الحمد لله رب العالمين، نحمده حمد الشاكرين، ونشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، ونشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيّه من خلقه وخليله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا محمد..
أما بعد
يقول الله تبارك وتعالى في الجزء الثامن من سورة الأنعام (الآية 125: 127) ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ إلى قوله تعالى ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
في هذه الآية يلمح المسلم تصوير الله عز وجل حالةَ الهدى وحالةَ الإيمان في داخل القلوب والنفوس ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ...﴾ أي من يقدِّر الله عز وجل له الهداية وفْق سننه الجارية من هداية من يرغب في الهدى ويتجه إليه بالقدر المعطَى له من الاختيار بقصد الابتلاء ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ فيتسع له ويستقبله في يسرٍ ورغبةٍ، ويتفاعل معه ويطمئن إليه ويستريح به ويستريح له.
فمن علم الله فيه قبوله واستجابته للهداية هداه الله عز وجل؛ لأن الهداية هي محض فضل ومنّة وعطاء من الله عز وجل مهما بذل الإنسان، حتى إن الرسل والأنبياء لا يملكون من أمر هداية أقوامهم شيئًا، بل الأمر كله موكول إلى الله عز وجل بالكلية؛ فقد قال الحق- سبحانه وتعالى- لحبيبه محمد- صلى الله عليه وسلم-: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: من الآية 56)، فمن علم الله عز وجل قبولَه للهداية يهدِه الله عز وجل بل يَزِدْه الحق تبارك وتعالى هدايةً ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد).
ويقول تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (الكهف: من الآية 17)، فالهداية إرادة الله عز وجل، فتكون بانشراح صدر العبد للإسلام دين الله عز وجل في الأرض وفي السماء ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ (آل عمران: من الآية 19)، بل لا يقبل من أي إنسان- أيًّا كان- دينًا غير دين الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)﴾ (آل عمران).
وأيضًا على النقيض نجد أنه من يقدِّر الله له الضلال، وذلك بناءً على علم الله الأزلي بأحوال خلقه وعباده ووفق سنته الجارية من إضلال من يرغب عن الهدى ويغلق قطرته عنه، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ (الأنعام: من الآية 125) فهو مغلق مطموس يجد العسر والمشقة في قبوله ﴿كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ وهي حالة تعيسة، تجسِّم في حالة حسية من ضيق النفس وكربة الصدر والرهق المضني في التصعُّد في السماء، وهنا يحس الإنسان من كلمة ﴿يَصَّعَّدُ﴾ فيها من العسر والقبض والجهد.
ولذلك نجد أن هداية الله للعباد تجعل الأمرَ عليه سهلاً ميسورًا؛ فهذه علامات على الخير للعبد كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (الزمر: من الآية 22)، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ﴾ (الحجرات: من الآية 7)، وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ (الأنعام: من الآية 125): يوسِّع قلبه للتوحيد والإيمان به، وعن أبي جعفر- رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أي المؤمنين أكيس؟! قال: "أكثرهم ذكرًا للموت وأكثرهم لما بعده استعدادًا".
وسئل النبي- صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية ﴿فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ قالوا كيف يشرح صدره يا رسول الله؟! قال: "نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح" قالوا: فهل لذلك من إمارة يُعرَف بها؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل لقاء الموت".
وقال الشيخ المراغي: فمن كان أهلاً- بإرادة الله وتقديره- لقبول دعوة الإسلام الذي هو دين الفطرة والهادي إلى طريق الحق والرشاد، وجَدَ لذلك في نفسه انشراحًا واتساعًا بما يشعر به قلبُه من السرور، فلا يجد مانعًا من النظر الصحيح فيما ألقي إليه فيتأمله، وتظهر له عجائبه وتتضح له دلالته، فتتوجه إليه إرادته، ويذعن له قلبه، بما يرى من ساطع النور الذي يستضيء به لبُّه وباهر البرهان الذي يتملك نفسه، ولكن على العكس ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾، أي من فسدت فطرته بالشرك وتدنَّست نفسه بالآثام والذنوب يجد في نفسه وصدره ضيقًا أيَّما ضيق؛ إذا طلب إليه التأمل فيما يُدعى له من دلائل التوحيد والنظر في الآفاق والأنفس؛ لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الناس، وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه، فتكون إجابته الداعي إلى الدين الجديد ثقيلةً عليه، ويشعر بالعجز عن احتمالها، ويكون مثَله من صعّد في الطبقات العليا من السماء؛ إذ يشعر بضيق شديد في التنفس، وكلما صعد في الجوّ أكثر شعر بضيق أشد، حتى إذا ما ارتفع إلى أعلى من ذلك شعر بتخلخل الهواء سبيلاً إلى البقاء فإن هو قد بقي منها مات اختناقًا.
وخلاصة ذلك أن الله ضرب مثلاً لضيق النفس المعنوي يجده من دُعي إلى الحق وقد ألِفَ الباطل وركن إليه بضيق التنفس الذي يجده من صعد بطائرة إلى الطبقات العليا من الجوّ، حتى لقد يشعر بأنه أشرف على الهلاك، وهو لا محالة هالك إن لم يتدارك نفسه وينزل من هذا الجوّ إلى طبقات أسفل.. سبحانك ربي، نطق كتابك الكريم بقضية لم يتفهَّم سرَّها البشر، ولم يفقه معرفة كنهها إلا بعد أن مرَّ على نزولها نحو أربعة عشر قرنًا وتقدّم فنّ الطيران الآن علم الطيارين بالتجربة صدَّق ما جاء في كتابك، ودلَّ على صحة ما ثبت في علم الطبيعة، من اختلاف الضغط الجوي في مختلف طبقات الهواء، وقد علم الآن أن الطبقات العليا أقلّ كثافةً في الهواء من الطبقات السفلى، وأنه كلما صعَد الإنسان إلى طبقةٍ أعلى شعر بالحاجة إلى الهواء وبضيق في التنفس؛ نتيجةً لقلة الهواء الذي يحتاج إليه، حتى لقد يحتاجون أحيانًا إلى استعمال جهاز التنفُّس ليساعدهم على السير في تلك الطبقات!!
وهذه الآيات وأمثالها لم يستطع العلماء أن يفسِّروها تفسيرًا جليًّا لأنهم لم يهتدوا لسرِّها، وجاء الكشف الحديث وتقدم العلوم، فأمكن شرح مغزاها، وبيان المراد منها، بحسب ما أثبته العلم، ومن هذا أصبح قولهم الدين والعلم صنوان لا عددان.
ثم يوضح الله تبارك وتعالى في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 125) أي مثل ذلك الضيق والحرج في صدور أهل الضلال نجعل الرجس والعذاب على الذين لا يؤمنون بالله ربًّا ولا بالإسلام دينًا ولا بمحمد- صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين قال تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الصف: من الآية 5)، وقال جلَّت حكمته: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)﴾ (فصلت)، وقال عز وجل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)﴾ (الليل).
هذه سنة الله التي لا تتخلَّف ولا تختلف على مر العصور واختلاف الأمصار ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: من الآية 43) ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ (الأحزاب: من الآية 38)، ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية 126)، لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا ولا تعرُّجًا ولا التواءً ولا شذوذًا ولا نشازًا ولا انحرافًا؛ إذ المستقيم أقرب صلة بين نقطتين، وهذا هو صراط الله، ولقد علمَنا الله كيف ندعوه في سورة الفاتحة التي نقرأها كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل في صلواتنا؛ فنقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6)﴾ (الفاتحة)، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)﴾ (الأنعام)، إن الذين اتبعوا هذا الصراط المستقيم قد اتبعوا هدى الله، فوعدهم الله تعالى بوعدين: ألا يضِلوا ولا يشقوا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: من الآية 123).
![]() |
وهؤلاء لهم دار السلام عند ربهم، والسلام اسم جليل وجميل، يملأ النفس طمأنينةً وسكينةً، وللكلمة رنين طالما اهتزَّت له أعواد المنابر، ووصل إلى أعمال القلوب أليس السلام اسمًا من أسماء الله عز وجل ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ﴾ (الحشر: من الآية 23)، أليس اسمًا من أسماء الجنة ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ﴾ (يونس: من الآية 25)، ثم أليس السلام تحيةَ الله إلى حبيبه ومصطفاه "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته"، أليس السلام تحية الإسلام: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، أليس السلام تحية الملائكة لأهل الجنة ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24)﴾ (الرعد: من الآيتين 23: 24) ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127)﴾ (الأنعام).
والولاية هنا ولاة نصرة ومحبة، ومن كان الله وليَّه لا يخيب سعيُه ولا يضلُّ سؤاله ولا تتعثَّر قدمه ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: من الآية 257)، وما سُمِّي الوليُّ وليًّا إلا لأن الله يتولاه بالحفظ والعناية:
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم؛ فالمخاوف كلهن أمان
يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته أتطلب الربح مما فيه خسران؟!
أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان
وامدُد يدَيْك بحبل الله معتصِمًا فإنه الركن إن خانتك أركان
وصلَّى الله وسلَّم وبارَك على سيدنا محمد
