كنت أشاهد اجتماعًا لقادة السلطة الفلسطينية في إحدى فترات الصراع الساخنة، وأدور بعيني- كعادتي وبحكم مهنتي- أحاول قراءة الأوضاع على وجوه المجتمعين تلك القراءة التي تعطي انطباعاتٍ أصدق بعيدًا عن التصريحات الدبلوماسية سابقة التجهيز، وفجأةً توقفت عند أحد الوجوه مستغربًا ومندهشًا: ماذا جاء به إلى هنا؟ ومَن الذي وضعه بينهم: ومع مَن جاء؟
ربما جاء مع والده أو أخيه الأكبر!! ومَن الذي قام على تسريحة شعره بهذا الإتقان؟ وأي أنواع الشامبو يستعمل حتى يصبح شعره بهذه النعومة واللمعان؟ وأي بلسمٍ يُضيفه على الشامبو كي يصل إلى هذه الدرجة الفائقة التي يفتقدها نجوم السينما؟ وأي مركز تجميل يرتاده لكي يحافظ له على نعومة بشرته. وأي كوافير استطاع ببراعته أن يقوم بهذه التسريحة التي يميل فيها الشعر بتموجٍ ودلالٍ على وجه حمادة دحلان وهو يجلس بين المناضلين على يمين أبو عمار كل هذه التساؤلات ظلت تطاردني وأنا أحاول أن أقنع نفسي بأنه يمكن أن يكون الإنسان مناضلاً ووسيمًا وشيكًا وصاحب قُصة (بضم القاف)، ولكن نفسي لا تطاوعني وحدسي يقول لي بأن هناك شيئًا ما في هذه القِصة (بكسر القاف).
واستمرت هذه التساؤلات وهذه الصراعات في نفسي إلى أن حانت لحظة الزلزال وهي حين علمت أن محمد دحلان هو المسئول الأمني الأول في السلطة الفلسطينية (يا خبر أسود ومنيل وكمان مسئول الأمن وبقُصة (بضم القاف) وشعر ناعم متمايل وبيهفهف، قد كان يمكن أن أتفهم القِصة (بكسر القاف) كما يقول سياسيونا حين نضرب على قفانا وعلى مؤخراتنا) أن يكون دحلان مسئولاً عن الثقافة والإعلام مثلاً أو مسئولاً عن السياحة أو مسئولاً عن أي شيء إلا الأمن، ولكن عاودني هاجس مضاد، ولماذا نفترض في رجل الأمن الشدة والصرامة والغلظة، أليس من الممكن أن يكون شخصًا رقيقًا ذا قُصة (بضم القاف) وذا تسريحة مائلة مميلة (أستغفر الله العظيم)، وساعتها سيكون تعامله مع الشعب الفلسطيني رقيقًا وناعمًا، خاصةً أن هذا الشعب المسكين يعاني من غلظة الأمن الإسرائيلي، ولهذا يحتاج أمنًا وطنيًّا ذا تسريحة شعر ناعمة ومتموجة.
وهنا استوقفتني كلمتي "ناعمة ومتموجة"، ورُحت أمارس عادتي المرزولة في الربط بين المظهر والمخبر (قد يتفقان وقد يتضادان في ظروف بعينها)، وأؤيد ذلك بمعلوماتي عن التواصل وأدواته اللفظية وغير اللفظية ودلالات تسريحة الشعر وطريقة الكلام وطريقة الجلسة على شخصية الإنسان، وعندئذٍ وجدتني ازداد قلقًا وتوجسًا تجاه حمادة دحلان.
ثم ازدادت الأمور توترًا على الساحة الفلسطينية وتم تفكيك جهاز الأمن الفلسطيني ومحاصرة عرفات في المقاطعة في الضفة الغربية، وكان التوتر باديًا على وجوه الجميع إلا وجه واحد احتفظ بنعومته وشياكته وتسريحته وتموجات شعره ونعومته، وهنا عُدت أتساءل من أين يأتي حمادة دحلان بالشامبو والبلسم والكوافير ومركز التجميل في هذه الظروف الصعبة؟ وقلتُ في نفسي ربما لأنه مناضل يستطيع أن يتغلب على الصعاب ويحصل على ما يريد من خلال رجاله الذين تناثروا في البلاد واندسوا بين العباد!! وعاودني سؤال آخر:
كيف يحتفظ هذا الفتى بالذات بهدوئه وابتسامته في مثل تلك الظروف؟؟ وعرفتُ فيما بعد أنه كان مبعوث السلطة الفلسطينية لدى السلطات الإسرائيلية، وأن ذلك كان يتيح له فرصة التنعم في الفنادق الإسرائيلية في حين يعيش غيره من المناضلين الفلسطينيين تحت الحصار الخانق والمرير هل يرجع ذلك إلى ذكائه الاستثنائي وقدراته البارعة في المناورة أم أن ذلك من دعاء الوالدين الذي يجعله محفوظًا ومدللاً من الجميع وفي كل الظروف، اللهم لا حسد!!
وأخيرًا.. قلتُ في نفسي سيبك من موضوع تسريحته ونعومة شعره المنسدل على وجهه في دلالٍ وتموجاته الحالمة الهائمة التي تسافر في كل الدنيا وركز على تكشيراته وابتساماته وربما آهاته، وبدأت الخطة الجديدة ويا ليتها ما بدأت فقد اكتشفت بسهولة كم يكون حمادة مبتسمًا ومنتعشًا.
![]() |
