فهمي هويدي

إذا أردنا أن نخرج سالمين من الزلزال الذي شهدته غزة, فينبغي أن نُنحي الانفعال جانبًا, وأن نتخلَّص من الأوهام والأساطير التي راجت حول ما جرى؛ لأن الخطأ في التشخيص يمكن أن يرتب أخطاءً في العلاج, قد تستدعي زلزالاً آخر لم يخطر على البال.
(1)
من مفارقات المشهد وسخريات الأقدار أن الزلزال فاجأ كل القريبين منه, بينما لم يستغربه البعيدون عنه.. فقد أدلى الجنرال كيت دايتون مسئول الاتصال العسكري المقيم في تل أبيب بشهادة أمام لجنة الشرق الأوسط في الكونجرس الأمريكي, في شهر مايو الماضي، وتحدث فيها عن انفجارٍ قريبٍ للأوضاع في غزة.
وعن دور الإدارة الأمريكية في تعزيز وتسليح القوى الأمنية في مواجهة القوة التنفيذية التي أنشأتها حماس لضبط النظام في القطاع, وهذا الذي قاله الجنرال دايتون لم يختلف كثيرًا عمَّا تضمنه التقرير السري الذي قُدِّم إلى الأمين العام للأمم المتحدة من نائبه, ومبعوثه إلى الشرق الأوسط الفارودي سوتو.
وقد تسرَّب محتوى التقرير إلى صحيفة الجارديان البريطانية التي نشرت بعض مقتطفاته في عدد 6/20, وهو ما فعلته أيضًا صحيفة "ها آرتس" الإسرائيلية في عدد 6/19, وفيه قال صراحةً إن الإدارة الأمريكية عملت منذ البداية, بالتواطؤ مع بعض عناصر السلطة على إسقاط الحكومة الفلسطينية التي تشكَّلت بعد الانتخابات التشريعية بأي ثمن, حتى إذا كان الثمن حربًا أهليةً داميةً، وأضاف المبعوث الدولي أنه كان من الممكن تشكيل حكومة وحدة وطنية عقب الانتخابات, لولا أن الولايات المتحدة دفعت الرباعية إلى وضع شروطٍ مستحيلةٍ للاعتراف بها, فضلاً عن أنها عارضت مبدأ تشكيل حكومة من ذلك القبيل.
وأشار الرجل إلى أنه خلال اجتماع اللجنة الرباعية الذي عُقد قبل أسبوعٍ من لقاء مكة, حين كانت المواجهات على أشدها بين حركتَي فتح وحماس, فإن المندوب الأمريكي في الرباعية قال مرتين في الاجتماع: "إنني أحب ذلك العنف؛ لأنه يعني أن ثمة فلسطينيين يقاومون حكومة حماس".
لا أريد أن أستطرد في عرض الشهادات المحايدة والوثائق التي سلَّطت الضوءَ على العناصر الأساسية في خلفية ما جرى في غزة, إلا أنني أُنبه مجددًا إلى حقيقتين غيبهما خطابنا السياسي والإعلامي, الأولى أن الأصابع الأمريكية التي تحركها المصالح الإسرائيلية, سعت جاهدةً إلى تفجير الوضع في غزة منذ ظهرت نتائج الانتخابات التشريعية في بدايات العام الماضي, الحقيقة الثانية أن الحكومة التي تشكَّلت عقب الانتخابات كانت لها مصلحة في تهدئة الأوضاع في القطاع, على الأقل لكي تنجح في مهمتها؛ لذلك فإنها عملت طوال الوقت على إبطال مفعول محاولات التفجير التي تمثَّلت في استمرار إشاعة الفوضى والفلتان الأمني.
(2)
الالتباس في قراءة وفهم ما جرى قبل الأحداث استمر بعدها بنفس الوتيرة تحت عناوين عدة، وكانت حكاية الإمارة الإسلامية في غزة من بين تلك العناوين؛ ذلك أن القراءة الموضوعية والمتأنية لما حدث في القطاع تشير إلى أن المشهد حركته أجندة أمنية بامتياز, ولم تكن وراءه أي أجندة سياسية, على العكس تمامًا من الأسطورة التي يروج لها الإعلام الآن؛ ذلك أن خبرة 15 شهرًا أقنعت الحكومة بأنه طالما بقيت الأجهزة الأمنية خارجةً عن السيطرة, وتؤدي دورها في إثارة البلبلة والفوضي.
فإنها لن تستطيع أن تنجز شيئًا على الأرض, وحين لم تُسفر استقالة ثلاثة وزراء للداخلية لهذا السبب عن إحراز أي تقدمٍ إيجابي يخدم التعاون بين تلك الأجهزة والحكومة, فإن رئيسها السيد إسماعيل هنية قدَّم مشروعًا من ثماني نقاط لإعادة هيكلة تلك الأجهزة, وإخضاعها لسلطة الحكومة الش