الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبيه وخير رسله وبعد..
إن بين الضيق والفرج مسافة قصيرة، لكنها مليئة بالتحديات الإيمانية، حيث تتجلَّى رحمة الله وقدرته على إخراج عباده، من الشدة إلى الفرج، ومن الذل إلى العز، ومن المحن إلى المنح، ومن العسر إلى اليسر، ومفتاح هذا كله يكمن في اليقين بوعد الله عز وجل والأخذ بكل الأسباب المتاحة والصبر والثبات في المحن، والدعاء والاستمساك بحبل الله المتين.
إن مشهد المسلمين الأوائل في السنة الخامسة من البعثة في مثل هذا الشهر الكريم – شهر رجب الحرام – بعد اشتداد أذى المشركين والتضييق عليهم- يذكِّرنا بما لاقاه الصحب الكرام وما بذلوه فداءً لهذا الدين؛ ليأتي القرار النبوي بالهجرة إلى الحبشة حماية لأنفسهم وفراراً بدينهم ولتكون قاعدة جديدة حامية للعقيدة، فانطلقوا متوكلين على الله ثابتين على دينه؛ فبوَّأهم الله تعالى دار الهجرة ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 41]
وكان مشهد غزوة تبوك مثالًا واضحًا على الثبات واليقين بالله تعالى؛ حيث سُميت بغزوة العسرة؛ لِما اجتمع فيها من الشدة والعسر والضيق والفقر الذي كان يعيشه المسلمون كما وصفهم ربنا: ﴿لقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [ التوبة: 117] ليضربوا أروع الأمثلة في البذل والعطاء والتضحية؛ رفعةً لدينهم واستمساكًا بحبل ربهم واستجابةً لأمر نبيهم، وما قول النبي ﷺ لعثمان عنا ببعيد: (ما ضَرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم).
إن حاجة أمتنا اليوم للثبات على دين الله عز وجل والذَّود عنه بكل غالٍ ونفيس وتوحيد كلمتها واجب حتمي مع كل ما يحدق بها من خطوب، وما يحيكه أعداؤها من شِراك وويلات؛ ليس أولها مصاب غزة الصابرة الصامدة، ولا آخرها جرح السودان المكلوم المهضوم.
وإن كان الثبات على دين الله والذَّود عنه واجب الوقت لأمتنا بالعودة إلى طريق الله عزّ وجل والاستمساك بكتابه والأخذ بكل أسبابه الممكنة؛ فإنه على المصلحين أوجب، يقول الإمام البنا رحمه الله: "وأريد بالثبات أن يظل الأخ عاملًا مجاهدًا في سبيل غايته مهما بعدت المدة وتطاولت السنوات والأعوام، حتى يلقى الله على ذلك وقد فاز بإحدى الحسنيين، فإما الغاية وإما الشهادة في النهاية: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: 23]، والوقت عندنا جزء من العلاج، والطريق طويلة المدى بعيدة المراحل كثيرة العقبات، ولكنها وحدها التي تؤدي إلى المقصود مع عظيم الأجر وجميل المثوبة.
محاولات التصنيف المحمومة
إن أمتنا المسلمة وأحرار العالم، وفي ظل محاولات وصم دعاة الحق وأنصار المبادئ بالإرهاب، لفي أشد الحاجة إلى الثبات على طريق الحق والتزام المبادئ والتماس العون من الله؛ حتى يحق الحق ويبطل الباطل، ويأذن بسيادة العدل الذي تنعم فيه البشرية جمعاء.
إن هذه المحاولات المكذوبة والمجافية للحقائق والمنافية للواقع لن تزيد أصحاب الدعوات سوى مزيدٍ من السعي والجهد للتعريف بفكرتهم والانطلاق بدعوتهم، وهم يتلمَّسون صراط الله المستقيم وهَدي سيد المرسلين ﷺ في الحكمة البالغة والحُسنى في القول والفعل، والتذكير بقيم العدل والإحسان والرحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾[الأنبياء: 107]، وإزكاء روح التعايش والتعارف بين الناس أجمعين ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾[الحجرات: 13].
لقد انطلقت تلك الدعوات المشبوهة وبدأت ممن يحكمون بلادنا بالمظالم والاستبداد والانقلابات؛ حيث تم التضييق على الدعاة إلى الله فصودرت أموالهم وممتلكاتهم، وتعرضوا لأشد صنوف الظلم والبغي وهم صابرون محتسبون لا يلوون على شيء، ولا يقيلون ولا يستقيلون عن دعوتهم، ولا ينصرفون عما يحملون من خير.
إن هذه المحاولات المحمومة بوصم الإخوان المسلمون بالإرهاب والتي رفضتها الجماعة وفنَّدتها في بيانها الأخير، لن تثنينا بحول الله - ومعنا كل أحرار العالم - عن الوقوف بجانب الحق ومساندة الشعوب المقهورة، والتعاطف مع كل مستضعف في الأرض، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
إننا ندرك أن محاولات وصم أكبر الجماعات الإسلامية التي تنهج نهجًا إصلاحيًّا وتربويًّا وأخلاقيًّا، وتدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة بالإرهاب، إنما هي محاولة من صُنَّاع الحروب لدعم خطاب العنف وإعطائه قبلة الحياة؛ حتى تنصرف الأمة الإسلامية عن قضاياها المركزية المتمثلة في التحرر الوطني والاستقلال من تبعات الاحتلال الذي ما زال يجثم على أرض فلسطين، وتستمر في تمكين المستبدين والمفسدين القائمين على امتهان شعوب المسلمين والاعتداء على كرامتهم وحريتهم وحرمانهم من أدنى درجات العدالة والسلام.
لقد أزعج التعاطف الشعبي العالمي، بما فيه الرأي العام الأمريكي، مع القضية الفلسطينية، الاحتلال الصهيوني الذي خاص حرب إبادة جماعية، وها هم يسعون ويتحركون لوصم كل من يقف مساندًا للحق الفلسطيني بالإرهاب؛ ليصبح أكثر من نصف سكان العالم -ومن بينهم الشعب اﻷمريكي- الذين هبوا مدافعين عن حرية الشعب الفلسطيني في مرمى هذه الاتهامات الباطلة؛ مما يؤذن بانتهاك القوانين والحريات ويؤدي إلى استقطاب حاد في المجتمعات الإسلامية والعالمية.
الثبات على الحق في مواجهة النكث بالعهود
وفي قطاع غزة الصامد نجد مثالًا واضحًا على الصبر والثبات على المبدأ، في ظل أوضاع مأساوية تزداد حدتها كل يوم وتتضاعف أضرارها مع كل صباح، بعد نكث الاحتلال بوعوده ومماطلته في تنفيذ الاتفاقات كما هو شأنه دائمًا.
لقد قارب عدد الشهداء منذ إنفاذ قرار وقف إطلاق النار 400 شهيد معظمهم من النساء والأطفال، وزاد عدد المصابين على ألف مصاب، وبلغ عدد الخروقات أكثر من 800 خرقٍ، يتنوع بين استهداف بالقتل، وإصابة، وإطلاق نار، وتوغل بالآليات، وقصف ونسف للمنازل، واعتقال للمواطنين.
كما استمرت محاولات الاحتلال لحجب الاحتياجات الماسة لأهل القطاع الصامد من خلال تقليل عدد الشاحنات التي تم الاتفاق على دخولها إلى غزة، فلم يدخل منها سوى 40 % فقط من العدد المتفق عليه؛ ليبلغ متوسط دخول الشاحنات حوالي 240 شاحنة في اليوم بدل 600 شاحنة كان من المفترض أن تدخل إلى القطاع يوميًّا.
وعن خط الانسحاب فقد تجاوز الاحتلال الخط الأصفر المحدد وتلاعب بحدوده، ووضع مكعبات أسمنتية خارج الخط المتفق عليه بمسافات تصل إلى 2 كيلو متر، كما صرحت حركة حماس، وفرض سيطرة نارية بالقذائف والمدفعية والطائرات المسيَّرة على شريط يتجاوز الخط الأصفر بمسافات تتفاوت بين 250 – 1700 متر بمساحة تقارب 35 كم مربع، وكل هذا يكشف نوايا الاحتلال الإجرامية، ويبين هشاشة مقترحات الرئيس الأمريكي للسلام، والضعف السياسي أمام العدوانية الصهيونية وتحكُّمها الانتهازي في السياسة الأمريكية.
وقد استمرت محاولات الاحتلال لخنق القطاع -تحت سمع الإدارة الأمريكية وبصرها وتهميشها لدور الوسطاء من الدول العربية والإسلامية- بمنع دخول مستلزمات إعادة البنية التحتية من المعدات والوقود اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، ومنع آلات ومعدات وقطع غيار تشغيل المخابز، ومعدات إزالة الركام وانتشال الشهداء وفتح الطرق، إضافة إلى منع معدات الدفاع المدني وسيارات الإسعاف والأجهزة الطبية، والمعدات اللازمة لتأهيل شبكات المياه والصرف الصحي، والاتصالات والمواد الضرورية لإعادة تأهيل المستشفيات والمدارس.
كما لا يزال معبر رفح مغلقًا من الناحيتين بحيث لا يتم السماح بخروج المرضى والمصابين الذين تستوجب حالاتهم العلاج بالخارج، كما لم يسمح لمن حجزتهم الحرب خارج غزة للعودة إليها.
إنها لحظات قاسية يمر بها أهل غزة في ظل ظروف صعبة مع دخول فصل الشتاء؛ تستوجب من الأمة وأحرار العالم التكاتف والسعي الدؤوب لمساندة المتضررين وحماية المستضعفين ومد يد العون إليهم بكل ما يستطيعون.
المجتمع المصري ونزيف القيم
وفي مصرنا الحبيبة ما زالت يد الانقلاب تعبث بمقدرات الوطن، فلم تترك فرصة لتدمير المجتمع وهدم قيمه وتفكيك روابطه إلا وقامت بها؛ من خلال محاربة الفضيلة وتمييع مفاهيم الدين، وتصدير أنصاف العلماء والترويج للفتاوى الشاذة، وإشغال الشعب بالتفاهات وإشعال المعارك الفارغة، والتسويق للقبائح والرذائل ومساوئ الأخلاق.
فكان من نتاج كل هذا التدبير أن تضاعفت معدلات الجريمة في المجتمع فاحتلت مصر المرتبة رقم 81 من بين 147 دولة على مستوى العالم والمرتبة السادسة عربيًّا وفق مؤشر قياس الجريمة العالمي (نامبيو).
إن هذه الضغوط التي تتزايد على الشعب المصري كل يوم إنما هي نتيجة مباشرة لسياسات السلطة، التي تؤدي إلى إفقار الناس مع تراجع الأمل في تحسن الأوضاع، وتزايد مخزون من التوتر الذي ينعكس على تزايد حالات العنف الأسري والاجتماعي، فضلًا عن زيادة حالات الطلاق وفقًا للتعبئة والإحصاء؛ حيث وصلت في إحصاء 2024 إلى ما يزيد على 270 ألف حالة طلاق بزيادة مخيفة عن الأعوام السابقة عليها بشكل ملحوظ؛ بسبب الخلل الواضح والمتعمد في منظومة القيم الإعلامية والأمنية والتعليمية وغيرها.
ولا شك أن هذا التردِّي ينذر بعواقب وخيمة على الجميع، ولا يمكن تجنبها بحملة علاقات عامة وجملة أكاذيب إعلامية وافتراءات سياسية مكشوفة، ومحاولة خائبة لإلقاء كل فساد النظام الاستبدادي وفشله الاقتصادي والاجتماعي والسياسي على الإخوان المسلمين، ولن تفلح المساحيق الكاذبة ومحاولات التجميل المفضوحة، التي تحاول سلطة الانقلاب من خلالها تحسين وجهها السيئ، لن تجدي نفعاً؛ فقد اتسع الخرق على الراتق وبات الجرح عميقاً، ويحتاج إلى علاج ناجع لا يتحقق إلا من خلال اختفاء هذه السلطة الغاشمة الفاسدة التي لا تضع وزنًا للقيم ولا اعتباراً للأخلاق.
لقد بات من الأولوية التصدي لعمليات التجريف الشديد التي تتم لقيم المجتمع المصري الأصيلة، والتي كانت دائمًا تميِّز أبناء هذا الشعب العظيم؛ من التكافل والتآزر والدعم المتبادل، وإعلاء قيم الدين والفضيلة بين أبناء الشعب على اختلاف مشاربهم وعقائدهم.
إن الخطب جلل والجرح عميق، يستوجب تكاتف الجميع لإيقاف عمليات النزيف الاجتماعي، وهو ما لا يتأتى إلا بإنهاء تلك الحقبة وبرفض ما تصدره للشعب من مواد إعلامية وخطابات منحرفة وأساليب إجرامية، يتم تسويقها من خلال آلة إعلامية يُنفق عليها الكثير، وكلنا ثقة بأن شعبنا العظيم لن يفرِّط في قيمه ومبادئه وأخلاقه التي تجذَّرت فيه على مدار قرون، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾[يونس: 81-82] ويقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾[الرعد: 17].
والله أكبر ولله الحمد،،،
أ. د. محمود حسين
القائم بأعمال فضيلة المرشد العام لجماعة " الإخوان المسلمون "
السبت 29 جمادى الآخرة 1447 هجرية - الموافق 20 ديسمبر 2025م