عندما اقترح رئيس السلطة الفلسطينية في الأسبوع الثالث من يونيو 2007م استدعاء قوات دولية تقف على الحدود بين مصر وقطاع غزة، كانت حماس قد استولت للتو على القطاع بعد صراعٍ مع قوات فتح وحرس الرئيس وسط توترات، أُشيع فيها أن رئيس السلطة يتلقى الأموال والأسلحة لتمكينه من قهر حماس وفق متطلبات "الشرعية الدولية" التي رسمت خطوطها اللجنة الرباعية الدولية.

 

وكان الاقتراح يبدو غريبًا في توقيته وفي الاشتباه في مغزاه ووظيفة هذه القوة، خاصة أن الفكرة تكررت في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي والأوروبي، مما ترك الانطباع قبل ساعاتٍ من قمة شرم الشيخ الرباعية يوم 25/6/2007م بأن هذه القوة ستقوم بالهجوم على حماس في غزة بمساندة "إسرائيل"، خاصةً أن الحديث عن هذه القوة تزامن مع رغبة "إسرائيل" المعلنة في مساعدة أبو مازن في إنهاء ما أسماه "التمرد والانقلاب العسكري على الشرعية".

 

ومعنى ذلك أن القوة الدولية والتي قد تضم عناصر من دول عربية سوف تقوم بالاستيلاء العسكري على غزة والقبض على زعماء حماس وإعادة الشرعية إلى هذه البقعة الانفصالية المتطرفة التي إن استمرَّت فسوف تفصل القطاع عن الضفة، وهو أمر تلحُّ عليه "إسرائيل".

 

ولو قُدِّر لهذه القوة أن تعمل تحت ستار هذه الشرعية الدولية الجديدة فإنها ستكون فصلاً جديدًا خطيرًا في السجل الأسود للقوة الدولية في مفهومها الحديث، ولهذا السبب رفضتها حماس بالطبع كما رفضتها مختلف الفصائل الفلسطينية، وهددت باستهدافها كقوة احتلال، مثلما انتقد الفكرة الزعماء التاريخيون لمنظمة التحرير وفي مقدمتهم هاني الحسن وفاروق القدومي ونايف حواتمة وغيرهم، مثلما رفضتها مصر ودول أخرى فتوارت الفكرة ولم تختفِ تمامًا، خاصةً بعد انقلاب الموقف المصري في شرم الشيخ، الذي لو استمرَّ على حرارته المعادية لحماس، لكانت قرارات شرم الشيخ قد تضمنت تشكيل هذه القوة بتأييدٍ من مجلس الأمن، وربما كانت القوة قد تشكَّلت من الدول الثلاث التي حضرت شرم الشيخ وهي: "إسرائيل" ومصر والأردن، ولكلٍّ مسوغاته وذرائعه القانونية والأمنية.

 

والحديث عن قوةٍ دوليةٍ في غزة ضد حماس يُثير الأسى ويلقى تجاوبًا واسعًا، على عكس المقترحات والمطالبات الملحة السابقة التي قدَّمها الجانب الفلسطيني عدة مرات إلى مجلس الأمن لاستقدام قوةٍ أو فريق مراقبين لمراقبة العدوان "الإسرائيلي" المتكرر على الشعب الفلسطيني، وقد وقفت واشنطن وأوروبا ضد هذه الفكرة، مما فُسِّر على أنه تشجيعٌ للعدوان "الإسرائيلي" المستمر وعزوف عن إنقاذ الشعب الفلسطيني؛ ولذلك فإن تحمس واشنطن وأوروبا لإنشاء قوة ضد حماس، وإن كان ظاهره قمع "الإرهاب والتمرد" وجلب الاستقرار والقانون والشرعية، إلا أن باطنه القضاء على ما تبقَّى من المقاومة "لإسرائيل" حتى تسوي "إسرائيل" المشكلة وفق المشروع الصهيوني.

 

فما هو الفرق أو الشبه بين القوة المقترحة لحماس والقوة الدولية في جنوب لبنان، التي تم توسيعها بموجب قرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006 والذي يعكس ثقل الظلم "الإسرائيلي" والأمريكي والجاهلية العربية، وحدد القرار مهمة القوة بحماية "إسرائيل" من "بطش" حزب الله والمساعدة في تمكين الدولة اللبنانية وحثها على السيطرة على جنوب لبنان الذي كان يسيطر عليه حزب الله، ثم المساعدة في نزع سلاح الحزب ما دام القرار قد اتهمه بالعدوان، وما دام القرار 1559 قد قرر وجوب نزع سلاحه بعد أن صُنِّف على أنه من الميليشيات، ولكن لظروفٍ خاصة بلبنان تجمدت هذه المهام ولكنها لا تزال مرسومةً للقوة التي يجب أن تحمي "إسرائيل"، لكنها تقلم أظافر حزب الله حتى لا يقوى على صدِّ أي هجومٍ "إسرائيلي" عليه، أي أنه من زاوية منطق القرار فإن "إسرائيل" والقوة الدولية تقفان في جانب، وحزب الله في الجانب الآخر، فأصبح المعتدي المغتصب هو الذي يتمتع بحماية الشرعية الدولية لعدوانه واغتصابه، بينما أصبح الطرف المقاوم لهذا العدوان هو الإرهابي الغادر.

 

وهناك مسرح ثالث للقوة الدولية لا يقل بؤسًا وإيلامًا في ساحة عربية ثالثة، وهي دارفور، حيث تصر واشنطن على أن القوة الدولية الهائلة هي التي سوف توقف الصراع وتقهر قوات الحكومة ما دامت واشنطن ترى أن هذه القوات هي سبب الشقاء الإنساني في دارفور، أي أن القوة- بما لها من صلاحيات في ضوء القرار 1706 الصادر متزامنًا مع القرار 1701، والتي سوف تستولي على دارفور- هي المطلب الملح لواشنطن التي تستغرب معارضة السودان، وهو أمرٌ في ذاته يدعو للغرابة من الإلحاح الأمريكي على نشر هذه القوة والتي يصفها السودان بحق بأنها قوة احتلال.

 

والسؤال الذي يلح بعد هذه الخلفية هو: هل هذه القوة المقترحة قد تلاشت فكرتها أم أنها خبت مؤقتًا ولا يزال مبرر طلبها قائمًا؟

 

السؤال الفرعي هو هل هذه القوة تحقق المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، وأن المجتمع الدولي يعرف مصالح هذا الشعب أكثر مما يعرفه، ومن حقه بهذه المثابة أن يفرض عليه بالقوة وصايته وهيمنته؟

 

الظاهر أن فكرة القوة الدولية لاعتقال زعماء حماس لا تزال قائمة وأسباب استمرارها حتى لو بدت على السطح خافتة، لا تزال تلح على استدعائها.

 

وأهم هذه الأسباب يتعلق بأبو مازن و"إسرائيل"؛ ذلك أن أبو مازن، وإن خفت لهجته، لا يزال يعتبر حماس خارجةً عن الشرعية، وأنه يجب أن يحوز القوة اللازمة لقهرها أو الاستعانة بقوةٍ دوليةٍ لتحقيق ذلك، تمامًا كما حدث من قبل ولو بشكلٍ مختلفٍ في هايتي وسيراليون.

 

والواضح أن أبو مازن لا يزال يُفكِّر بعقلية استبعاد حماس، ولا يزال حريصًا على اتخاذ إجراءاتٍ استفزازية قاسية مثل منح المرتبات لموظفي فتح دون موظفي حماس وحل الميليشيات واعتباره قوة حماس (كتائب القسام والقوة التنفيذية) من الميليشيات السوداء التي استخدمت فيما أسماه الانقلاب على الشرعية، فضلاً عن أعمال الاعتقال والتنكيل في الضفة لعناصر حماس مما دفع قيادة حماس إلى التحذير من دفع الأمور إلى نقطة اللاعودة.

 

أما السبب الثاني للاعتقاد باستمرار شبح استدعاء هذه القوة فيتعلق "بإسرائيل" التي وعدت بأنهار من اللبن المصفى للشعب الفلسطيني في الضفة مثل رفع الحظر والمعونة وتخفيف القيود والحواجز والإغلاقات والاعتقالات ولكنها اشترطت لشهر العسل مع أبو مازن أن يبتعد تمامًا عن حماس وألا يُفكِّر في الحوار معها، أملاً في دفع أبو مازن إلى مزيدٍ من القطيعة مع حماس والتفكير الجدي في الخلاص منها مع تشديد الحصار على شعب غزة حتى إذا جاءت القوة الدولية كانت وظيفتها إنقاذ شعب غزة من اعتقال حماس له، وضرب التمرد وبسط سيطرة السلطة الشرعية على جزءٍ من الأراضي الفلسطينية، تمامًا مثلما أعلن القرار 1701 بشأن لبنان بأن هدف القوة الدولية هو نزع سلاح حزب الله والقضاء على سيطرته على جزءٍ من لبنان وتمكين الحكومة الشرعية في بيروت من السيطرة على كامل التراب اللبناني.

 

ولكن معطيات الموقف في لبنان حالت دون تنفيذ هذا التصور، وهو أمر يختلف في غزة من حيث تحالفات حماس الإقليمية المختلفة عن قوة تحالفات حزب الله.

 

والإجابة على السؤال الفرعي عندنا قاطعة في التأكيد على أن هذه القوة الدولية مؤامرة لدعم مخططات "إسرائيل" ضد الشعب الفلسطيني والقضاء على المقاومة، وذلك كله للأسف يجد شرعيةً في قرارات رئيس السلطة باسم الشرعية التي ارتكبت كل الجرائم باسمها.

 

إن المصلحة العليا للشعب الفلسطيني تتطلب الحوار البنَّاء بين كل طوائفه ورفض التدخل الخارجي ومعارضة فكرة القوة الدولية التي سوف يكتب التاريخ أنها وصمة عار وجريمة لا تستطيع المفردات أن تغطي على فظاعتها أو حتى سترها.

 

معنى ما تقدم أن الإجابة المباشرة على التساؤل الذي طرحه عنوان هذه المقالة هو: نعم.. لا يزال شبح ومخاطر استدعاء هذه القوة قائمًا ما دامت "إسرائيل" تتمنى أن ترى فلسطين بغير حماس أو مقاومة، وما دام رئيس السلطة لا يزال يعتبر حماس خصمًا عنيدًا وقويًّا يهدد استقلال قراره وقدرته على التواصل مع "إسرائيل" تحت عنوان عملية السلام.