"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"﴾ [الزمر: 53]
🌸 أولًا: نداء يفيض بالرحمة
تأمل كيف نادانا ربنا بقوله: "يا عبادي"
لم يقل: يا أيها المذنبون، أو يا أيها العصاة، بل أضافنا إلى نفسه إضافة تكريم ورحمة.
إنها دعوة روحانية من ربٍّ رحيمٍ إلى عباده الذين أثقلتهم الذنوب وأرهقتهم المعاصي.
ثم قال: "الذين أسرفوا على أنفسهم"* — أي تجاوزوا الحد، وغرقوا في الذنوب، ومع ذلك لم يُغلق الباب في وجوههم.
بل فتحه على مصراعيه بعبارة تذيب القسوة من القلوب:
"لا تقنطوا من رحمة الله"
🌼 ثانيًا: لا قنوط مع الإيمان
هذه الآية هي أرجى آية في كتاب الله، كما قال العلماء، لأنها تهدم جدار اليأس وتزرع مكانه أملاً لا ينقطع.
فالقنوط من رحمة الله جهلٌ بربٍّ وسعت رحمته كل شيء.
مهما بلغت ذنوبك، فإنها لا تعلو على مغفرة الله، ولا تَغلب رحمته.
قال أحد الصالحين:
“لو علم العاصي سعة رحمة الله، لمات فرحًا برجائه قبل أن يموت خوفًا من ذنبه.”
💎 ثمرات التدبر في هذه الآية
من يتأمل هذه الآية العظيمة، يجد فيها منهجًا تربويًا عظيمًا، ومن ثمراته:
تعميق الإيمان برحمة الله التي تشمل كل مذنبٍ وتائب.
تربية النفس على عدم اليأس مهما عَظُم الذنب أو طال الطريق.
تعليم الداعية الرحمة في الخطاب، فالدعوة الحقيقية لا تكون بالتوبيخ، بل بالرفق الذي يُلين القلوب.
غرس الأمل في النفوس الضعيفة، ودفعها نحو التوبة والعمل الصالح.
🌼 كيف نعيش هذه الآية في حياتنا اليومية؟
لكي تتحول الآية إلى سلوكٍ حيٍّ في واقعنا، علينا أن نطبقها عمليًا في مواقفنا اليومية:
إذا أخطأت، فارجع فورًا إلى الله.
لا تبرر الخطأ، ولا تؤجّل التوبة، فالله يناديك: يا عبادي، لا تقنطوا.
ابدأ من جديد بثقة.
كل يومٍ يُشرق هو فرصة جديدة لتصحيح المسار، والله لا يملّ من قبول التائبين.
كن رحيمًا بمن زلّ.
ذكّرهم برحمة الله بدل أن توبخهم. لعل كلمة منك تفتح لهم باب الهداية.
اجعل التدبر عادة يومية.
قبل أن تُغلق المصحف، اسأل نفسك: ما الرسالة التي وجهها الله لي اليوم؟