كانت ملامح الغيظ بارزةً على قسمات وجه مساعد الرئيس الفلسطيني ياسر عبد ربه وهو يحاول جاهدًا وضْعَ العِصِيّ في طريق طوفان الإعلام الذي امتدح نجاح حماس بالإفراج عن مراسل "بي بي سي" في غزة آلان جونستون صباح الأربعاء.

 

عبد ربه الذي أفاق مسرعًا لتقديم رؤية "مقعَّرة" لتفاصيل عملية الإفراج لم تُسعِفْه التراكيب اللغوية لتقديم "وجبة تشويه مهضومة" في وصْف ما جرى غير وصفها بكونها "مسرحية"، قائلاً إن حركة حماس "سبق وكانت على صلة بجيش الإسلام"، ووصف هذه العلاقة بـ"الاختلاف بين السارقين"!!

 

اندفاع عبد ربه له وجهٌ آخر إيجابي خدم حركة حماس، تمثَّل في إدراك الرئاسة وحرسها القديم الثمن الغالي والكبير لورقة الإفراج عن جونستون، محليًّا وعربيًّا وعالميًّا، فسارعوا عبر مختلف الوسائل لتشويه وإجهاض الحدث الذي تجاوز رئاسة السلطة، بل وأجبرها على تقديم التهنئة رغم مرارة التصريح.

 

ويمكن إجمال مكتسبات وانعكاسات عملية الإفراج عن جونستون وأثرها على حماس في النقاط التالية:

أولاً: حماس بتحريرها جونستون أعطت رسالةً للعالم أنها الأقدر على حفظ الأمن وفرضه على كامل مساحة القطاع، وأنها الجهة الوحيدة القادرة على حل العُقَد الأمنية المستعصية التي فشلت فيها كيانات السلطة الأمنية، وعلى رأسها عُقدة تحرير جونستون، وهي العقدة التي استعصت على جميع لافتات الأجهزة الأمنية السابقة التي كانت تضمُّ أكثر من 13 ألف عسكري، ومن ورائها تيار فتح المدني بكل تشكيلاته وأطره التنظيمية والحركية المسلحة.

 

ثانيًا: تحرير جونستون منَح حماس عالميًّا ورقةَ براءة فعلية من تهمة الإرهاب المقرونة بخطف الرهائن وجزّ رؤوسهم والتباهي بها عبْر شاشات الإعلام وشبكات الإنترنت.

 

ثالثًا: تحرير الصحفي جونستون كشَف للعالم سماحة الإسلام الذي تؤمن به حماس كمنهج حياة وسياسة واقع، والمتمثل بحفظ دم المستأمن، حتى وإن كان على غير دين الإسلام، بل وبذل الوسع في سبيل إطلاق سراحه.

 

رابعًا: تحرير جونستون أعطى للعالم وجهًا واقعيًّا كيف تفرِّق حماس بين المواطن العادي وسياسة بلده "المعادي"، فحماس لم تتعامل بمنطق التكسُّب السياسي مع الحكومة البريطانية ذات التاريخ القاتم مع حماس وحضورها وأيدلوجيتها في الصراع مع المحتل، بل ترفَّعت عن أسلوب الابتزاز، وتركت للأخلاق العالية التي نادى بها الإسلام في التعامل مع الذمي أن تتقدَّم على المصالح، رغم حساسية ظرفها.

 

خامسًا: تحرير الصحفي دون إراقة دماء أعطى للمراقبين إشارةً بأن حماس تمتلك أوراقًا عدةً للنجاح وبسط الأمن غير الورقة العسكرية، فهي قادرةٌ على التفاوض ببراعة عند لزوم حاجته بذات حجم المقدرة عند لزوم غيره من الوسائل؛ ما يعطي انطباعًا عن مقدرة وديناميكية الحركة وتكيُّفها مع كل الظروف والمستجدات.

 

سادسًا: الإفراج عن جونستون سيولِّد لدى المواطن الغَزِّيِّ على وجه الخصوص قناعةً حقيقيةً بأنه أمام حركة قادرة على منْحِهِ نعمة الأمن واسترداد الحق والأخذ على يد الظالم ونصرة المظلوم، وهي النعم التي فُقدت منذ توقيع أوسلو عام 1993 (عام ولادة السلطة).

 

سابعًا: زادت حماس بنجاحها في ملف جونستون من إحراج الرئيس عباس وقيادات الحرس القديم في فتح، والتي نشطت مؤخرًا وما تزال في تقديم ما جرى في غزة على أنه انقلابٌ على الشرعية، فما حصل سيرفع من شعبية حماس ويزيد من أسهم الإعجاب بها على كل الصُّعُد، خصوصًا أنه سيدفع صوب التفكُّر بالنموذجَين الأمنيين في غزة.. "نموذج الفلتان الأمني" قبل سيطرة حماس.. ونموذج ما بعد سيطرتها على القطاع، وقد أثبت الأخير نجاحه على الأول بكل المقاييس.

 

ثامنًا: الإفراج عن جونستون سيخدم سمعة حماس لدى الأوساط الصحفية والإعلامية التي تنظر لعمليات قتل وخطف الصحفيين على أنه جريمة كبرى وكبيرة الكبائر، بوصفهم سفراء الخبر والمعلومة للناس، كما أنه يقدم حماس بوصفها الجهة القادرة على حماية حرية الرأي وحياة الصحفيين، بغض النظر عن تغطياتهم وتوجهاتهم ودرجة حيادهم.

 

تاسعًا وأخيرًا: ورقة جونستون ستزيد موقف حماس قوةً في أية جولة حوار قادمة، وستُقنع رعايا الحوار المرتقَب بأهمية الأخذ برؤية حماس الأمنية في أي بناءٍ مستقبليٍّ للأجهزة الأمنية ودورها.

--------

* كاتب ومحلل فلسطيني.