أثارت إحالة أربعة وستين متهمًا موزعين على قضيتين من قضايا أمن الدولة العليا، على المحاكمة، موجة واسعة من الإدانات من قبل منظمات حقوقية وسياسية مصرية، في خطوة وصفتها هذه الجهات بأنها "تعسفية" و"تفتقر للمبرر القانوني"، حيث جاء اعتقال المتهمين على خلفية استجابتهم لدعوات التضامن مع الشعب الفلسطيني ومحاولة جمع تبرعات لإغاثة قطاع غزة.
وأكدت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي في بيان لها، اليوم الأربعاء، أن قرار الإحالة جاء "دون تحقيقات جادة" مطالبة بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين، فيما أدانت حركة الاشتراكيين الثوريين والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية هذه الخطوة، معتبرة إياها "رسالة ترهيب موجهة للحياة السياسية" في مصر.
وتضم القضية الأولى المسجلة برقم 2469 لسنة 2023 أربعة عشر شخصًا بينهم طفل واحد، ألقي القبض عليهم في العشرين من أكتوبر 2023 بالإسكندرية عقب محاولتهم التظاهر دعمًا للقضية الفلسطينية، وذلك بالتزامن مع اندلاع حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة. ويأتي اعتقالهم بشكل مفارق بعد تصريحات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بأن ملايين المصريين على استعداد للتظاهر تعبيرًا عن رفض تهجير الفلسطينيين من غزة.
والأكثر إثارة للجدل أن المتهمين الأربعة عشر يقبعون في السجن منذ أكتوبر 2023، أي ما يزيد على عامين كاملين، وهو ما يتجاوز الحد الأقصى للحبس الاحتياطي المنصوص عليه قانونًا، في مخالفة صارخة للقانون بحسب المنظمات الحقوقية. وقد قررت نيابة أمن الدولة العليا في التاسع والعشرين من نوفمبر الماضي إحالتهم على المحاكمة.
واتهمت النيابة ثلاثة من المتهمين بالانضمام إلى جماعة إرهابية، فيما اتهمت جميعهم بالاشتراك في "تجمهر" بالمخالفة لقانون التجمهر رقم 10 لسنة 1914 الصادر إبان الاحتلال البريطاني لمصر، والذي لا تزال النيابة تستند إليه رغم مرور أكثر من قرن على صدوره، إذ لم يلغه قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013.
أما القضية الثانية المرقمة 2627 لسنة 2024 حصر أمن الدولة العليا، فقد بدأ إلقاء القبض على المتهمين فيها خلال النصف الأول من عام 2024، حيث ألقي القبض على مجموعة أفراد على خلفية تضامنهم في مجموعة مغلقة على أحد تطبيقات التواصل الاجتماعي. ولم يتجاوز نشاطهم محاولة الاشتراك في التبرع لجهود الإغاثة في غزة.
وسلطت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، في بيان لها أمس الثلاثاء، الضوء بشكل خاص على قضية أحمد بهجت عزت، مطور البرامج البالغ من العمر 34 عامًا، والذي اعتبرته النيابة متهمًا "هاربًا"، برغم تقدم أسرته بعدة بلاغات لجهات عدة من بينها النيابة نفسها، يطلبون فيها التحقيق في تعرضه للإخفاء القسري المستمر منذ حوالي 19 شهرًا.
وأفادت المبادرة، أن عزت ألقي القبض عليه في التاسع عشر من مايو 2024 من الشارع بمدينة السادس من أكتوبر بمعرفة قوة أمنية بزي مدني اقتادته إلى مكان مجهول. وأكدت أسرته أن جميع أقسام الشرطة التي استفسرت فيها نفت وجوده لديها، كما نفت وجود أي محاضر رسمية ضده وقتها. وخاطبت الأسرة وزارة الداخلية لتمكينها من معرفة مكان احتجاز ابنها والاطمئنان على سلامته، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحمايته من أي تعدٍّ أو تلفيق اتهام له، لكنها لم تتلق أي رد حتى الآن على مدار تسعة عشر شهرًا.
وانتقدت حركة الاشتراكيين الثوريين، في بيانها أمس الثلاثاء، ما وصفته بـ"التناقض الصارخ" في سياسة النظام، مشيرة إلى أن الحكومة التي تحب أن تصور نفسها باعتبارها داعمة للشعب الفلسطيني والشريك الرئيس في عملية وقف العدوان على غزة، "ظلت عاجزة على مدار عامين من الإبادة الجماعية عن تقديم أي دعم حقيقي للشعب الفلسطيني المحاصر والمجوع، ولم تتردد في اعتقال كل متضامن مصري".
وأشارت الحركة إلى بيانات رسمية تكشف عن ارتفاع التبادل التجاري مع الاحتلال الصهيوني من 145 مليون دولار إلى 284 مليون دولار بين عامي 2023 و2024 وفق بيانات الأمم المتحدة. كما أشارت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى ارتفاع صادرات نظام الانقلاب للاحتلال بنسبة 50% خلال النصف الأول من عام 2025، إضافة إلى توقيع عقد لتصدير الغاز من كيان الاحتلال إلى مصر بقيمة 35 مليار دولار على مدار 15 عامًا.
واعتبرت حركة الاشتراكيين الثوريين أن "إصرار السلطات على إحالة المتضامنين مع الشعب الفلسطيني للمحاكمة يمثل رسالة ترهيب موجهة للحياة السياسية في مصر"، مؤكدة أن "الهاجس الأمني المرتبط بضمان استقرار النظام هو الدافع الوحيد وراء هذه الإجراءات".
ودعت الحركة، القوى السياسية والنقابية والحقوقية، إلى "تكثيف التضامن مع الشعب الفلسطيني وتشديد النضال بكل الطرق من أجل الإفراج عن معتقلي فلسطين وكل المعتقلين السياسيين"، فيما طالبت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين معتبرة أن اعتقالهم جاء من دون مبرر قانوني.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه القضية الفلسطينية تفاعلاً شعبيًّا واسعًا في مصر، حيث كانت هذه القضية عبر العقود أحد أهم محفزات العمل السياسي لأجيال من المصريين، ما يفسر حساسية السلطات تجاه أي نشاط تضامني معها.