بقلم: د. ساجدة محمد أبو فارس
لا يركب المستبد فيه لباس العسكر، ولا يعتلي دبابة ليقصف بها البيوت على ساكنيها، ولا يجتاح بالحرق والرصاص ميدانًا يعتصم فيه الناس سلميًا، ولا يعتقل الآلاف من الشعب ويزج بهم في السجون في ليلة وضحاها، ولا يذيب بعضهم في الأحماض، ولا يهدد علانية بإخفاء المعارضة تحت الأرض، ولا يعقد محاكمات صورية قد صدرت فيها الأحكام المجرمة سلفًا من غير فرصة للدفاع أو المحاماة، ولا يسمح لأعوانه وأذرعه باغتصاب النساء والرجال والأطفال، ولا يقول للناس أنه إله وأنّ عليهم أن يعبدوه من دون الله..
فكيف يكون مستبدًا وهو على غير مثال أولئك الذين يعرف الناس أنهم مستبدون؟!
الحاصل أن ازدياد حركة الجمعيات والهيئات الحقوقية العالمية المطالِبة بمحاسبة النموذج المستبد، وارتفاع أصوات المؤثرين إعلاميا والمنادية بالحرية في العالم، وانتشار جرائم المستبدين بالصوت والصورة، وظهور شبحٍ قد يُهدد المجرم الدكتاتوري كمحاكم الجنايات الدولية، والتلويح بمعاقبة مجرمي الحرب، ومطاردة الإنتربول، وغيرها مما يشكل ضغطا على حرية المستبد في إبداع الاستبداد-خاصة فيمن يُشهِر نسخته الدكتاتورية بوقاحة-
يلجأ من بيده السلطة إلى حالة من الاستبداد الصامت الذي لا يثير ضجة هنا وهناك ولا يدرك الناس تحت هذا النوع أنهم تحت طائلة الاستبداد، بل وتحملهم السلطة على الشعور بأنهم في بحبوحة من الديمقراطية المعقولة!
فكيف تمارس السلطة الاستبداد الصامت إذن؟
تمارسه من خلال منظومة من الاستبعاد الوظيفي لكثير ممن يخالف أو يعارض منهج السلطة المتفردة حتى ولو كان هؤلاء من ذوي الكفاءات التي يعترف بها من هو خارج تلك السلطة.
وتمارسه بمصادرة المؤسسات أو تفريغها من مضمونها عبر إجراءات تعقيدية بل وعقابية لا تسمح باستمرارها حتى ولو كانت ذات صفة خدمية تحمل عن السلطة عبئا. حتى تطول كبرى مؤسسات السلطة ذاتها.
وتمارسه بشيطنة الفكر الذي لا تسمح به- خاصة إذا ارتبط بمنهج الإسلام الشامل في الحياة-وتصور حملته في إعلام السلطة على أنهم أبالسة، بينما تجعل من الفارغين التُفّه صنّاع محتوى يستحق الإشادة والتمجيد والاحتفاء والاحتفال في أجواء لا تشبه حقيقة الأوطان.
يتسلل الاستبداد إلى حياة المواطن -المغضوب عليه- من خلال توقيفه في المطار ذهابا وإيابا، وتفتيش حقائبه والعبث بها، ومصادرة أجهزته الشخصية الخاصة والتي تسمح لمن يصادرها باقتحام تفاصيل حياته وعائلته وعمله وظروف مراجعاته الصحية وفحوصاته وعلاقاته وخلافه مع زوجته أو أقاربه أو غيرهم-والتي قد لا يعلم بها أقرب الناس إليه-ولكنها تستباح بشكل كامل لدى أولئك.
ويسلك الاستبداد الصامت أسلوب التهديد بسحب الجنسية
ويتدرج إلى سحبها حتى ولو عمّر المواطن في البلد ثلاثة أجيال!
وأعجب ما في الاستبداد الصامت استحواذه على عالم الإلكترونيات ومصادرته حق التعبير من خلاله، فتُسَنّ قوانين مجرّمة لألفاظ ومواضيع محددة وإصدار تعليمات صارمة بحق المتفوه فيها أو المتعاطي معها حتى الذي يشير إليها بالرمز والصورة؛ بينما يعبث المجون الإلكتروني وترويجه إعلاميا منصات كثيرة تمر مرّ الكرام دون مؤاخذة.
الاستبداد الصامت خطورته؛ أنه لا ينطق عن نفسه بممارسات واضحة مشهودة ومعلومة، فيدرك الناس وجوده فيعترضون عليه أو يثوروا ضده، بل يسحب بساط الحرية من تحت الأرجل شيئا فشيئا حتى يغدو الاعتياد على قليل الحرية مغنما واكتفاء، بل وتقنعه السلطة بأنه يطير على بساط الحرية الذي اختارت مقاسه وحسب!
إن هذا النوع من الاستبداد كمرض الضغط الذي يوصف بأنه "القاتل الصامت" في الجسد؛ وكالغاز إذا انتشر في الأجواء فاستلّ الحياة بصمت أيضًا.
ولذا لا خيار لأحد أن يتعامى عن الواقع إذا تفشى فيه وجع الاستبداد، بل إنّ التداعي المطلوب:
كشف الوباء قبل استفحاله،
وتمكين الإنسان بالتربية على عدم القبول به واعتباره مستساغا.
واعتياد التعبير بحرية منضبطة، وإشغال الناس بطلب التغيير في أنفسهم وأهليهم ومجتمعهم نحو الحياة العزيزة،
والنفور من الذل في الحال والمقال، واستدعاء الخضوع لله عند كل اختبار للحرية التي ولدتنا أمهاتنا عليها.