﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).
الحمد لله العليم الحكيم، نحمدك اللهم أعظم الحمد على ما هديتنا به من إيمان صادق، ونبي بالحكمة ناطق، هديت به الأمة، وكشفت به الغمة، ومحَوت به الظلمة.
فاق الورى بكماله سبق الورى بجماله
عظمت جميع خصاله صلوا عليه وآله
وأشهد أن لا اله إلا الله، وحده لا شريك له، أنقذنا بالإسلام من كل كرْبٍ وضيق وهدانا بالنبي محمد إلى أعظم طريق، صلِّ اللهم على هذا النبي التقي النقي، صلاةً تليق بجودك العظيم، وبمقامه الكريم فقد فضَّلته على سائر النبيين، فاللهم ارض عنَّا بالصلاة عليه واجعلنا من خير الواصلين إليه.
موضوعنا هو (جوانب من العظمة في حياة الرسول القدوة) ولا شكَّ أننا في حاجة ماسَّة لمدارسة هذا الموضوع من حياة الرسول، وأننا في حياتنا لا بد لنا أن نتمثَّل هذه العظمة لنقتدي به صلى الله عليه وسلم.
الواقع أن قلوبنا تمتلئ روعةً كلما تلونا قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب) ومن هنا نطرح سؤالاً:
ما شروط القدوة الحسنة؟
هناك شروط لا بد من توافرها فيمن نتخذه قدوة وهي:
1- أن يحمل الأخلاق الفاضلة العالية التي تؤهله لذلك.
2- أن يمكن تمثل جميع الطبقات به؛ بحيث لا تعجز طبقة من طبقات المجتمع عن وجود الأسوة فيه.
3- أن يكون هذا الشخص يملك منهاجًا صالحًا موفقًا يستطيع أن يأخذ بيد من يقتدي به إلى سبل الخير والرشاد.
وقد اجتمعت وتحققت هذه الشروط في حياة رسول الله وشخصه.
الشرط الأول
فحدث ولا حرج، فالحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- جمع مكارم الأخلاق كلها، وقال فيما يحفظ كل منا "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. ربنا عز وجل يمدحه- صلى الله عليه وسلم- بمدح لم يصل إليه أحدٌ في الأرض من قبل ولا من بعد فيقول ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم: 4).
سيدي يا رسول الله، مهما قال القائلون فلن يبلغوا فيك قول ربك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم: 4) الخلق العظيم شيمة الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- ولهذا وصفه كل من رآه بمجامع الأخلاق الحميدة، حتى وصفه الأعداء، بما وصفه به الأصدقاء قديمًا أو حديثًا.
الشرط الثاني
أن يكون هذا الشخص الذي يُقتدى به محلاًّ لأن يقتدي به الناس، وهذا هو السر في الآية الكريمة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب من الآية 21)؛ حيث نجد هنا أن الأسوة قيِّدت بالوصف، وعندما تُقيد الكلمة بالوصف يُدل هذا على زيادة في المعنى، شمول القدوة لكل الناس وفي كل الأحوال، وقد قال العلماء هنا: إن كلمة "حسنةً" معناها أنكم يا أيها الناس تستطيعون أن تقتدوا برسولكم في كل أحوالكم وعلى اختلاف طبقاتكم، فالكل يجد قدوته في رسول الله قائدًا سياسيًّا محنكًا يعرف كيف يُدير شئون أمته وكيف يخاطب الملوك، وكيف يتعامل مع الأعداء، وكيف تكون سياسته سياسةً راشدةً، تدفع بالأمة إلى الهداية والنصر والتمكين.
نعم كان رسول الله قائدًا سياسيًّا محنكًا يعطي القدوةَ الطيبةَ لكل حاكم تجده يبعث السفراء إلى ملوك العالم يخاطبهم فيها بلغة دبلوماسية، يخاطب الملوك على أقدارهم ويدعوهم منها إلى الإسلام بطريقة تناسب مكانتهم ويأخذ