- اسم الكتاب: الأديان وحرية التعبير.. إشكالية الحرية في مجتمعاتٍ مختلفة

- المؤلف: مجموعة من المؤلفين

- تحرير: رجب سعد طه

- تقديم: رضوان زيادة

- الناشر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان- القاهرة

- السلسة: مناظرات حقوق الإنسان (10)

- تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2007م

- عدد الصفحات: 480 صفحة من القطع الكبير

 

عرض وتعليق: أحمد التلاوي

الأزمات الثقافية تعتبر امتدادًا لحالة الأزمة السياسية والفكرية والحضارية الشاملة التي تعصف بالعلاقات بين الأمة العربية والإسلامية من جهةٍ وبين العالم الغربي من جهةٍ أخرى، وخلال هذه الأزمة التي تمر بمراحل متعاقبة قديمة في عمقها التاريخي منذ مرحلة الفتوحات الإسلامية إبَّان الدولة الأموية مرورًا بالحملات الصليبية وصولاً إلى العصر الحديث؛ فإنَّ الكثيرَ من القضايا طُرحت على بساط البحث ولا يزال الكثير منها عالقًا الآن.

 

ومن بين هذه القضايا قضية الحريات وحقوق الإنسان، وعلى رأسها مسألة حرية التعبير بمختلف الإشكاليات المرتبطة بها، وعلى رأسها قضية ازدراء الأديان في ظل ما فتحته من نقاشات الحوادث التي جرت في السنوات الأخيرة في الغرب الأوروبي والأمريكي بحقِّ الإسلام والمسلمين والعرب من انتهاكات وصلت إلى حدِّ تصوير الرسول- صلى الله عليه وسلم- بشكلٍ مسيء في الدنمارك والتطاول عليه وعلى الإسلام من جانب بابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر في ألمانيا، وكذلك الانتهاكات التي تُمارس بحقِّ العرب والمسلمين في أوروبا والولايات المتحدة.

 

وقد أثارت الاعتراضات الشعبية والرسمية العربية والإسلامية إزاء هذه الممارسات العديد من النقاشات حول بعض الموضوعات ذات الإلحاح في ظل الظروف التي يمر بها العالم العربي والإسلامي في هذه المرحلة، ومن بين هذه الموضوعات:

- الحدود الفاصلة ما بين حرية التعبير والمساس بالمقدسات.

- موقف الأديان السماوية وبخاصة الإسلام والمسيحية من مسألة الحريات.

 

وفي هذا الإطار يأتي الكتاب الذي بين أيدينا الذي يضم مجموعةً من الأوراق التي قدَّمها عددٌ من الأكاديميين العرب والغربيين في بعض الحوارات وورش العمل التي نظَّمها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان ما بين العاصمة الدنماركية كوبنهاجن والعاصمة المصرية القاهرة حول هذه القضايا في محاولةٍ لفهم طبيعة الجدل الذي ثار حول قضية الرسوم المسيئة للرسول- صلى الله عليه وسلم- والإساءات الغربية المتواصلة للإسلام والحضارة الإسلامية، والكيفية التي ينظر بها الآخر الغربي لهذه الأمور بشكلٍ مقارن مع وجهة النظر العربية والإسلامية في هذا الموضوع.

 

وقبل مناقشة ما جاء في الكتاب على أهميته، فقد وجب الإشارة إلى أنَّ المحور الرئيسي الذي ناقشته هذه الحوارات كانت قضية الرسوم المسيئة التي نشرتها جريدة الـ(يلاندز بوستن) الدنماركية قبل ما يزيد على العام ونصف، وأعادت بعض الصحف الأوروبية والعربية نشرها فيما بعد، وأثارت سجالاتٍ واسعة واحتجاجات في مختلف أنحاء العالم كان يجب ألا تُطرح لمناقشة ثنائية الاتجاه في ظلِّ مساس هذه القضية بأحد أقدس مقدسات المسلمين، وأهم رمز من رموز الإنسانية عبر التاريخ، كما اعترف الغرب ذاته على لسان المنصفين من مؤرخيه ومفكريه وعلى رأسهم جوته وهيمنجواي وغيرهم الكثيرون.

 

ولكن مركز القاهرة آثر في منهج إعداد هذه الحوارات والكتاب الذي تضمنها أنْ يعتمد على نقاشات ثنائية في وجهات النظر حول هذه القضية والإشكالية التي تعبِّر عنها ربما في محاولةٍ لقراءة جديدة للعقل الغربي بعد سنوات من أحداث 11 سبتمبر 2001م في محاولةٍ لدراسة تأثيرات الآلة الإعلامية الصهيونية والأمريكية وفعلها في هذا الإطار بعد سنواتٍ من محاولات التشويه التي تعرَّض لها العربي والمسلم والإسلام دينًا وحضارة؛ استغلالاً لهذه الأحداث التي لا تزال غامضةً في حكم التاريخ.

 

حرية التعبير وأزمة الرسوم

الفصل الأول من الكتاب جاء بعنوان: "إشكالية حرية الرأي والتعبير وأزمة الرسوم الدنماركية"، وتناول مجموعة من وجهات النظر المتباينة حول الأزمة التي أثارت نقاشات عميقة بين الغرب والعالم العربي والإسلامي.

 

وقد تناول الكُتَّاب العرب- ومنهم بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة والدكتور رضوان زيادة مدير مركز دمشق لحقوق الإنسان- الأزمةَ من وجهة النظر العربية والإسلامية التي ترى فيما حدث أمرًا غير واردٍ تحت بند حقوق الإنسان والحريات بل يتجاوز ذلك إلى نطاق الخروج عن حدود حرية الرأي والتعبير إلى نطاق الإساءة والتحريض عليها والعنصرية ضد الإسلام ومعتنقيه.

 

على الجانب الآخر ناقشت آجنس كالامارد رئيسة منظمة تعرف باسم منظمة المادة 19 الأوروبية المعنية بقضايا حرية الرأي والتعبير الأزمة من منطق قضية حرية التعبير والرأي وتقاطعها مع المقدس طارحةً وجهة نظرٍ غربية لا تلق قبولاً لدى الكثير من أبناء العالم العربي والإسلامي؛ إلا أنَّ كالامارد عندما ناقشت قضية الرسوم وغيرها أقرَّت أنَّ القانون الدولي والإنساني أقرَّ في كثيرٍ من الأحيان تقييد حرية التعبير والرأي في حدودٍ ضيقة لحماية حقوق الآخرين (النظام العام)، وبتطبيق هذا المبدأ على أزمة الرسوم الدنماركية نجد أنَّ القانون الدولي ذاته يُحرِّم ما جرى ويجرمه على اعتبار أنَّه مساسٌ بعقائد وحقوق الآخرين؛ فالمادة (2) من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية تقول إنَّه: "تُحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكِّل تحريضًا على التمييز أو العداوة والعنف"، وهو المبدأ الذي استندت إليه المحكمة الأوروبية وهي تضع شروطًا ثلاثةً لإجازة بعض القيود على حرية التعبير، ومن بينها شرط توافر الاعتبارات الديمقراطية داخل المجتمع.

 

الإسلام وحرية التعبير

الجانب الأهم من الكتاب هو ذلك الذي عبَّر عنه الدكتور رضوان زيادة وبعض الأقلام العربية الأخرى التي شاركت فيه، وهو ذلك المتصل بمسألة موقف الإسلام من قضية الحريات وحرية التعبير بالذات؛ فالدكتور زيادة لاحظ أنَّ الكثيرَ من الأطراف الموجودة في عالمنا العربي والإسلامي كثيرًا ما تنتهج- باسم الدين أو حتى بعيدًا عن الدين- نهجًا يعتمد على الفردية والافتئات على حقوق التعبير.

 

وهو أمرٌ يؤذي صورة الإسلام في الغرب وأمام المجتمع الإنساني الذي لم يستنير بعد بنور الإسلام، بينما هذا الدين الحنيف حمل في كثيرٍ من ثناياه العديد من النصوص الإلهية والنبوية التي تحض على التفكير والتسامح وقبول الآخر.

 

فالقرآن الكريم وردت به العديد من الآيات التي تتحدث عن ذلك ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾ [سورة الحجرات]، وقال تعالى أيضًا: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾ [سورة النحل]، وعلى هذا النحو تسير تعاليم الإسلام في مختلف القضايا التي تتعلق بالحريات وبالذات فيما يتعلق بحرية الاعتقاد والحوار بين مختلف الأطياف التي يضمها المجتمع المسلم.

 

فعندما اكتملت الرسالة في أواخر عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في الدنيا نزلت عليه الآية القرآنية الكريمة التي يقول الله عزَّ وجل فيها: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾، كذلك قال تعالى ﴿وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾؛ أي أنَّه حتى على مستوى قضية من أشد القضايا حساسيةً في الإسلام؛ وهي قضية الاعتقاد وضع فيها الله عزَّ وجل حكمًا واضحًا، فما الحال لو كان الحديث عن حقوقٍ سياسيةٍ ومدنية، فالأمر هنا محسوم في صُلب العقيدة الإسلامية.

 

إشكاليات

الفصل الثاني من الكتاب كان فصلاً سياسيًّا بامتياز؛ حيث تجاوز القضية الرئيسية التي عقدت في شأنها ورش وحوارات كوبنهاجن والقاهرة، وهي قضية الإساءات الغربية للإسلام والمسلمين ومقدساتهم إلى مناقشة مجموعة من القضايا الخاصة بمصر وقضية حرية التعبير المنتهكة في البلاد.

 

ولكن الانتقادات التي وجهتها مجموعة الأوراق التي تضمنها الكتاب في هذا الإطار تجاوزت هذا الإطار لمناقشة بعض القضايا الشائكة داخل المجتمع المصري، وعلى رأسها دور المؤسسة الدينية في الرقابة على العملية الإبداعية وحدود هذه الرقابة في مقابل مدى احترام العمل الإبداعي للحدود التي وضعها القانون الدولي والقانون والدستور المصريَّيْن للتعامُل مع مسألة احترام العقائد والأخلاقيات العامة للمجتمع المصري.

 

وفي هذا الإطار عاب على الكتاب أحادية نظرته لهذا الموضوع، وهو ما يخالف أبسط قواعد الديمقراطية التي ينادي بها الجميع في مصر؛ حيث كانت أغلبية الأوراق المنشورة لصحفيين ونشطاء من الطراز العلماني من أمثال صلاح عيسى وحافظ أبو سعدة، قدموا أوراقًا انتقدوا فيها مسألة رقابة المؤسسات الدينية على العمل الإبداعي، ووقوف مؤسسات مثل دار الإفتاء والأزهر الشريف والقضاء المصري في وجه التجاوزات العقيدية والأخلاقية التي تحفل بها بعض هذه الأعمال سواءً أكانت أعمالاً روائية أم سينمائية أو في مجال الفن التشكيلي.

 

فكتب صلاح عيسى عن مشكلة فيلم "المهاجر"، وكتب حافظ أبو سعدة عمَّا زعم أنَّه "وصايا دينية" على النشر، وهو ما خرج- أولاً- بالكتاب عن موضوعه الرئيسي، وثانيًا تجاوز الموضوعية المطلوبة عندما لم يستضف قلمًا من رموز وعلماء الدين في مصر للرد على ما طرحوه في أوراقهم.

 

والطريف أنَّ وجهات النظر التي طرحها الغربيون الذين شاركوا في كتابة الأوراق التي جرى عرضها عارضت بشدة أنْ تفتئت الأعمال الإبداعية أو أية قناةٍ أخرى للتعبير عن الرأي على الأديان والمقدسات بموجب ما ورد في أحكام المحكمة الأوروبية والمبادئ التي وضعها القانون الدولي سواءً في العهد الدولي لحقوق الإنسان أو في ميثاق الأمم المتحدة أو في العهود الدولية للحقوق الأساسية والسياسية والمدنية في شأن كيفية التعامُل مع المقدسات والأديان لتلافي أية مجالاتٍ للتوتر.

 

فالدكتور علي مبروك أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة ناقش قضية نصر حامد أبو زيد ودافع عنه ضمن هجومه غير المنطقي لما وصفه بـ"الوصاية الدينية على الحريَّات الأكاديمية"، بالرغم من أنَّ كل الجهات الموثوق فيها والمحايدة في مصر والتي حكمت بالفعل بخطأ الاتجاه الذي نحاه أبو زيد في تعامله مع القرآن الكريم؛ فالقضاء المصري قال كلمته أكثر من مرة في هذه القضية، وكذلك قال علماء الدين الثقاة قالوا كلمتهم في هذه القضية.

 

وعلى وجه العموم فإنَّ هذا الكتاب بكلِّ ما ورد فيه من قضايا وآراء خلافية بحاجةٍ إلى قراءاتٍ ومناقشاتٍ عديدة ومعمَّقة على مختلف مستويات الأورقة المدنية في مصر لمناقشة ما جاء به وتقديم البديل الذي قدَّمه الإسلام في مقابل الآراء التي طُرحت.