وائل قنديل
ثمّة حالة من العمى السياسي تجعل اللون الأصفر الإسرائيلي أكثر حدّة ووضوحاً من الأحمر العربي، الذي يثبت كل مرة أنه محض ثرثرة لا تقدّم أو تؤخّر، أو تتحوّل إلى إجراء عملي على الأرض، وهنا مبعث اطمئنان الاحتلال الصهيوني إلى أن أحداً أو شيئاً يمكن أن يعطّل مشروعه التوسّعي.
الخط الأصفر الافتراضي الذي أعلنه الاحتلال لتحديد مناطق سيطرته في غزّة تحوّل عمليّاً إلى واقع جغرافي ثابت ودائم، يشدّد عليه جنرالات إسرائيل كل يوم، ويطبّقونه على أرض الواقع. في أحدث تأكيد إسرائيلي على توسيع احتلاله في قطاع غزّة، قال رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، إن الخط الأصفر يعتبر حدوداً أمنية جديدة لإسرائيل، وهو ما يعني إعادة رسم خريطة قطاع غزّة وفق التصوّر الإسرائيلي، إذ صار من أبجديات السياسة الصهيونية أن كل خطوط مؤقّتة تتحوّل إلى حدود دائمة، تبدأ من عندها أية عملية تفاوض جديدة، تفضي، في العادة، إلى بقاء الوضع على ما هو عليه.
هذه سياستهم الثابتة، التي تتناقض بالكلية مع السياسة العربية الرسمية التي ترضى بفتات وعود البدايات، ثم لا تملك القدرة أو الرغبة في الوصول إلى الخلاصات المتفق عليها مع الاحتلال عبر الرعاية الأميركية، وها هو شعار"غزّة أريحا أولاً" الذي مرّرت به الإدارة الأميركية اتفاقية أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، يثبت، بعد أكثر من ثلاثين عاماً، أنه شعار أجوف لاتفاق زائفٍ وخادع، حيث يٌنبئنا الواقع الحالي بأن ما حصل عليه الفلسطينيون لا يصل إلى عُشر المتفق عليه، وهذا العُشر البائس نفسه صار مرتعاً لمشاريع التوسّع والهيمنة الصهيونية، ما يجعل الواقع أقلّ بكثير من"غزّة أريحا أولاً وأخيراً"، كما كان يحذر رافضو الاستسلام للسلام الأميركي وقتها.
عند النظر إلى الخطوط الحمراء العربية لا يبقى منها إلا كلمات عابرة محفوظة في أرشيف "اللا فعل واللا حول ولا قوة" محض تصريحاتٍ تتبخّر في الهواء الطلق، وسرعان ما ينساها حتى الذين أطلقوها، كما جرى مع محور فيلاديلفي الذي سيطر عليه الاحتلال على الحدود مع مصر، حين أعلن بنيامين نتنياهو في مطلع العام الماضي أن "محور فيلادلفي يجب أن يكون تحت سيطرتنا، ويجب إغلاقه... وأي ترتيب آخر لن يضمن نزع السلاح الذي نسعى إليه". فماذا فعلت القاهرة؟ خرج رئيس هيئة الاستعلامات المصرية الرسمية، ضياء رشوان، في بيان له، يؤكّد أن احتلال هذا المحور خط أحمر، وأن أي تحرّك إسرائيلي باتجاه احتلاله سيؤدّي إلى تهديد خطير وجدّي للعلاقات المصرية الإسرائيلية، و"أن مصر قادرة على الدفاع عن مصالحها والسيادة على أرضها وحدودها". ... هل تغيّر شيءٌ بعد تلك التصريحات النارية ذات الخطوط الحمراء؟ لا شيء تغيّر سوى أن الاحتلال صار أكثر ثقة بأن هيمنته الكاملة على الحدود المشتركة وعلى الإقليم كله لن يوقفها شيء، في ظل نجاحه في تكريس ثقافة الاعتياد العربي لكل جرائمه، حتى وصلنا إلى مرحلةٍ صرنا معها متصالحين مع فكرة حياة الشعب الفلسطيني داخل خيامٍ مهترئةٍ في كل مناطق قطاع غزّة، وصار أقصى نضالنا أن يسمح الاحتلال بإدخال كمياتٍ أكبر من الخيام، تكون بديلة للتي غرقت في مياه البحر والسماء.
هذا الاعتياد البليد على المأساة والتعاطي معها أنها الواقع الذي لا فكاك منه، يسير مع اعتياد أقبح وأكثر بلادة مع فكرة الضغط على المقاومة لكي تتخذ قراراً لازماً بالانتحار وتسلّم سلاحها، وإلا سوف تتلقّى ضربة ساحقة من الأعداء والوسطاء، إذ يعلنها دونالد ترامب بلسان صهيوني صريح إن لم تسلم سلاحها سوف تدفع ثمناً فادحاً. ... هذا الاعتياد البليد أقبح من التواطؤ.
المصدر: العربي الجديد