لعل أخطر ما دخل على الساحة العربية هو نجاح أعداء المنطقة العربية في تسهيل خلط الأوراق حتى ضاعت المعالم وارتبكت الإشارات واضطرت المؤشرات والاتجاهات.. حدث ذلك في العراق وفي لبنان ويحدث الآن بقسوة في فلسطين.. فقد تواترت الأجيال على أن كل عربي مسلمًا أو غير مسلم سندٌ للحقوق الفلسطينية بقطع النظر عن أن جزءًا من هذه الحقوق له سمعة دينية كما هو الحال في القدس التي تهم المسلمين والمسيحيين معًا، وبصرف النظر عن الطبيعة السياسية للصراع التي اتخذت مظاهر دينية أو ارتكزت أحيانًا على مزاعم دينية من جانب اليهود الصهاينة، فإن الصراعَ العربي الصهيوني ظل محل اهتمام الجميع، وحتى في إطار التقسيمات الدينية، لم يكن هناك خلاف بين المسيحيين والمسلمين باعتبار القضية تتعلق بالمبدأ والعدل وأفكاره على أصحاب الحق، وفي الإطار الإسلامي، فقد ناصر الإسلاميون القضية لسببين أولهما أنها تتعلق بالصراع على الأقصى والقدس بأكملها، وثانيها لأن القضيةَ في نظرهم صراع ديني بين المسلمين واليهود وليس فقط الصهاينة منهم (أي أتباع المشروع الصهيوني)، فهي عندهم استئناف للصراع القديم بين الرسول العربي صلى الله عليه وسلم وبين يهود المدينة المنورة في عصر النبوة.
أما العلمانيون القوميون واليساريون فقد ناصروا القضية إما من منطلق قومي أو من منطلق أخلاقي؛ ولذلك ضمت الحركة الوطنية الفلسطينية كل الأطياف السياسية والدينية ما دام رائدهم جميعًا تحرير فلسطين وإنصاف أهلها من الجور الصهيوني، لدرجة أن اليسار العالمي انحسر باللائمة على اليسار الصهيوني الذي قبل تنفيذ المشروع الصهيوني، وقف الفكر الماركسي ضد الحركة الصهيونية ليس باعتبارها حركة غاصبة لأراضي شعوب أخرى، ولكن لأنها تبلور فكرة القومية اليهودية التي تناقض متطلعات الفكر الماركسي، تمامًا كما رفضت العروبة ثم تصالحت معها بصفتها حركة تحرر وطني، والطريف في هذا السياق أن الاتحاد السوفيتي كان يؤيد جرائم العصابات الصهيونية، ولا يرى فيها سوى حركات مسلحة مناهضة لبريطانيا، وهي جزءٌ من معركة موسكو للتصدي للغرب.
من ناحيةٍ أخرى يبدو أن العالم بدأ يُسلِّم بأنَّ من حق اليهود التمسك بيهوديتهم وتطرفهم وأن ينظر بتعاطفٍ كبيرٍ إلى الجندي الصهيوني وهو يمسك بالتوراة ويتلو سطورها تبركًا وهو يستعد لاقتحام جنوب لبنان خلال العدوان الصهيوني الغاشم على لبنان صيف 2006م، ولكن نفس العالم لن يقبل من جنود حزب الله أن يفعل الشيء عينه مع القرآن الكريم.
ذلك أن العقل في العالم أصبح مُهيَّأً للربط الفوري المسبق بين أي رمزٍ ديني إسلامي أو سلوك إسلامي وبين الإرهاب، ووفق الصورة النمطية التي رسمها الصهاينة للعرب والمسلمين وبشكلٍ خاص بعد 11 سبتمبر تمامًا مثلما يسلم العالم بالمقولات الصهيونية عن الإسلام وجماعاته وحتى المتدينين غير المتطرفين، مثلما فعل في النظر إلى العمليات الاستشهادية التي جرَّدها من إطارها الوطني ضد محتل غاصب وألبسها ثوب الإدانة لأي تفسيرٍ ديني لهذه العمليات، وكان أخطرها استغلال حقائق القرآن الكريم والإسلام في نظرته إلى الدنيا إذا قُورنت بالآخرة لكي تخلص الرعاية الصهيونية إلى أن ثقافة احتقار الدنيا وتعظيم الآخرة دفعت الشباب المسلم إلى الفرار إلى آخرة مضمونة من دنيا موهومة عبر أعمال إرهابية حاقدة ضد اليهود؛ لأن الشاب المسلم المستحق بالدنيا يحسد اليهودي على حبه للدنيا وانغماسه في شهواتها، فاتجه إلى أقناعه حقدًا وغلاًّ من نعمة ورغبة، وجهادًا واحتسابًا في سبيل الجنة، أما في إطار الصراع الداخلي الفلسطيني فقد ظهر البعد الديني واضحًا للأسف وتم الخلط بين الحق المشروع والخط الصحيح وبين البعد الديني.
فقد عارض كل العلمانيين- إلا قليلاً- حماس، كما عارضها آخرون خاصةً في العالم العربي على أساس أنها جزءٌ من المد الأصولي، وركَّز معارضوها في مصر على أنها امتداد للإخوان المسلمين، فامتدت معارضتهم للإخوان المسلمين إلى حماس بالطبيعة، وليس معنى ذلك أن كل الذين أيَّدوا حماس هم من الإسلاميين أو الجماعات الإسلامية، فقد أيَّدها مسيحيون ومسلمون، ولم يكن سبب التأييد دينيًّا في معظم الحالات، وإنما نظر إليها على أنها حركة سياسية عربية لها مرجعية دينية.
من ناحيةٍ أخرى فإن كل الذين عارضوا حماس ليسوا معارضين لإيران وحزب الله، وليس كل مؤيدي حماس أنصارًا لإيران وحزب الله، فلكل ملفٍّ منها معطياته وعوامله المحددة للمواقف؛ فهناك مَن يؤيد حماس وحزب الله وإيران لمجرد أنهم يعارضون الكيان الصهيوني، كما أن هناك مَن يؤيد حماس لأن برنامج حماس يكافح الفساد ويسعى إلى التحرير في سياق المقاومة، رغم أن هؤلاء المؤيدين لا علاقةَ لهم بالدين.
وإذا انتقلنا إلى بعض التفاصيل في الشارع والحكومات العربية لوجدنا أن القوميين المعارضين لسلوك إيران في العراق يشعرون بالقلق من تنامي الدور الإيراني في العالم العربي ويخشون من تحالف إيران وأمريكا والكيان الصهيوني ضد العالم العربي، بينما بعض القوميين لا يعمِّمون الأحكام في الموقف الإيراني، فهم يدينون بمقياس المصلحة العربية ويشجِّعون بنفس المقياس، فيرون أن طهران تُلام على ضرب السنة في العراق، ولكنها تُشكَر على دعمها حماس وحزب الله في مواجهة العدو الصهيوني في وقت عزَّت فيه المساندة العربية والإسلامية، ولولاها لتمكَّن الصهاينة من غزو جنوب لبنان مرةً أخرى، ولتمكَّنت فتح من التواطؤ مع الصهاينة، حسب رواية حماس للقضاء على حماس.
أما الحكومات التي أيَّدت فتح فإن بعضها خَلَط بين شرعية الحكومة المؤقتة وشرعية أبو مازن الذي حرص هو نفسه في قمة شرم الشيخ على الخلط بينهما، بل إنه أدان حماس واتهمها بأنها منظمة إرهابية ظلامية وتوعَّد بسَحْقها، مطالبًا الجميعَ بدعمه عسكريًّا لهذا الغرض، ودعا إلى قوات دولية تقضي على حماس، وهو ما يُعَدُّ خطيئةً وطنيةً تخدم الكيان وتخليًا عن خط التحرير وانغماسًا أعمى في صراعٍ سياسي حزبي.
وقد ترتَّب على هذا الخلط أن بعض الحكومات مثل مصر على الأقل في مرحلة معينة في بداية سيطرة حماس على غزة قد اعتبرت مساندتها لأبي مازن مساندةً للشرعية ضد الانقلاب، وهي بذلك تريد أن تُرسي سابقةً، وهي عدم المساس بالنظم القائمة عن طريق القوة، كما نظرت إلى تعزيز قدرات أبو مازن على أنه عملٌ وطنيٌّ يهدف إلى إضعاف حماس التي تمتُّ بصلةٍ إلى الإخوان المسلمين، فتجاوز هذا الموقف خطوطًا حمراء كثيرة، أهمّا أن إضعاف حماس هو أيضًا هدف الكيان الذي ظن بذلك أنه يمكن التعاون بين مصر والكيان ضد حماس.
من بين الآثار الخطرة التي يؤديها هذا الموقف هو إضعاف حماس ليس فقط كخصمٍ سياسي لنظام صديق، ولكن لحركة مقاومة ضد الكيان؛ مما يلقَى الرضا من أبو مازن والصهاينة وأمريكا بضربة واحدة.
ولتبسيط التداخل بين القضايا الوطنية والتقسيمات الدينية في الصراع الفلسطيني يمكن أن نتصوَّر استفتاءً حول الموقف من فتح وحماس، فإذا سئل الناس لماذا يؤيدون حماس؟ وهل يؤيدونها في كل شيء؟ لكانت الإجابة كاشفةً عن أسباب عديدة:
- أولها أن حماس تناضل ضد العدو المحتل، وأنها كان يمكن أن تكون ورقةً من الأوراق الفلسطينية في السلام والحرب في بلد محتل مقهور بقوة الاحتلال وبطشه.
- السبب الثاني هو أن حماس تقوم على مرجعية إسلامية في مواجهة المرجعية التوراتية والطابع اليهودي العنصري للكيان الصهيوني، ولذلك فإن جهاد حماس عمل وطني بطولي وعمل جهادي في سبيل الله، شهيد الوطن وشهيد الدفاع عن العقيدة.
- السبب الثالث أن حماس تكافح على جبهتَين الأولى داخلية ضد فساد حكومات فتح، والثانية خارجية ضد الكيان، وفي إطار هذا السبب يمكن أن يجمع الرأي على تأييد حماس ما دامت تحارب الكيان، أي مساندة المقاومة، ولكن قد ينقسم الرأي عندما يتعلق الأمر بالصراع بين فتح وحماس إلى ثلاث شُعب: شعبة تؤيد حماس، والأخرى تؤيد فتح، والثالثة لا تؤيد أيًّا منهما لسبب انحدارهما إلى هوَّة تخرجهما من دائرة المقاومة إلى سفك دماء الفلسطينيين.
- السبب الرابع أن فتح هي التي حازت على ثقة الشعب الفلسطيني، وأنها لم تمنح الفرصة لإظهار سلوكها وأدائها وأنه تم محاصرتها منذ البداية.
- السبب الخامس أن الساحة السياسية ملك للجميع وفق قواعد اللعبة السياسية ولا يجوز اضطهاد حماس.
- السبب السادس هو أن حماس حركة نقية تريد أن تطهر السياسة كما طهرت المقاومة.
- السبب السابع هو أن فتح تآمرت ورغبة فتح في إبعاد حماس ألمحت فتح عن الفرق بين الوطنية والعمالة.
أما المعارضون لحماس فتقوم المعارضة على عدة أسس: أولها أن حماس منظمة دينية مقاوِمة، لا يجوز لها أن تدخل عالم السياسة، وثانيها هو أن حماس تُعيد تجربة الطالبان في فلسطين، وثالثها هو أن حماس متصلِّبة بالقدر الذي يعوق فرص التسوية، ورابعها هو أن حماس حازت ثقة الشعب الفلسطيني لكنَّ هذا الشعب يعاني بسبب قراره، وتستطيع حماس أن تنقذه بالتخلي عن السلطة، وخامسها أن فتح لها تاريخ في العمل الفدائي والسياسي حيث لا يمكن الجمع بينهما، وسادسها أن حماس لها مرجعية دينية؛ مما يجعل من الصعب انتعاش الديمقراطية القائمة على حرية الرأي والإبداع.