كتبت- أمل سعيد

ما من يومٍ إلا وتطالعنا الصحف بجرائم يهتزُّ لها الوجدان، ويرفض العقل تصديق أنها جرائم يرتكبها فلذات الأكباد في حق آبائهم وأمهاتهم، وتخلوا عن أسمى المشاعر وأنبل الأحاسيس، والمثير للانتباه حقًّا هو أن تزداد هذه الظاهرة وتنمو بصورةٍ تستدعي التعرف على أسبابها ومحاولة علاجها:

 

ثريا نقلت ملكية شقتها التي لا تملك غيرها إلى ابنتها الوحيدة وتزوجت ابنتها ووقعت الخلافات بينها وبين زوجها الذي رفض وجود الأم، فما كان من ابنتها إلا أن طلبت من أمها أن تُغادر شقتها لتصبح بلا مأوى!!

 

وهذا ولدٌ قتل أبويه.. وآخر زوَّج أمه المسنة كارهةً ليستقل بمسكنها.. وثالث أوثق والده ليقتله إخوته.. ورابعة- والعجيب أنها فتاة- استغلت محبة والدها القعيد وسحبت جميع مدخراته التي سجَّلها باسمها وتزوجت وهربت من البلاد وتركته بلا عائل، وابن يضرب أمه ضربًا مبرحًا لرفضها تزويجه لأنه متعثرٌ في الدراسة ولا يعمل.

 

وفي دور المسنين نجد أيضًا أمومةً وأبوةً معذبةً ممتهنةً ألقوا بها في دورِ الرعاية، تناقش علنًا قضاياها على صفحات الجرائد فظهرت الأصوات التي تنادي بالتخلص من هؤلاء بدعوى الشفقة، وابتكروا لهم وسائل الإبادة الناعمة باعتبارهم قوةً معطلةً لا حاجةَ إليها، ومنهم من كان أكثر موضوعيةً إذ قدموا لآبائهم في إحدى دور المسنين، هدية عيد الميلاد، فأحرقوا الدار على مَن فيها.

 

الإفراط

الدكتور محمد مصطفى- أستاذ الصحة النفسية بجامعة الأزهر- يرى أن الإفراط الشديد في تربية الأبناء سواء بالتدليل الزائد أو باستخدام الشدة في التعامل معهم لها أثرٌ نفسيٌّ كبيرٌ في عقوق الأبناء للآباء، مشددًا على خطورة استخدام العنف والشدة مع الأطفال؛ لأن هذا الأمر يزيد من الضغوطِ المكبوتة عند الأبناء ويؤدي إلى انهيارهم، وتظهر بعض السلوكيات عليهم كالعناد والتعامل مع الوالدين بأسلوبٍ غير لائق من خلال رفع الصوت أو العبوس في وجهَيْهما والتهرب من المسئوليات.

 

وفي هذا السياق يشير الدكتور محمد مصطفى إلى خطورة تعامل الأب بصفةٍ خاصة بشدة مع الابن، خاصةً في هذا العصر الذي كثُرت فيه المغريات الكثيرة أمام الشباب، بل يرى ضرورة استيعاب الأبناء ومحاورتهم واستخدام الوسطية في التعامل معهم.

 

ويُحذِّر أيضًا من ازدواجية التعامل مع الابن، ففي الوقت الذي لا يجد سوى العنف والشدة من الأب يجد التدليل الزائد من الأم، وكلا التعاملين مع الابن يؤدي إلى نتائج سلبية على نفسية الابن أو الابنة، ولهذا ينصح بعدم الإفراط سواء في استخدام الشدة أو اللين مع الأبناء.

 

سيطرة المادة

ومن جانبه يوضح الدكتور أحمد المجدوب- المستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية- أن ما نراه في المجتمع من ظواهر مختلفة لعقوق الأبناء للآباء إنما هي ظاهرة طبيعية للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي يمر بها المجتمع المصري والأسرة المسلمة، مشيرًا إلى أن التنشئة التي تقوم بها الأسرة لأبنائها تلعب الدور الرئيسي في تشكيل وتكوين هؤلاء الأبناء.

 

 الصورة غير متاحة

 د. أحمد المجدوب

 يضيف د. المجدوب أنَّ عمليةَ التنشئة تتكون من عنصرين أساسيين؛ الأول يتمثل في التوجيهات المباشرة للأبناء، والثاني في القدوة، فالأبوان مرايا للطفل الصغير يلاحظ ما يفعله الأبوان فيحاكيهما، وهذا أخطر من التوجيه، وهنا يؤكد المجدوب افتقاد الأسرة المسلمة القدوة الصالحة بسبب سيطرة المادة على كافة أوجه الحياة وفقدان المجتمع للقيم الأصيلة، فانشغل الآباء بجمع الأموال ولم ينشغلوا بالت