كشفت تقارير حقوقية وشهادات من داخل سجون الانقلاب عن موجة واسعة من الانتهاكات الممنهجة التي تستهدف الطلاب المحبوسين على خلفية قضايا سياسية، مما دفع العشرات منهم للدخول في إضرابات مفتوحة عن الطعام احتجاجاً على حرمانهم من أبسط حقوقهم القانونية والدستورية، وعلى رأسها الحق في التعليم والرعاية الصحية.
وتتصدر سجون "بدر 3" و"العاشر من رمضان" و"أبو زعبل" المشهد المأساوي، وسط اتهامات لإدارات هذه السجون والقطاع الأمني بالإشراف المباشر على عمليات تنكيل تهدف إلى كسر إرادة المحتجزين.
وفقاً لبيانات صادرة عن "مركز الشهاب لحقوق الإنسان"، تحول سجن "بدر 3" إلى ساحة للاحتجاجات المتصاعدة بعد إقدام إدارته على منع الطلاب المعتقلين من أداء امتحاناتهم الدراسية. وهذه السياسة لم تؤدِّ فقط إلى حرمانهم من مستقبلهم العلمي، بل خلفت آثاراً نفسية كارثية؛ حيث وثق المركز محاولة انتحار المعتقل الطالب كريم سمير احتجاجاً على منعه من أداء امتحاناته، وهي الواقعة التي استدعت نقله العاجل إلى عيادة السجن في حالة حرجة.
وفي السياق، يواصل المعتقل معاذ الشرقاوي إضرابه المفتوح عن الطعام منذ العشرين من ديسمبر الماضي، تعبيراً عن رفضه القاطع لتعنت الإدارة في تمكينه من حقه في التعليم، وسط تجاهل رسمي تام لمطالبه. وتشير المعلومات الموثوقة التي نقلتها المنظمات الحقوقية إلى أن هذه الحملة القمعية تجري بتوجيهات مباشرة من ضابط الأمن الوطني، العقيد وليد وائل م. د، المعروف حركياً باسم "أحمد فكري".
ويُتهم العقيد ذاته بقيادة حملة تنكيل ممنهجة تشمل حرمان الطلاب من الكتب والمستلزمات الدراسية، فضلاً عن إجراءات عقابية أخرى كحجب الكاميرات داخل الزنازين ووضع المعتقلين في غرف "الإيراد" لفترات تتجاوز خمسة أشهر في ظروف غير إنسانية، برغم قضاء بعضهم سنوات طويلة في الاختفاء القسري قبل ظهورهم في هذا السجن، وفقاً للمنظمات.
وفي سجن "العاشر من رمضان - تأهيل 4"، دخل الناشط محمد عادل شهرة الثاني في الإضراب عن الطعام، والذي بدأه في السابع من ديسمبر الماضي. ويأتي إضراب عادل بمطلب قانوني بحت، وهو احتساب مدة حبسه الاحتياطي ضمن مدة العقوبة المحكوم بها عليه.
وبحسب شكاوى قدمتها أسرته للنيابة العامة والمجلس القومي لحقوق الإنسان، لم يكتفِ قطاع السجون بتجاهل مطلبه، بل تعرض لتهديدات بالضرب والإهانة من قبل ضباط السجن. وما يزيد من خطورة وضعه الصحي هو معاناته من ضمور في عضلة الكتف وتمزق في أربطة الركبة، وهي إصابات تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً وتغيير مفصل، وفقاً لتقارير طبية رسمية صادرة عن مستشفى المنصورة العام، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.
ولا تتوقف الانتهاكات عند الحرمان من التعليم، بل تمتد لتشمل الإهمال الطبي المتعمد أداة للعقاب. وتبرز حالة الدكتور علي عبد العزيز، المحتجز في ليمان 2 أبو زعبل، باعتبارها نموذجاً صارخاً لهذا النوع من الانتهاكات.
ويعاني عبد العزيز من ورم في البنكرياس يتسبب في نوبات إغماء وغيبوبة سكر متكررة. وبرغم صدور توصية طبية منذ مايو الماضي بضرورة إجراء منظار تشخيصي عاجل في مستشفى متخصص كـ"المنيل الجامعي"، فإن مصلحة السجون دأبت على إفشال المواعيد الطبية بشكل متكرر عبر تأخير سيارات الترحيلات أو الوصول بعد انتهاء مواعيد عمل الأطباء، مما أدى لمرور ثمانية أشهر دون تشخيص نهائي أو علاج، وهو ما يهدد حياته بشكل مباشر.
أمام هذا التدهور المتسارع، طالبت المنظمات الحقوقية، وفي مقدمتها مركز الشهاب والشبكة المصرية، النيابة العامة والمجلس القومي لحقوق الإنسان بضرورة إجراء زيارات مفاجئة لسجون بدر والعاشر وأبو زعبل للوقوف على هذه الانتهاكات.
وتتلخص التوصيات الحقوقية في ضرورة التمكين الفوري للطلاب من أداء امتحاناتهم، ووقف سياسة التنكيل التي يقودها ضباط الأمن الوطني، ونقل المرضى إلى مستشفيات جامعية متخصصة بشكل منتظم. كما شددت المنظمات على ضرورة محاسبة المسئولين عن هذه السياسات التي تنتهك "قواعد نيلسون مانديلا" لمعاملة السجناء والدستور المصري، محذرة من أن استمرار الصمت تجاه هذه الممارسات قد يؤدي إلى مزيد من حالات الوفاة أو الانتحار داخل مقار الاحتجاز.