- اسم الكتاب: القيادة الأمريكيَّة العمياء.. الطريق من 11 أيلول إلى سجن أبو غريب
- اسم المؤلف: سيمور هيرش
- ترجمة: مركز التعريب والترجمة بالدار العربيَّة للعلوم
- الناشر: الدار العربيَّة للعلوم- بيروت/ مكتبة مدبولي- القاهرة
- تاريخ النشر: الطبعة العربية الأولى- 2006م
- عدد الصفحات: 326 صفحة من القطع الكبير
- عرض وتحليل: أحمد التلاوي
"القيادة الأمريكيَّة عمياء!!"، هكذا لم يجد الكاتب والصحفي الأمريكي الأشهر سيمور هيرش توصيفًا أقل وطأةً لكي يُصنِّف إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن بعد نحو سبعةِ أعوامٍ من "القيادة" في البيت الأبيض على رأسِ القوة الأكبر في عالم اليوم؛ قوة أكبر عسكريًّا، واقتصاديًّا حقًّا؛ ولكنها عمياء، هذا هو تقييم هيرش- كممثِّل مهم للرأي العام الأمريكي- للولايات المتحدة في ظل قيادة بوش الصغير.
وفي هذا الإطار يقدِّم هيرش تقييمه حول ما وقع في سجن أبي غريب من انتهاكاتٍ على يد قوات الاحتلال الأمريكية في العراق بحقِّ المعتقلين العراقيين، مشيرًا إلى مسئولية الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن كلِّ تلك الانتهاكات وفق تسلسل القيادة في المؤسسة العسكرية الأمريكية، إلا أنه من الضروري قبل البدء في التعرف على الكتاب أن نتعرَّف على العقل الذي صاغه.
هيرش.. صانع الخبطات الصحفية
يعتبر سيمور هيرش من أبرز الكُتَّاب الصحفيين في الولايات المتحدة، وهو محرر الشئون العسكرية والأمنية في مجلة الـ(نيويوركر)، وقد قام بالعديد من الخبطات الصحفية، وكان من بين أبرز تلك الخبطات الكشف عن وجود مخططاتٍ أمريكية لتوجيه ضربة عسكرية لإيران بسبب الخلاف النووي إلا أن الخبطة الأولى التي أظهرته إلى العالم كانت إظهاره في العام 1969م، تفاصيل مذبحة (ماي فاي) التي ارتكبتها القوات الأمريكية في فيتنام في مارس من العام 1968م، وقد استحق هيرش عن ذلك جائزة بوليتزر في العام 1970م؛ حيث كشف ملابسات المجزرة التي راح فيها مئات الفيتناميين المدنيين على يد القوات الأمريكية؛ مما كان له أكبر الأثر في تحريك الرأي العام الأمريكي ضد الحرب في فيتنام.
كما كشف هيرش فضيحة تورُّط روبرت ماكسويل مالك جريدة الـ(ديلي ميرور) البريطانية في تسليم العالم النووي الصهيوني المنشق موردخاي فانونو إلى الكيان الصهيوني عندما أصدر هيرش كتابًا في العام 1991م، بعنوان (الخيار شمشون) أوضح فيه أن ماكسويل كان له صلات مع مخابرات الكيان، كما كان نيكولاس ديفيز مسئول تحرير الشئون الخارجية في الجريدة متصلاً بجهاز المخابرات الصهيونية "الموساد"، وقد قام الاثنان بإرشاد الصهاينة عن مكان فانونو الذي كان قد أدلى بمعلوماتٍ عن البرنامج النووي العسكري الصهيوني للـ(صنداي ميرور).
جوانتنامو
يتضح من هذه الإشارة البسيطة أن هيرش هو "صاحب الخبطات الصحفية" الشهيرة والتي لا تقف عند حدود السياسة الأمريكية ولكنها تصل أيضًا إلى مختلف الشئون السياسية الأخرى حول العالم، وفي هذا الإطار يأتي كتاب (القيادة الأمريكيَّة العمياء.. الطريق من 11 أيلول إلى سجن أبو غريب) الذي يتناول فيه فضائح سجن "أبو غريب وتورط الأمريكيين والبريطانيين فيها".
لكن المشكلة في "أبو غريب" لم تكن وليدةَ اللحظة، وإنما كانت نتاجًا للعديد من الممارسات التي قامت بها الإدارة الأمريكية مدفوعةً بالرغبة في الانتقام من الحدث الذي هزَّ الكرامة الأمريكية، وهو أحداث 11 سبتمبر؛ حيث انطلقت الولايات المتحدة- وهي متأكدة- من أنَّ العالمَ كله سيدعمها في أي ردِّ فعلٍ تتخذه لردع مَن قاموا بتلك العمليات إلا أنَّ الإدارةَ الأمريكية بقيادة الرئيس جورج بوش الابن تمادت كثيرًا في الأمر؛ حيث اتخذت في جوانتنامو معتقلاً تُرسل إليه أسرى المواجهات التي تقع بين القوات الأمريكية الغازية لأفغانستان وبين عناصر القاعدة وحركة طالبان دون أن تُطلق عليهم أي مُسمَّى إلا "الأعداء"؛ مما حرمهم من كل الحقوق المدنية والإنسانية التي كفلتها الاتفاقات الدولية التي تنظم معاملة الأسرى.
وقد فتح ذلك الباب أمام كل الانتهاكات ضد هؤلاء المعتقلين دون أي رادعٍ من ضميرٍ أو قانونٍ، والمبرر الرئيسي هو الرغبة في انتزاع كلِّ المعلومات التي يحملها هؤلاء "الأعداء" لكي تصل إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. آي) ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي. آي. إيه) مع تبرير أية انتهاكات تحدث بأنهم ليسوا أسرى حرب.
ولما تزايدت الانتقادات المُوجَّهة إلى الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالانتهاكات داخل المعتقل وتحميل الرئيس الأمريكي المسئولية عنها كان رد بعض أفراد الإدارة أن بوش "لا يتحمل مسئولية هذا العمل الآثم"، إلا أن وقائع الأمور تشير إلى غير ذلك؛ حيث كان بوش قد قال في خطابٍ سري في فبراير من العام 2002م، "أعتقد أنه لا يمكن تطبيق أي من اتفاقياتِ جنيف في صراعنا مع القاعدة في أفغانستان أو أي مكانٍ آخر من العالم"، وبوش بهذا الخطاب يكون قد أعطى أمرًا بأن هؤلاء السجناء في جوانتنامو بلا أية حقوق على الإطلاق، وبالتالي فإن استباحتهم تكون مشروعة، والمحصلة النهائية تكون مسئولية بوش كرئيسٍ للدولة وكقائد أعلى للقوات المسلحة الأمريكية صريحة تمامًا عن كلِّ ما يقوم به الجنود الأمريكيون في جوانتنامو.
المستنقع الأمريكي
كان جوانتنامو النموذج الأبرز على تردي السياسة الأمريكية في مستنقعٍ بلا نهاية، وقد استمرَّ تسلسل الأخطاء ليصل إلى طريقةِ اتخاذ القرار في الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالحرب على العراق؛ حيث كانت هناك خلافات حادة بين أقطاب الإدارة حول الطريقة التي يجب أن يتم بها التعامل مع العراق إلا أن الجناح المتشدد في المحافظين الجدد كان هو الأعلى صوتًا، وبالتالي أصبح هو الأكثر تأثيرًا، وكان يمثله ريتشارد بيرل أحد أكبر رموز العنصريَّة في عصر المحافظين الجُدد، وكان هذا هو الخطأ الأكبر.
فلم ينظر هذا الجناح إلى واقع جهاز المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) بعد الحرب الباردة؛ حيث ترهل الجهاز وضربت البيروقراطية فيه، كما قام بالاستغناء عن العديد من جواسيسه العاملين، فيما وراء البحار؛ مما أدَّى إلى أن تصبح المخابرات الأمريكية كـ"البطة العرجاء"، وهو التعبير الأمريكي المستخدم للدلالة على العجز الكامل، وبالتالي جاء الغزو الأمريكي غير مؤسس على معلومات استخباريَّة ذات مصداقية؛ مما قاد إلى المستنقع الأمريكي في العراق، وهو ما قاد إلى التورط في فضيحة أبو غريب.
وتتمحور أخطاء دولة المخابرات الأمريكيَّة في هذا الملف حول أمرين؛ وهما:
1- ارتباط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بتنظيم القاعدة، وقدَّمَت وكالات المخابرات الأمريكيَّة المختلفة أدلةً زائفةً أو مضلِّلةً كان مصدرها في الغالب المعارضة العراقيَّة في الخارج التي سعت لكسب ودِّ الولايات المتحدة ولو على حساب وطنها على أنَّ هناك لقاءاتٍ عُقدت بين صدام وكبار رموز استخباراته ومعاونيه مع كبار قادة تنظيم القاعدة في لندن وعواصم أخرى، وهو ما أثبتت تقارير أمريكيَّة رسميَّة عدم صحته.
2- امتلاك عراق- صدام حسين لبرنامج تطوير صواريخ وأسلحة دمار شامل؛ نووية وكيماوية وبيولوجيَّة، وزعمت التَّقارير الاستخباريَّة الأمريكيَّة أنَّ العراق يشتري اليورانيوم من النيجر ويعمل على تطوير قنابل نووية باستخدام يورانيوم عالي التخصيب في مركز التويثة النووي في بغداد، وهو ما ثبت أنَّه أمرٌ كاذب، وقال وزير الخارجيَّة الأمريكيَّة السابق كولن باول ذلك قبيل تركه لمهام منصبه، وأكَّد اعترافه هذا تقرير ديفيد كيلي رئيس اللجنة الأمريكية الخاصة التي تولَّت التحقيق في برامج أسلحة الدمار الشامل العراقيَّة، وكانت رموز المعارضة العراقيَّة المتهمين بالفساد والعمالة؛ مثل أحمد الجلبي زعيم حزب المؤتمر العراقي هم مصدر هذه المعلومات المزيفة أيضًا.
والمضحك أنَّ السبب الرئيسي للحرب على العراق في العام 2003م، كان تقارير ملفقة تحدثت عن قدرة صدام حسين على تحريك منصات صواريخه المفترضة لضرب الأراضي الصهيونيَّة أو الأهداف الأمريكيَّة والبريطانيَّة في المنطقة في غضون 45 دقيقةً من إعطاء الأمر بذلك للقوات المسلحة العراقيَّة.
ولعل في الفضائح الراهنة المتفجرة بحق الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن في صدد قضايا مثل قضيَّة فاليري بلام التي تورَّط فيها نائبه ريتشارد تشيني أكبر دليلٍ على أنَّ الأمريكيين قد تورطوا في حرب العراق بناءً على نوايا شريرة بالفعل لفقت لأجلها الإدارة الأمريكيَّة أدلةً زائفةً، في سلوكٍ فاسدٍ لا يمكن بحالٍ من الأحوال أنْ يكون سلوك دولة محترمة، بل هو سلوك مجموعة من عصابات الفساد.
أبو غريب
كلاب.. أقنعة سوداء.. أحذية ثقيلة.. هذه هي رموز عصر الحريَّة والديمقراطيَّة الأمريكي الجديد في العراق، وهو ما كشفت عنه فضائح التعذيب التي تجري بشكلٍ منتظمٍ في سجون العصر الأمريكي الجديد هناك، ولعل أبو غريب هو نموذجٌ لما يجري وليس ما يجري فيه من انتهاكٍ منظمٍ لحقوق الإنسان هو فقط كل ما يجري على أيدي مرتزقة الجيش الأمريكي في العراق.
والمشكلة ليست فيما يجري من جرائم يتم خلالها انتهاك الأعراض أو القتل أو التعذيب بصورةٍ لا يمكن حتى أنْ تتم مع الحيوانات داخل المجتمع الأمريكي، ولكن المشكلة في الجانب النفسي والسِّياسي والإعلامي الذي تمثِّلُه هذه الجرائم؛ فهناك آراء طُرحت قالت إنَّ الأمريكيين أنفسهم هم من وراء تسريب صور التعذيب في أبو غريب، ربَّما لتخويف العرب والمسلمين أو لإذلالهم، أو لتحقيقِ الهدفَيْن معًا؛ بحيث تنكسر أي إرادة مقاومة لدى الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة، أو كإنذارٍ لأي حاكمٍ أو شعب في العالم العربي والإسلامي تسوِّل له نفسه مقاومة المشروع الأمريكي في المنطقة.
تحالفات قذرة
هيرش لم يقتصر في كشفه للملفات الأمريكيَّة السوداء على انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب في أفغانستان والعراق بل عَمِدَ إلى فضح طبيعة التحالف الذي قام بين إدارة بوش الصغير وحكومة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قبل الحرب على أفغانستان وحتى الوقت الراهن بعد احتلال العراق، وهو تحالُف أسود بُنِيَ على أساس تلفيق الأدلة ضد صدام حسين، وكذلك استمرَّ في ممارسة أكاذيبه عبر فرض صورة أحادية الجانب حول الوضع في أفغانستان والعراق.
وربما كان الملف المأساوي الأهم في هذا هو ملف برنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي أدَّى التعنُّت الأمريكي- البريطاني في صدد ما يشمله من مواد تُصَدَّر إلى العراق إلى وفاة نصف مليون طفل عراقي!!، وعندما سُئلت وزيرة الخارجيَّة الأمريكيَّة السَّابقة مادلين أولبرايت عمَّا إذا كان الثمن المدفوع يوازي ثمن العقوبات المفروضة على العراق؛ قالت إنَّه يستحق!!
الملف الآخر الذي كشفه هيرش في كتابه هو ما يتعلَّق بالعلاقات الأمريكيَّة مع نظام الرئيس الباكستاني برويز مشرف الذي انضم للحرب الأمريكيَّة على أفغانستان بالرغمِ من معرفته بحقائق الأمور في هذا البلد المسلم منذ أيام الاحتلال السوفيتي لأفغانستان.
وكما كان مشرف هو "كلمة السر" الإقليميَّة في الحرب على أفغانستان حتى تمام احتلالها؛ كانت التحالفات الأمريكيَّة القذرة- كما سبق القول- في الأزمة العراقيَّة مع رموز الفساد في المعارضة العراقيَّة في الخارج، ما بين إياد علاوي الذي تولَّى منصب رئيس الوزراء في مرحلة ما بعد الغزو مباشرة، وصولاً إلى مرتزقة الحرب العراقيَّة- الإيرانيَّة السابقين من قادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بزعامة عبد العزيز الحكيم، مرورًا بأحمد الجلبي صاحب فضية الفساد المصرفي في الأردن!!
هذه هي الشخصيَّات التي تعاون معها الأمريكيون لكسر شوكة العراق وحذفه نهائيًّا من معادلة القوة في العالم العربي.
هذه التحالفات، أيضًا تمثِّل المشكلة الرئيسة فيها بالنسبة لأي عربي أو مسلم هي أنَّها في جانبٍ من جوانبها أحد الضمانات الرئيسيَّة للأمن القومي الصهيوني، ولشديد الأسف، أنَّها مستمرة!!
هذه بعض من ملامح صورة العصر الأمريكي الجديد التي نقلها بأمانةٍ كاملة الصحفي سيمور هيرش.