قال مدير مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أجيت سونجاي، إن ما يعيشه سكان قطاع غزة في ظل موجات البرد الحالية يمثل "وضعا خطيرا جدا"، محذرا من أن الشتاء أصبح عاملا قاتلا يضاف إلى القصف والنزوح المستمرين منذ أكثر من عامين.
وأوضح سونجاي في مداخلة لـ"لجزيرة" أن الغزيين واجهوا ظروفا قاسية خلال فصول الشتاء السابقة، إلا أن الوضع الراهن أكثر خطورة، في ظل خيام تقتلعها الرياح، ومناطق تغرقها مياه الأمطار، وبنية تحتية مدمرة تجعل أي منخفض جوي تهديدا مباشرا للحياة.
وأشار إلى أن انخفاض درجات الحرارة أدى بالفعل إلى وفاة أطفال، مؤكدا أن هذه الخسائر لا يمكن فصلها عن واقع النزوح القسري، وغياب مراكز إيواء ملائمة، واستمرار منع إدخال مواد أساسية تحمي المدنيين من تقلبات الطقس القاسية.
ورأى المسئول الأممي أن الكارثة لم تكن مفاجئة، إذ إن المنخفضات الجوية في هذا التوقيت من العام أمر متوقع، غير أن ترك مئات آلاف الناس في خيام "غير كافية وغير إنسانية" يجعل النتائج مميتة، ويحوّل الظواهر الطبيعية إلى مأساة من صنع البشر.
وشدد على أن الحاجة لا تقتصر على خيام إضافية، بل على مراكز إيواء ذات جودة عالية، موضحا أن هذا النوع من الملاجئ "غير مسموح به" من جانب الاحتلال في هذه المرحلة، مما يقتضي –حسب قوله– الإصرار على الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار لإدخال مواد إعادة الإعمار.
واعتبر سونجاي أن استمرار القيود المفروضة على إدخال المعدات ومواد البناء يشكل "عنق زجاجة" حقيقيا، يمنع أي استجابة إنسانية فاعلة، ويُبقي السكان عرضة للموت، سواء بسبب البرد أو انهيار المباني أو استمرار القصف.
وتسببت المنخفضات الجوية حتى الآن بانهيار أكثر من 20 مبنى فوق رءوس ساكنيها، إضافة إلى انهيار جزئي لأكثر من 150 مبنى، ما أدى إلى وفاة 24 مواطنًا، من بينهم 21 طفلًا، وإصابة عشرات آخرين.
وكان الدفاع المدني أعلن أن منخفضا جويا قطبيا جديدا يهدد حياة نحو 1.5 مليون فلسطيني يعيشون في الخيام، محذرا من احتمالات تسجيل ضحايا جدد، وانهيارات إضافية، أو غرق مخيمات كاملة جراء الأمطار والرياح العاتية.
وحمّل سونجاي المجتمع الدولي مسئولية ما وصفه بـ"الفشل الجماعي"، معتبرا أن التقصير لا يقتصر على المنظمات الأممية، بل يشمل الدول الأعضاء، ولا سيما الدول ذات النفوذ القادرة على الضغط على الاحتلال لتمكين العمل الإنساني داخل غزة.
وأشار إلى أن حكومة الاحتلال منعت عشرات المنظمات الدولية من العمل أو التسجيل، وفرضت قيودا على وكالات أممية، ومنعت منظمات حقوقية، بينها المفوضية، من الحصول على تأشيرات، مما عمّق عجز الاستجابة الإنسانية.
وتوقف المسئول الأممي عند مشهد الشاحنات المكدسة بالمساعدات عند المعابر، مؤكدا أن المشكلة لا تكمن في توفر المواد أو المعدات، بل في منع دخولها، وقال إن المساعدات موجودة "لكنها لا تدخل لأن إسرائيل لا تسمح”.
وحذر سونجاي من تراجع الاهتمام الدولي بغزة مع بدء المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، مشددا على أن القصف لم يتوقف، وأن الناس ما زالوا يُقتلون، سواء بالغارات، أو بإطلاق النار قرب مناطق عازلة، أو بسبب البرد وانهيار الملاجئ.
وختم بالتأكيد على أن الأمم المتحدة والمنظمات الدولية “لن تستسلم”، لكنها لا تستطيع التحرك منفردة، داعيا الدول الأعضاء إلى تحمّل مسؤولياتها، وممارسة ضغط حقيقي، وضمان المساءلة عما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
ويحول غياب الآليات والمعدات الثقيلة دون تمكّن الجهات المختصة من إزالة المباني المتضررة والآيلة للسقوط، لتبقى خطرًا داهمًا على حياة الأهالي، في وقت يمنع فيه عدم بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الشروع في عمليات الإعمار.