خلال العقود الثلاثة الماضية حاولت بعض القضايا أن تقارب بينها وبين القضية الفلسطينية أملاً في توحيد موقفها مع المواقف العربية، فقد حاولت بكتابة في مرحلةٍ معينةٍ وقبل أن تخبو جذوة مشكلة كشمير أن تقارب بين مشكلة كشمير وبين المشكلة الفلسطينية على أساس أن القضيتين ترتدان إلى شعبٍ محتل والمطلوب التضامن العربي مع باكستان، مثلما تتضامن باكستان مع العالم العربي لإزالة الاحتلال الهندي في كشمير والصهيوني للأراضي العربية، ولكن صداقة الهند للعالم العربي آنذاك دفعت العالم العربي إلى ترك مسافة مناسبة بين القضية الكشميرية والقضية الفلسطينية خاصةً أنه لا يخشى من ذلك انصراف باكستان عن مساندة القضية الفلسطينية؛ لأن أساس المساندة هو الإسلام والأقصى في قلب القضية، وتعلق الباكستانيين بالأقصى والإسلام يجعل موقفهم مبدئيًّا لا يعتمد على موقفٍ عربي معينٍ من كشمير، والعرب يبحثون عن كل كسبٍ دبلوماسي لقضيتهم.
في مرحلة أخرى كان القبارصة اليونانيون يقاربون بين الاحتلال التركي لقبرص والاحتلال الصهيوني يوم أن كانت اليونان تساند العرب وتركيا تساند الصهاينة، وقد حاولت تركيا أن تجعل الإسلام قاسمًا مشتركًا بين القضية الفلسطينية والأقلية التركية القبرصية وكلها محاولات لم تصمد طويلاً، وخلال كفاح الأفارقة في جنوب أفريقيا ضد نظام الأبارتيد كانت المقارنة واضحةً والارتباط عضويًّا بين البيض العنصريين فيها والصهاينة، مثلما كان التحالف مطلوبًا بين ضحايا النظامين العنصريين في جنوب إفريقيا وفي فلسطين، ولا يزال الأفارقة في جنوب إفريقيا يحفظون الجميل للفلسطينيين والعرب، وتشعر جنوب إفريقيا بعد الاستقلال ببالغ القلق من التمزق في الصف الفلسطيني، ووقف الرئيس مبيكي ضد الصهاينة وواشنطن ولا يزال يصرُّ على دعوة إسماعيل هنية بصفته من حماس إلى بلاده، كما تبدي جنوب إفريقيا حماسًا كبيرًا للقيام بدور في تسوية القضية الفلسطينية ولا تخفي نقدها الصريح للسلوك البربري الصهيوني.
ولكن أحدًا لم يحاول أن يقارب بين الدول الكردية في العراق والدولة الفلسطينية؛ لأن الأكراد كانوا يناوئون العرق العربي في العراق ويعلمون أن مساندتهم للقضية الفلسطينية كان في جزءٍ منه بسبب موقف العراق العام، وفي الجزء الآخر لاعتبارات دينية، ولكن بعد الغزو الأمريكي للعراق وتحالف الأكراد مع الغزاة الذين شجعوهم على الاستقلال الذاتي؛ تمهيدًا للاستقلال التام عن الدولة العراقية وفي إطار السياسة الأمريكية الهادفة إلى تمزيق العراق، فإن المراقب لا يستطيع أن يتجاهل علاقة الدولة الكردية بالدولة الفلسطينية، ليس على سبيل المقاربة هذه المرة، ولكن من وجهة نظر عربية وأمريكية، فمن الزاوية الأمريكية يعتبر تشجيع قيام دولة كردية جزءًا من تصور أمريكي أوسع يقوم على أساس رسم خريطة المنطقة بما يؤدي إلى إضعاف العراق وتمزيقها حتى لا تعود جزءًا من قوة العرب الشاملة ضد الكيان الصهيوني، ومن ناحيةٍ أخرى فإن الدولة الكردية سوف تكون شوكةً في خاصرة تركيا وإيران وسوريا بما يساعد واشنطن على إضافة الورقة الكردية إلى ملفات تعاملها مع هذه الدول، فضلاً عن أن قيام هذه الدولة في منطقة النفط العراقية الرئيسية سيمكنها من إحكام السيطرة على نفط العراق، ويقيم لها حليفًا يمكن الاستعانة به إذا ظهر في بغداد حكم يتردد في التعاون مع واشنطن.
يُضاف إلى ذلك أن الدولة الكردية ستكون حليفًا للكيان الصهيوني.. باعتبار هذا التحالف جزءًا من التصور الأمريكي الصهيوني لهذه الصفقة- لكل هذه الأسباب، فإن عوامل الدفع بالدولة الكردية تتعاظم رغم كل محاذير الصدام بين تركيا وإيران من ناحية، وهذه الدولة المقترحة من ناحية أخرى.
ونحن نظن أن الدولة قائمة بالفعل لا ينقصها سوى الإعلان والاعتراف الدولي، خاصةً أن كل مظاهر الاستقلال الداخلي مؤكدة وسلطات الدولة كلها قائمة بعلمها ونشيدها وفضائيتها ولغتها ونشيدها الوطني، بل إن رئيس العراق جلال الطالباني الكردي تحدث باسم العراق أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2006م باللغة الكردية، فإذا كان قيام الدولة الكردية على هذا النحو تعزيز للكيان الصهيوني من الزوايا التي أشرنا إليه، فإنها في الوقت نفسه انتقاص من الجسد العربي وإضعاف له في مواجهة "إسرائيل" وتفتيت لدولة رئيسية في العالم العربي لا أظن أن أي نظام عربي يمكن أن يقوم بغير العراق العربي الموحد بكل أعراقة وطوائفه.
ولا شك أن موقف واشنطن من الدولة الفلسطينية هو النقيض تمامًا لمواقفها من الدولة الكردية بسبب واضح وهو أن تعويق قيام الدولة الفلسطينية هو تمكين للمشروع الصهيوني في فلسطين وإضعاف للجسد العربي، فإذا أضفنا الدولة الكردية إلى تعثر الدولة الفلسطينية اتضح أن الوعد بقيام دولة فلسطينية ملهاة للعالم العربي، أما السعي الحثيث لإقامة الدولة الكردية، فإنه لا يستقيم لدى أمريكا و"إسرائيل" مع إقامة دولة فلسطينية، ونحن لا نستبعد أن يعترف العرب تحت الضغط الأمريكي بالدولة الكردية، بينما تتأرجح الدولة الفلسطينية في ظلال أوهام السلام الأمريكي والإلحاح العربي عليها- يزداد خفوتًا وتراجعًا خاصةً مع نجاح خطة تفجير الساحة الفلسطينية من الداخل، والنتيجة هي إسراع الخطى لإقامة الدولة الكردية، وتراجع الوعود والجهود لإقامة الدولة الفلسطينية وإفساح المجال أمام خطة الإبادة والاستيلاء على كل فلسطين، وكلاهما: تقدم الدولة الكردية وتراجع الدولة الفلسطينية انعكاس لتردي أوضاع العالم العربي، ولكن هذا التردي يرجع في أهم أسبابه إلى سياسة الهيمنة والإذلال الأمريكية للعالم العربي، ونحن لا نرى سببًا واحدًا لخضوع العالم العربي لهذه الإملاءات الأمريكية المعادية للمصالح العربية، ولذلك يجب على العالم العربي أن يستدرك الخطر فيقاوم قيام الدولة الكردية حتى بالتضامن مع تركيا وإيران، وأن يسعى إلى إقامة دولة قوية في العراق تضم كل العراقيين حتى لو تعارض ذلك مع الرغبات التركية والإيرانية، التي تريد دولة ضعيفة في العراق فيستعيد بذلك بلدًا عربيًّا كبيرًا إلى الحظيرة العربية ويحرم الكيان من استغلال موت العراق بتحالفها مع الأكراد، هذا المدخل يمكن أن يضيف كثيرًا إلى الجهود العربية الرامية إلى تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية ثم توفير المناخ المناسب لتحقيق حلم الدولة الفلسطينية.
ورغم تدهور الإرادة العربية وارتهانها وحالة الاستسلام العربي لقدر لا يرحم الضعفاء، فإن الأمل كبير في الحفاظ على العراق الموحد، وعلى إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وأخشى أن يعمل العرب بأيديهم على الإضرار بمصالحهم إذا استكانوا للإملاء الأمريكي بالاعتراف بالدولة الكردية التي حذرنا في كل المناسبات من تقدمها بهدوء وثبات مدروسين صوب الاستقلال عن العراق، وأسقطوا بحكم اليأس والضغوط من حساباتهم حلم الدولة الفلسطينية على أي حدودٍ بعد أن أصبح اشتراط حدود معينة ترفًا لا تحتمله أوضاع العالم العربي وفلسطين.
وخلاصة القول إنه في الوقت الذي ترفع فيه واشنطن أسهم الدولة الكردية غير المشروعة والتي تقوم على جثة العراق الموحد، تمامًا كما تدفع كوسوفو نحو الاستقلال عن صربيا، أن واشنطن هي نفسها التي تخدر الشعب الفلسطيني بأوهام الدولة الفلسطينية وتعوق عمليًّا قيام هذه الدولة، ومن الواضح أن واشنطن بذلك في العراق وفلسطين تنتهك القانون الدولي فتفعل في العراق ما يجب الكف عنه، وتمنع في فلسطين ما لا يجوز منعه، ولا شك أن الحق في تقرير المصير مقرر لكل شعب على أرضه وهو ما يستبعد بداهة الحق المزعوم للشعب اليهودي المزعوم، ولكن حق الشعب الكردي في تقرير المصير ينتهك عددًا من القانون الدولي الأخرى وأهمها السلامة الإقليمية للدولة ووحدة أراضيها.
أما من الناحية السياسية فإن قيام دولة كردية في العراق يؤدي إلى توسيع حدود هذه الدولة على حساب الدول المجاورة، مما يؤدي في الواقع إلى تهديد الاستقرار والسلام في هذه المنطقة.