يشهد الوسط الصحفي والعمالي موجة غضبٍ واسعة عقب قراراتٍ تعسفية صدرت عن إدارة مؤسسة أخبار اليوم الحكومية، وقضت بإيقاف الكاتب الصحفي حسام الكاشف عن العمل، إلى جانب ستةٍ من عمال مطابع المؤسّسة، وإحالتهم جميعاً إلى التحقيق، على خلفية تضامنهم مع مطالب عمالية تتعلّق بحقوقٍ مالية وإدارية.
وفجّرت هذه الإجراءات ردّات فعلٍ واسعة داخل نقابة الصحفيين ومنظمات حقوقية، رأت فيها مساساً مباشراً بحرية التعبير والعمل النقابي، وتكريساً لنهج العقاب الإداري ضدّ الأصوات المنتقدة.
وفي بيانٍ رسمي مساء أمس السبت، أعلنت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين تضامنها النقابي والمهني الكامل مع الكاشف وزملائه من عمال "أخبار اليوم"، مؤكدةً أن ما جرى لا يمكن فصله عن سياقٍ أوسع من التضييق على الصحفيين والعاملين داخل المؤسّسات الصحفية القومية.
واعتبرت اللجنة أن قرارات الإيقاف والإحالة إلى التحقيق تمثل "محاولةً صريحة للترهيب" و"عقاباً على مواقف مشروعة"، ولا سيّما أن الصحفي الموقوف "لم يقم سوى بدوره المهني في الكتابة عن قضايا العمال ودعم مطالبهم القانونية".
وأوضحت لجنة الحريات أن العمال الذين شملتهم القرارات لم يمارسوا سوى حقهم الدستوري في المطالبة بحقوقهم المالية والإدارية عبر وسائل سلمية، وشددت على أن توصيف هذا التضامن الإنساني والمهني بوصفه "إفشاءً للأسرار" أو "خروجاً عن مقتضيات الواجب الوظيفي" يشكل انحرافاً خطيراً في استخدام السلطة داخل المؤسّسات الصحفية القومية.
ورأت اللجنة في ذلك سابقةً مقلقة تهدّد حرية الرأي والتعبير، وتصادر الحق في المطالبة بالعدالة الاجتماعية داخل بيئة العمل الصحفي.
وأضاف البيان أنّ الدفاع عن حقوق العاملين ليس خياراً أو ترفاً، بل واجبٌ أخلاقي ومهني أصيل، لافتاً إلى أن محاولات قمع الأصوات الحرة داخل مؤسّسة عريقة بحجم "أخبار اليوم" لن تؤدي إلّا إلى مزيدٍ من الاحتقان وفقدان الثقة. وعلى هذا الأساس، طالبت لجنة الحريات الهيئة الوطنية للصحافة بالتدخل العاجل لوقف ما وصفته بالقرارات الانتقامية، وتصحيح المسار، انطلاقاً من مسئوليتها القانونية والأخلاقية في حماية كرامة وحقوق الصحفيين والعاملين في المؤسسات القومية كافّة.
وأكدت اللجنة أنها تتابع عن كثب مجريات التحقيق مع الصحفي والعمال الموقوفين، محذّرةً من خطورة استخدام التحقيقات التأديبية أداةً للعقاب المقنّع، ومشددةً على أن حق التعبير والاعتراض من دون خوفٍ أو تنكيل يمثل الركيزة الأساسية لبيئة عملٍ صحفية آمنة ومستقلة. وخلص البيان، الموقّع من مقررة لجنة الحريات إيمان عوف، إلى أن النقابة لن تتراجع عن دورها في الدفاع عن أعضائها وعن حرية الصحافة.
وتأتي هذه التطورات في ظل أوضاعٍ عمالية متأزمة داخل مطابع "أخبار اليوم"، إذ تشير إفادات حقوقية إلى تأخر صرف مستحقات مالية، وغموضٍ بشأن أرباح العاملين، وتدنّي الأجور، فضلاً عن شكاوى تتعلق بتقليص أو وقف خدمات العلاج لبعض العاملين. وأعادت هذه الأزمة إلى الواجهة النقاش حول إدارة المؤسّسات الصحفية القومية، وحدود السلطة الإدارية فيها، والعلاقة بين الحق في التنظيم والتعبير من جهة، ولوائح العمل من جهة أخرى.
في السياق، أعلنت منظمات حقوقية تضامنها مع الصحفي الموقوف والعمال، معتبرةً أن ما جرى يشكل انتهاكاً صريحاً لحرية الصحافة والحقوق العمالية.
وأكّد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن تنظيم وقفةٍ احتجاجية سلمية للمطالبة بحقوقٍ مشروعة لا يُعد جريمة، كما أن تضامن صحفي مع العمال وكتابته عن قضيتهم يندرج في صميم الدور المهني والأخلاقي للصحافة.
وحذّر المركز من خطورة استخدام لوائح العمل بصورة انتقامية، أو تصوير التضامن والكتابة الصحافية على أنهما "إفشاءٌ للأسرار"، معتبراً ذلك تهديداً لمناخ العمل الصحفي وحرية التعبير داخل المؤسّسات القومية.
بدورها، دانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات إيقاف الصحفي وستة عمال من مطابع "أخبار اليوم"، واعتبرت الإجراءات المتخذة بحقهم مساساً خطيراً بالحق في التعبير والمطالبة بحقوقٍ عمالية مشروعة، وانتهاكاً للحماية من التعسف. وأشارت إلى أنّ قرارات الإيقاف، حتى وإن جاءت في إطارٍ شكلي يوحي بالمشروعية، تُستخدم عملياً عقوبةً تأديبية مقنّعة، ولا سيّما مع وقف بعض المستحقات المالية، في مخالفةٍ صريحة لمبادئ العدالة وقانون العمل والدستور. وطالبت المفوضية بإلغاءٍ فوري لقرارات الإيقاف، وردّ الاعتبار للموقوفين، وصرف المستحقات المتأخرة، مؤكدةً أن التضامن مع العمال والدفاع عن كرامة العمل يستحقان الحماية لا العقاب.
وأعلن الكاتب الصحفي حسام الكاشف، في 8 يناير الحالي، إيقافه عن العمل مع ستة من زملائه في مؤسسة "أخبار اليوم"، موضحاً عبر حسابه على "فيسبوك" أنّ الإدارة أحالته وزملاءه إلى التحقيق بذريعة مشاركتهم في وقفة احتجاجية.
ووصف الكاشف هذا الادعاء بأنه "باطل جملة وتفصيلاً"، مضيفاً أن التضامن مع عمال مطابع المؤسسة "حق دستوري ومهني وأخلاقي، ولا يُعدّ جريمة أو إفشاء أسرار كما تحاول الإدارة تصويره لتبرير التنكيل بي".
وأكد أنّ قرار الإيقاف جاء "ردّ فعل انتقامياً" على مواقفه المنتقدة للإدارة، ولا سيما اعتراضه على "التعيينات والترقيات العشوائية وإهدار المال العام على غير المستحقين على حساب حقوق العاملين".
وجاء قرار الإيقاف بعد أربعة أيام من نشر الكاشف، في 4 يناير صورةً لمطابع "أخبار اليوم" مرفقةً بانتقاد لاذع لسياسات الإدارة. وكتب حينها: "رجال مطابع أخبار اليوم ووقفاتهم الاحتجاجية المتكررة في شارع الصحافة دليل دامغ على فشل منظومة الصحافة القومية التي لم تُهدر حقوق العاملين وأصحاب المعاشات فحسب، بل أهدرت كذلك حق الدولة التي تُنفق المليارات للنهوض بالصحافة. بات المعيار الأول للاختيار هو مجاملة المقرّبين، ومنحهم عشرات الآلاف من حقوق العاملين والدولة، فيما تتحول المؤسسات إلى بيئة تهدر المال العام وإنفاقه في غير موضعه. نتمنى أن تستيقظ الضمائر، فمال الدولة لا يجوز العبث به، وسيحاسبكم الله والتاريخ مهما طال الزمن".