في قطاع غزة، لم تعد الخيمة ملاذًا مؤقتًا، بل تحوّلت إلى عنوان دائم للبؤس الإنساني، وتحت وطأة حصار صهيوني مشدد، تتعثر الحلول الإنسانية وتبقى حبيسة الوعود، بينما يواجه عشرات آلاف النازحين حقيقة واحدة قاسية: الخيمة لم تعد صالحة للحياة، لا شتاءً ولا صيفًا.
ومع استمرار الاحتلال في عرقلة إدخال الوحدات السكنية الجاهزة عبر المعابر، تتصاعد صرخات العائلات التي فقدت منازلها، وتعيش اليوم في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات السكن اللائق، وسط تساؤلات موجعة عن جدوى المبادرات المحدودة أمام حجم الاحتياج الكارثي.
الخيمة ليست بيتًا
في إحدى خيام النزوح في مواصي خانيونس، يجلس الشاب محمود الحداد (37 عامًا) يراقب أطفاله الستة وهم يرتجفون من البرد، بينما تتسرب مياه الأمطار إلى فرشهم البالية.
يقول الحداد: "خسرنا بيتنا المكوّن من ستة طوابق، واليوم يُطلب منا أن نرضى بالعيش في خيمة”.
ويضيف: "الخيمة ليست بيتًا، إنها قطعة قماش تسترنا صيفًا وتغرقنا شتاءً. نحن لا نطلب قصورًا، نطلب فقط كرفانًا يحفظ لنا ما تبقى من كرامتنا وخصوصيتنا”.
معاناة مضاعفة لكبار السن والمرضى
ولا تختلف معاناة سلوى أبو موسى (60 عامًا)، وهي أرملة تعيش مع أبنائها الأربعة وعائلاتهم في ثلاث خيام متلاصقة.
وبصوتٍ أثقله التعب والمرض، تقول: "أنا امرأة مريضة، والرطوبة تنهش عظامي، الكرفان بالنسبة لي ليس رفاهية، بل غرفة مستورة أستطيع فيها تناول دوائي والنوم بكرامة بعيدًا عن أعين الناس”.
مبادرة محلية في وجه الحصار
في محاولة لكسر جدار المنع، أعلنت جمعية البركة الجزائرية عن مبادرة لتصنيع وحدات سكنية جاهزة (كرافانات) محليًا داخل قطاع غزة، كبديل اضطراري عن الوحدات الممنوعة من الدخول عبر المعابر.
وكشف نائب مدير الجمعية، حاتم اليازجي في تصريح صحفي، عن بدء إنتاج 30 كرفانًا في المرحلة الأولى، ستُخصص لجنوب القطاع كأولوية إنسانية عاجلة، مؤكدًا أن المبادرة لا تتوقف عند هذا الحد.
وأوضح اليازجي أن الجمعية تتطلع لاحقًا إلى إطلاق مشروع أوسع شمال القطاع، يتمثل في إنشاء مدينة سكنية متكاملة، تهدف إلى تثبيت المواطنين في مناطقهم وتوفير حد أدنى من الحياة الكريمة للأسر المتضررة، مشددًا على أن التنفيذ يتم بتنسيق كامل مع وزارة الأشغال العامة والإسكان، وبمعايير توزيع دقيقة وشفافة.
تكلفة مرتفعة ومواد شحيحة
من جهته، أوضح مسئول في وزارة الأشغال العامة – فضّل عدم ذكر اسمه – أن المشروع يُنفذ محليًا عبر شركة متخصصة، باستخدام خشب عازل مقاوم للأمطار والرطوبة، لتوفير بيئة صحية نسبيًا للنازحين.
وأشار إلى أن تكلفة الكرفان الواحد تتراوح بين 12 و15 ألف دولار، نتيجة شح المواد الخام وارتفاع أسعارها بفعل إغلاق المعابر، إضافة إلى الالتزام بمعايير عزل حراري ومائي تتناسب مع الظروف المناخية القاسية في القطاع، وفق صحيفة فلسطين.
حلول إسعافية أمام فجوة هائلة
وبالرغم من أهمية هذه المبادرات، تحذّر وزارة الأشغال من أنها لا تسد سوى جزء ضئيل من فجوة هائلة، إذ يحتاج قطاع غزة إلى أكثر من 200 ألف وحدة سكنية لإيواء النازحين، ما يجعل إنتاج عشرات الكرافانات أشبه بإسعاف مؤقت لجراح عميقة.
الخيام لا تلبّي الحد الأدنى من المعايير
في السياق ذاته، يؤكد المهندس المدني ناجي الفقعاوي أن استمرار الاعتماد على الخيام كحل سكني للنازحين "يخالف المعايير الهندسية والإنسانية الأساسية"، مشيرًا إلى أنها لا توفر العزل الحراري أو المائي، ولا الحد الأدنى من الخصوصية والسلامة، ما يجعلها بيئة غير صالحة للسكن، خاصة في فصل الشتاء.
وأوضح الفقعاوي في تصريح صحفي أن منع إدخال الوحدات السكنية الجاهزة ومواد الإيواء يُفاقم من الأزمة، ويُبقي عشرات آلاف العائلات في حالة خطر دائم، محذرًا من أن تحويل النزوح إلى واقع طويل الأمد "يحمل تداعيات اجتماعية وصحية خطيرة”.
وأضاف أن السماح بإدخال بدائل مؤقتة أكثر أمانًا، مثل الكرافانات، يمثل خطوة إنسانية عاجلة لا تحتمل التأجيل، محمّلًا الاحتلال مسئولية ما يترتب على استمرار هذا الوضع من أضرار إنسانية وصحية.
مسئولية قانونية غائبة
وبحسب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، فإن قوة الاحتلال مُلزمة بضمان توفير المأوى والحماية للسكان المدنيين، وعدم عرقلة وصول المساعدات الإنسانية. إلا أن الأمم المتحدة تؤكد أن هذه الالتزامات لا تُحترم في غزة، حيث يُستخدم الحصار ومنع مواد الإيواء كأداة عقاب جماعي محظورة قانونًا.
وكانت تقارير صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) قد شددت على أن الخيام لا توفر سكنًا لائقًا، ولا تلبي الحد الأدنى من المعايير الإنسانية، خاصة في فصل الشتاء، محذّرة من مخاطر صحية وأمنية جسيمة تهدد حياة النازحين، لا سيما الأطفال وكبار السن.
رسالة إنسانية لا تعفي العالم من مسؤوليته
وفي هذا السياق، اعتبرت وزارة الأشغال أن مبادرة البركة الجزائرية تمثل رسالة إنسانية وسياسية في مواجهة سياسة المنع الصهيونية، لكنها لا تعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته القانونية والأخلاقية، ولا تُغني عن ضرورة فرض إدخال مواد الإيواء وإطلاق عملية إعادة إعمار حقيقية.
وبينما تُدقّ المسامير في ورش التصنيع المحلية لتمنح الأمل لـ30 عائلة فقط، تبقى مئات آلاف العيون شاخصة نحو المجتمع الدولي، بانتظار قرار ينهي زمن الخيام، ويعيد للنازحين سقفًا يحميهم، وحقًا بسيطًا في العيش بكرامة.
بيئة من الأمراض
وفي الأثناء، يحذّر عميد كلية العلوم الصحية في الجامعة الإسلامية بغزة، د. عبد الرؤوف المناعمة، من تفاقم المخاطر الصحية بين النازحين مع استمرار الإقامة في الخيام خلال فصل الشتاء، في ظل ما يُعرف صحيًا بـ"متلازمة الخيام المبتلة"، وهي حالة تنتج عن العيش لفترات طويلة في بيئات تفتقر لأدنى مقومات الإيواء الصحي.
ويوضح المناعمة في تصريح صحفي أن هذه المتلازمة لا تقتصر على مرض بعينه، بل تمثل منظومة متكاملة من الأضرار الصحية الناجمة عن البرد القارس، والرطوبة الدائمة، وسوء التهوية داخل الخيام، إضافة إلى الانهيار شبه الكامل للخدمات الصحية، ما يجعل النازحين عرضة للإصابة بأمراض متعددة، في مقدمتها التهابات الجهاز التنفسي، كالربو، والتهاب القصبات، والالتهاب الرئوي، إلى جانب ارتفاع معدلات العدوى الفيروسية، خاصة بين الأطفال.
ويشير إلى تسجيل انتشار واسع للأمراض الجلدية، مثل الفطريات والتهابات الجلد والتسلخات، نتيجة الرطوبة المستمرة وصعوبة الحفاظ على النظافة الشخصية، فضلًا عن ضعف المناعة الناجم عن سوء التغذية والبرد، ما يطيل فترات المرض ويزيد من خطورة المضاعفات.
ولا تقتصر آثار هذه المتلازمة على الجانب الجسدي، إذ يؤكد المناعمة وجود تداعيات نفسية واجتماعية خطيرة، تشمل اضطرابات النوم، والقلق، والاكتئاب، والشعور الدائم بعدم الأمان وانعدام الخصوصية، مشددًا على أن الأطفال، وكبار السن، والنساء الحوامل، ومرضى الأمراض المزمنة، وذوي الإعاقة هم الفئات الأكثر عرضة للخطر.
ويعتبر المناعمة أن استمرار هذه الظروف يشكل عبئًا إضافيًا على منظومة صحية منهكة أصلًا، ويمثل انتهاكًا واضحًا لمعايير الإيواء الإنساني، محذرًا من أن تجاهل هذه الأزمة الصحية قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الإصابة والوفيات، داعيًا إلى استجابة عاجلة تتجاوز الحلول المؤقتة، وتقوم على تدخلات صحية وبنيوية تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية للنازحين.