقبال الكبير على المنتجات الاحتفالية لكسب رزق يومي إضافي. سناء العاقل، معلمة، تجوب السوق حاملة علما صغيرا للأطفال، تقول لـ"العربي الجديد": "شراء العلم للأطفال وتعليقه في البيت أصبح رمزًا يمنحنا شعورًا بالمشاركة في الفرح العام ويضفي جوًا احتفاليًا في البيوت. الأطفال ينتظرون هذه اللحظة بفارغ الصبر، وكأن العلم جزء من احتفالهم الشخصي".
وبينما يشتري المواطنون الأعلام والبطاقات، يشكل بيع المشروبات والزهورات والوجبات الخفيفة فرصة للعديد من الشباب لكسب الرزق. يقول الشاب أحمد، الذي يعمل في بيع الشاي على الرصيف، إن "الاحتفالات فرصة للعمل بعد شهور طويلة من الركود. الزحام يساعدنا على بيع المزيد، والأهم أن الناس يبتسمون ويشكروننا، وهو شعور جميل".
رواج في ورش الخياطة
وفي أحياء دمشق القديمة، لم تقتصر الحركة على بيع الأعلام والمشروبات فحسب، بل امتدت إلى ورش الخياطة (محال التفصيل)، التي شهدت نشاطا لافتا مع أيام الاحتفالات. ورشات صغيرة تعمل على تفصيل الملابس التقليدية وتزيينها بالألوان الوطنية لتلبية طلب المواطنين الذين يرغبون في ارتداء زي احتفالي مميز خلال الأيام المقبلة. يقول خالد النشواتي، وهو صاحب ورشة خياطة في حي الزبلطاني: "الطلب هذا العام أكبر من السنوات الماضية، الناس يريدون زيًا للأطفال وللرجال والنساء بألوان العلم، ونحن نعمل ساعات طويلة لتلبية الطلب. بالنسبة لنا، هذه المناسبة ليست فقط احتفالًا وطنيًا، بل فرصة حقيقية لكسب رزق إضافي".
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي علي الأحمد لـ"العربي الجديد"، إن "مواسم الاحتفالات مثل هذه تعطي دفعة صغيرة، لكنها مهمة للاقتصاد المحلي، فهي تخلق فرص عمل مؤقتة وتزيد حركة البيع والشراء في الأسواق التقليدية. على الرغم من محدودية الأثر على الاقتصاد الكلي، إلا أن هذه الأيام تلعب دورًا في دعم الشباب والأسر الذين يعتمدون على الدخل اليومي". على الرصيف، يمكن رؤية شبان آخرين يبيعون الزهور والبطاقات المصنوعة يدويًا، ويتوقفون أحيانًا لتبادل الابتسامات مع المتسوقين. يقول عبد الكريم، وهو بائع زهورات: "لا نربح الكثير من المال، لكنه يكفي لشراء بعض الحاجيات اليومية. وجود الناس هنا والفرحة في الشوارع تجعلنا نشعر بأننا جزء من شيء أكبر".