بقلم: د. علي محمد الصَّلابي

تُعدّ محبة الصحابة الكرام رضي الله عنهم من علامات قوة الإيمان بالله تعالى ومحبته، ومحبة رسوله الكريم ﷺ، إذ تمثّل الحلقة المفصلية التي انتقل عبرها الوحي من عالم التنزيل إلى واقع الأمة. فالصحابة رضوان الله عليهم، هم الجيل الذي عاصر النبي المصطفى ﷺ، وتلقّى القرآن غضّاً طريّاً، وشهد تطبيقه العملي في حياة رسول الله ﷺ، ثم قام بنقله للأمة نقلاً جماعياً متواتراً، قولاً وعملاً وسلوكاً. ومن ثمّ، فإن أيّ مساس بعدالتهم أو نزاهتهم لا يُعدّ مسألة تاريخية محايدة، وإنما هو طعنٌ مباشر في مصادر الإسلام نفسها.

وقد تنبّه علماء الأمة مبكراً إلى خطورة هذا المسلك، فقرّروا أن الطعن في الصحابة رضوان الله عليهم هو في حقيقته طعن في الدين، لأنهم الواسطة التي نقلت القرآن والسنة. ولهذا شدّد أئمة السلف على أن الطعن في الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، ليس من أبواب البحث العلمي أو المعرفة، بل من أبواب الانحراف الفكري وضعف الإيمان بالله، والجهل بحقيقة تاريخهم ودورهم الروحي والإنساني العظيم، إذا خرج عن ميزان العدل والإنصاف (ابن تيمية، مجموع الفتاوى).

 

وفي الفترة المعاصرة، عادت هذه القضية إلى الواجهة تحت عناوين متعددة، مثل "نقد التراث" أو "إعادة قراءة التاريخ"، غير أن كثيراً من هذه القراءات تنطلق من مناهج مادية أو أيديولوجية تُسقط السياق الإيماني، وتتجاهل الخصوصية الشرعية للجيل الأول. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تأصيل علمي رصين، يعيد ضبط هذه المسألة ضمن إطارها العقدي الصحيح، مستنداً إلى القرآن والسنة وإجماع الأمة.

 

أولًا: منزلة الصحابة (رضوان الله عليهم) في القرآن الكريم والاصطفاء الإلهي

 

قرّر القرآن الكريم منزلة الصحابة رضوان الله عليهم تقريراً واضحاً، وأثبت لهم فضل السبق والاصطفاء، وربط ذلك برضا الله تعالى عنهم، وهو أعلى درجات التزكية الشرعية. قال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (التوبة: 100). (الصلابي، السيرة النبوية).

 

وقد أجمع المفسرون على أن هذه الآية تتضمن تعديلاً عاماً للصحابة رضوان الله عليهم، وأن رضا الله عنهم حكمٌ مطلق غير مقيَّد بزمن أو حال لاحق (القرطبي، الجامع لأحكام القرآن).

 

كما وصفهم الله تعالى بأنهم النموذج الأخلاقي المتوازن للأمة، فقال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29). ووصفهم بالإيثار والتجرد من حظوظ النفس، فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: 9).

 

وهذا الثناء القرآني المتكرر يدل دلالة قطعية على أن الصحابة ليسوا محلّ مراجعة أخلاقية لاحقة، وإنما هم معيار الفهم الصحيح للدين، ومنطَلَق الهداية للأجيال اللاحقة.

 

ثانياً: تثبيت السنة النبوية لفضل الصحابة وعدالتهم (رضوان الله عليهم)

 

جاءت السنة النبوية مكمّلة للبيان القرآني، ومؤكدة لخيرية الصحابة وعلو منزلتهم، فقال النبي ﷺ: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (متفق عليه).

 

ويُعدّ هذا الحديث أصلًا في تقرير خيرية الجيل الأول من حيث الإيمان والفهم والعمل، لا من حيث السبق الزمني فقط. كما قال ﷺ: "لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" (متفق عليه).

 

ويُفهم من هذا الحديث أن قيمة العمل عند الله مرتبطة بعمق الإيمان وسابقة النصرة، وهو ما اختص به الصحابة دون غيرهم. وكما ورد التحذير الشديد من التعرض لهم، فقال ﷺ: "اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي" (مسند أحمد). وقال ﷺ: "من سبّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" (الطبراني، المعجم الكبير؛ حسّنه الألباني). وهذه النصوص تضع مسألة سبّ الصحابة في دائرة التحريم العقدي، لا مجرد الخطأ الأخلاقي.

 

ثالثاً: عدالة الصحابة (رضوان الله عليهم) وأثرها في حفظ القرآن والسنة

 

أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة جميعاً عدول، وأن عدالتهم ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. قال الإمام أبو حاتم الرازي: "أصحاب رسول الله ﷺ هم عدول الأمة، وأئمة الهدى، وحجج الدين" (الرازي، الجرح والتعديل). وقال أبو زرعة الرازي: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ فاعلم أنه زنديق" (ابن حجر، الإصابة في تمييز الصحابة). وبيّن العلماء أن الطعن في الصحابة يؤدّي بالضرورة إلى إسقاط الثقة بالقرآن والسنة، لأنهم نقلة الوحي. ولهذا قال الذهبي: "الطعن في الناقل طعن في المنقول" (الذهبي، الكبائر).

 

كما قرّر شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما قد يقع من بعض الصحابة من أخطاء إنما هو في دائرة الاجتهاد المغفور، لما لهم من السوابق والفضائل (ابن تيمية، مجموع الفتاوى). ومن هنا، فإن إخضاع الصحابة لقواعد الجرح والتعديل اللاحقة خلل منهجي جسيم، لأنه يتجاهل خصوصيتهم الشرعية.

 

يتضح مما سبق أن الدفاع عن الصحابة الكرام رضي الله عنهم ليس موقفاً عاطفياً ولا انحيازاً تاريخياً، بل هو ضرورة عقدية ومنهجية لحفظ الدين وصيانة مصادره. فالصحابة الكرام رضوان الله عليهم، هم الجيل الذي رضي الله عنه، واختاره لحمل رسالته، وجعلهم شهداء على الأمة. وقد دلّ القرآن والسنة، وإجماع أئمة أهل السنة، على وجوب محبتهم، والترضي عنهم، والإمساك عمّا شجر بينهم، وتحريم سبّهم أو الانتقاص منهم. كما أن الطعن فيهم يفضي حتمًا إلى الطعن في القرآن والسنة، ويفتح أبواب الإلحاد والانحراف.

 

ولهذا قال الشيخ ابن عثيمين: "سبّ الصحابة قدح في الشريعة، وفي النبي ﷺ، وفي ذات الله عز وجل" (ابن عثيمين، شرح العقيدة الواسطية). ومن أراد فهم الإسلام فهماً صحيحاً، فعليه أن يتلقّاه بعين الصحابة، وبفهم الصحابة، وبمنهج الصحابة، فهم الميزان، وهم النموذج، وهم الأمانة التي حفظ الله بها هذا الدين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:·        القرآن الكريم.

·        علي محمد الصلابي، السيرة النبوية، دار ابن كثير، دمشق.

·        ابن تيمية، مجموع الفتاوى.

·        ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة.

·        ابن عثيمين، شرح العقيدة الواسطية.

·        أحمد بن حنبل، مسند أحمد.

·        البخاري، محمد بن إسماعيل.(2001). صحيح البخاري.

·        الترمذي، سنن الترمذي.

·        الذهبي، الكبائر.

·        الطبراني، المعجم الكبير.

·        مسلم بن الحجاج.(2001).  صحيح مسلم.

·        النووي، شرح صحيح مسلم.