لم تعُد مؤشراتُ وملامحُ الفشل السياسي لمؤسسة الرئاسة الفلسطينية- الواجهة السياسية لكبرى فصائل منظمة التحرير- موضعَ نقاش بين كثير من الخبراء والمحللين، بل وغالبية الجمهور العام المراقب.

 

فالناظر لعدد ومضمون المراسيم والفرمانات الرئاسية- التي تجاوزَ عددُها خلال فترة وجيزة ما صدر في عمر السلطة منذ نشوئها- يدرك حجمَ الإرباك الحقيقي الذي تعانيه المؤسسة، وسط غياب واضحٍ للحنكة السياسية والتحرك الذكي الذي أوصل كرسي الرئاسة لحالة من التقزُّم، دفعته لأن يكون أداةً طيِّعةً بيد فئة باتت غيرَ مرغوب بها حتى على الصعيد الداخلي الفتحاوي.

 

ولعل الارتدادات السياسية التي أعقبت تصريحات القيادي في اللجنة المركزية هاني الحسن- والتي شنَّ فيها هجومًا لاذعًا على ما وصفه بـ"تيار دايتون الدحلاني"- توضح بما لا يدع مجالاً للشكِّ حجم الغليان والانقسام داخل حركة فتح ومؤسسة الرئاسة التابعة لها، بصورة لم يعُد معها الترميم الإعلامي لمجريات ما يحدث مجديًا لتلطيف حالة الانشطار التي باتت ككرة الثلج.

 

إلا أن فشل مؤسسة الرئاسة السياسي لا يعني أننا أمام انهيارٍ وشيكٍ للسلطة، بقدر ما نحن أمام واقعٍ يتحدث عن بداياتٍ جادَّةٍ لانهيارٍ فعليٍّ لمربع رجالات الحرس القديم التي تقودها على الأقل؛ مما يُنبئ بتحوُّل جذري على كافة الصُّعُد التنظيمية سيدفع حال فورانه إلى وقف حالة الانهيار التنظيمي والسياسي التي تفاقمت داخل الأُطُر الفتحاوية بعد نجاح حماس بانتخابات المجلس التشريعي، وبترها مؤخرًا للذراع الأمنية الضاربة لما يوصف بـ"التيار الخياني" في غزة.

 

والناظر لوضع حركة فتح الداخلي بعد انشقاق تيار خالد أبو هلال في غزة وتصريحات هاني الحسن القاسية بحقِّ رموز أمنية وسياسية كبيرة- إضافةً إلى انتقادات القيادي العتيق فاروق القدومي لمراسيم الرئاسة وتنحية قادة أمنيين كبار- يدرك أننا بانتظار متوالية انهيار أو انشقاق كبير داخل فتح، منها ما هو مرئيٌّ يمكن التقاطه بوضوحٍ شديدٍ، ومنها ما يحتاج إلى الولوج إلى ما وراء الأخبار العابرة للإمساك بها واستنطاق دلالاتها وأبعادها من بين سطور القرارات والتحركات والتصريحات.

 

إن الحديث عن وجود تصدُّعات داخل حركة فتح ومؤسسة السلطة متشعِّب ومتعدِّد المستويات، لكنَّ المثال الواضح والصارخ هو التمرُّد العلني للقيادات على بعضها، وذوبان هياكل السلطة ومؤسساتها، وعجزها الكامل عن مواجهة التحديات والأزمات والأسئلة المطروحة عليها، فواقع مؤسسة الرئاسة الآن بات عاجزًا عن إكمال مهمتها الرئيسة، في حين يقتصر دورها الحالي على ترحيل الانهيارات والأزمات للقادم المجهول.

 

إن المطلوب من مؤسسة الرئاسة الآن تغيير أدوات التعامل مع الواقع الفلسطيني بعد أحداث غزة والعمل على إحداث تغييرات بنيوية جوهرية في أسلوب التعاطي مع القوى الفلسطينية الأخرى، بما فيها حركة فتح، وإلا فإن التغيير سيأخذ صورةً قد تكون "عنيفةً" من جهة الفصائل و"انقلابية" من جهة حركة فتح نفسها؛ مما يجعل من تداعيات التغيير ونتائجه أسوأَ على النخب المسيطرة قبل أن تكون على الواقع الفلسطيني.

--------

* كاتب ومحلل فلسطيني.