بقلم: محمد المشطاوي*

يتساءل الناس القريب منهم والبعيد، المحبّ منهم وغير المحبّ، عن هذا السرِّ الذي يحفظ على الإخوان هذا التماسك العجيب، ويكفل لهم هذه الطمأنينة، حتى وهم في أشدِّ ساعات المحن، وبالطبع هذه الاعتقالات الجارية ليست أشدَّها، وهم في تساؤلهم محقُّون، ويجدُرُ بمَن ذاق وعرف- كما يحلو للصوفية أن يعبِّروا- أن يخبر مَن بالشطِّ وقف، ليزيل عنهم حيرة، أو ينفي فكرة، فضلاً عن تثبيت آخرين، فلعله بالذكرى والتذكير ينتفع المبتلى كما ينتفع- ولو معرفيًّا- من وقف بالباب.. ولعله يلجُه!!

 

ويمكن لنا بعد أن نتلمس بعض الأسباب والعوامل التي تمكِّن الإخوان من ثباتهم وتماسكهم.. يمكن تقسيم هذه العوامل إلى: عوامل معنوية (نفسية) وأخرى مادية، أو إلى عوامل داخلية وأخرى خارجية، وهي التماسات أحد الذائقين، وإن كان تذوَّقه بطرف اللسان.

 

المعية

يحلو للإخوان دائمًا أن يتذاكروا معية الله، ويتواصَوا بالعمل على أن يكون المرء فيهم موصولاً بهذا الحبل الذي لا ينقطع، الحبل المتين، والأنس الدائم الموفور.. إنه الله.. إنها معية الله..

 

وربما اتهم بعضهم الإخوان في النقطة السابقة بالطوباوية.. وحتى ولو كانت طوباوية، فما يضير المسلم أن يكون طوباويًّا نيِّرًا، طوباويًّا متوكلاً لا متواكلاً.. ولكني أزعم أنها ليست طوباويةً.. بل هي مجاهدةٌ لتشعر بمعية الله التي تحفظ عليك نفسك من أن يأكلك الهمّ في بعض المواقف، والغيظ في بعضها، والضعة في جلّها، وأنت ابن الوطن البارّ الساعي إلى خيره والمتحرِّق إلى رفعته ونصرته.. أليس في مجاهدة هذه المشاعر السلبية وحفظ توازن المرء عملاً بعيدًا عن الطوباوية المدعاة؟! ومن ذا الذي يدَّعي أنه قادرٌ على أن يؤتي ثمار هذه المجاهدة في هذا الاطمئنان وهذه السكينة وهذا اليقين؟!

 

إن الإخوان في تربيتهم يركِّزون دائمًا على أن يكون فردُهم أمةً بذاته يستمدُّ طاقته من الالتجاء إلى الله والتضرُّع إليه، فكم هي سعادة المرء حينما يبكي لله ليحفظ عليه نفسه وتماسكه، وكم هي سعادة المرء حينما يعلم أنه يركن إلى ركنٍ شديد، وأن الله حافظه وأن.. وأن.. وأن... إنها والله أولى العوامل التي تحفظ على الإخوان تماسكهم.

 

الإيمان بالمبدأ

 الصورة غير متاحة

وهذا عامل نفسي داخلي يتربَّى عليه الإخوان، فلا بد للأخ أن يؤمن إيمانًا جازمًا بفكرته، فها هو الإمام البنا يقول لهم في رسالة (التعاليم) معرِّفًا ركنَ البيعة الأول: الفهم: "إنما أريد بالفهم: أن توقن بأن فكرتنا إسلاميةٌ صميمةٌ"، فالإخوان يؤمنون بأن فكرتهم إسلامية صميمة، وهم في سبيل ذلك مستعدُّون دائمًا للمنافحة عنها والتضحية في سبيلها.

 

ويأتي ركن آخر من أركان البيعة لينضاف إلى هذا الإيمان المطلق ليكون زادًا ووقودًا لهذا الثبات وهذا التماسك، وأعني بذلك ركن التضحية التي عرَّفها البنا قائلاً: "وأريد بالتضحية بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه، ولا تضيع في سبيل فكرتنا تضحية، وإنما هو الأجر الجزيل والثواب الجميل، ومن قعد عن التضحية معنا فهو آثم: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ (التوبة: من الآية 111)، ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ..﴾ (التوبة: من الآية 24) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ﴾ (التوبة: من الآية 120)، ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمْ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ (الفتح: من الآية 17)، وبذلك تعرف معنى هتافك الدائم: "والموت في سبيل الله أسمى أمانينا".. إنها التربية على ال