د. حامد أنور

يهلِّل العلمانيون للثورة الفرنسية ويقدمونها على أنها صوت الحرية الذي دكَّ عروش وقيود الفكر المنغلق، رغم أن هذه الثورة أبادت أربعين ألفًا من أبناء الشعب الفرنسي على يد إخوة الوطن والدم، فهي لم تكن ثورةً بيضاء ناصعةَ البياض، بل كانت ثورةً دمويةً مقزّزة، إلا أنهم يتغاضون عن ذلك كله ما دامت أيديهم الآثمة هي الفاعل لهذا الإجرام.

 

وعندما قام محمد علي- والذي يراه العلمانيون مؤسس مصر الحديثة ونموذج التنوير الأول وربما الأوحد في تاريخ مصر المعاصر- عندما ارتكب جريمة مذبحة المماليك لا يرى العلمانيون في ذلك أيَّ جريرة أو عيب، ربما يرونها ذكاءً سياسيًّا وألمعيةً عقليةً غير مسبوقة.

 

أما حينما حرَّرت حماس غزة من الخونة والعملاء، الطابور الخامس، عين الاحتلال وأداته لإفشال المشروع الجهادي المتصاعد، أخذ العلمانيون يبكون ويتباكون، ويذرفون دموع التماسيح، والتي تستحيي من أفعالهم المنكرة، ولعل التماسيح تشعر بالمهانة حين نشبِّه أولئك النائحين بها، أخذوا يبكون على الوطن والوطنية والأخوَّة تحت العَلَم الفلسطيني الذي أُنزل، وأخذوا يشقُّون الجيوب ويلطمون الخدود على أعداء الشعب الذي لفظهم قبل غيرهم، وإلا فكيف ينتهي مصيرهم هكذا في ثلاثة أيام؟!

 

الطريف أن السيد عباس نصَّبَ نفسه مفتيًا حين قال عن المجاهدين إن الدين منهم براءٌ، ثم يتهمهم بعد ذلك بأنهم تكفيريون، ويبدو أن السيد عباس لم يسمع عما يُسمَّى في الدين- الذي يتباكَى عليه- ما يُعرف بـ(حدِّ الحرابة)، يطبَّق على الذين يسعَون في الأرض فسادًا.

 

لقد كان المفروض على الانقلابيين أدعياء النضال في (فتح) أن يخوضوا هم هذه المعركة نيابةً عن حماس، وأن يقطعوا جذور أبناء الأفاعي الذين اندسُّوا وسط صفوفهم، وأن يغسلوا عن أنفسهم عار الخيانة التي قد تلحق بهم جرَّاء انتساب هؤلاء إليهم، والذين هم كفيلون بتشويه سمعة قارَّة بأكملها، فضلاً عن شعبٍ صغيرٍ محاصَر، لا أن يساندوهم ويخرجوا إلى الفضائيات مدافعين عن إجرامهم ويسعوا لتشويه حركة حماس.

 

كان لزامًا على حركة فتح أن تستمد دعمها وشرعية وجودها من الشعب الفلسطيني، وأن تكتبه بمداد الدم والتضحية من أجل التصدي لليهود والصليبيين في المنطقة، لا أن تتخذ منهم أولياء تستقوي بهم على إخوة الدين والوطن، وهل الدين الذي تباكَى عليه السيد عباس يأمره بذلك؟ ثم لماذا لا يوفِّر السيد عباس على نفسه مشقَّةَ العناء والانشقاق الفلسطيني ويقوم بتحكيم هذا الدين والاحتكام إليه ويكون موحّدًا للفلسطينيين تحت راية واحدة  بدلاً من رايتين ما دام حريصًا على الدين هكذا، وعلى سماحته التي شوَّهتها أيدي حماس.

 

ثم لتنظر إلى أولئك المرتزقة في الإعلام، والذين يسوُّون بين الجاني والمجني عليه.. بين الجلاَّد وضحيته.. بين الطابور الخامس ومن يتصدَّى له، فيهاجمون الاثنين معًا، فما لهم كيف يحكمون؟ وإلى أيّ منطق يستندون؟ إلى متى يتم خلط الأوراق هكذا والتعمُّد في تلبيس الأمر على الناس والعوامّ؟ فهل هؤلاء القوم حقًّا لا يفقهون حديثًا؟ أم أنها سياسة إعلامية مدروسة والأحداث التي اشتعلت مؤخرًا في غزة أتت كما تشتهي قلوبهم المريضة، فخرجوا يصطادون كعادتهم في هذه العكارة الفتحاوية؟!!

 

لقد أظهرت أحداث غزة الأخيرة السياسة الإعلامية العلمانية على حقيقتها، أسقطت الأقنعة عن كذبها المفضوح المتعمّد، وعرَّتها وهي لا تستند إلى العقل والحكمة، بل تغلب عليها أهواءٌ مريضةٌ وأفكارٌ غيرُ سليمة من أجل بقاء الوضع على ما هو عليه، والوقوف بجانب المشروع الصليبي اليهودي العالمي في الحملة الجديدة، فجرائم العلمانيين بحق أبناء الوطن أكبر من أن تُعدّ وتحصَى.

--------

*