القارئ في التاريخ المصري وخاصةً عن عصور الاضمحلال، لا بد أن يتساءل عن حال الشعب في هذه الفترات الطويلة من التاريخ، وسيجد أن الأسباب الحقيقية لاضمحلال هذه العصور هي:

- ضعف الحكام

- تفشي الظلم

- اتساع الهوة بين الطبقات

- اتساع نفوذ رجال المال وتدخلهم في السلطة

- انهيار الزراعة والصناعة

- انتشار المجاعة والفقر والأمراض

 

هناك نموذجان في حقبتين مختلفين ولكنهما متشابهتان في الأسباب والنتائج؛ حيث أدَّى فيهما انهيار السلطة الحاكمة وتفشي الظلم والاستبداد والفقر والبطالة والمتاجرة بأقوات العباد إلى ثورةٍ اجتماعية قادها الجياع من أبناء الشعب المصري، فمهما تباعدت الأزمان فقد تتكرر المأساة، ولعلنا نستفيد من عبر ودروس الماضي في الحاضر والمستقبل؛ لأنني أثق في عبارة "ما أشبه الليلة بالبارحة".

 

ثورة الجياع في عصر الملك بيبي الثاني

 

عصر بيبي الثاني تميز بالفساد والانحلال

النموذج الأول كان في نهاية الدولة القديمة في العصر الفرعوني فيحدثنا التاريخ عن بداية انهيار هذه الدولة متمثلة في انهيار الأسرة السادسة، حيث كانت مصر يسيطر عليها ملك ضعيف هو الملك (بيبي الثاني)، الذي اعتلى العرش وعمره ست سنوات ولمدة 94 عامًا، وقد عرفت مصر في عهده الفساد والانحلال والانهيار والانقلابات، والحروب القبلية الأهلية، وتصارع حكام الأقاليم، بينما تقدمت القبائل البدوية من الشرق والغرب تغزو البلاد، وكانت الحكومة المصرية في تلك الأثناء ضعيفة؛ مما حدا بالشعب إلى القيام بثورة اجتماعية.

 

وكل ما لدينا من معلومات مدونة سجَّلها الحكيم والمؤرخ (إبور) في كتاب (صرخة نبي) ووصف هذا المؤرخ حال مصر للملك بيبي الثاني لعله يتعظ ويعرف ما وصل إليه حال شعبه فيقول له: "إن الناس قد جاعت وماتت من الجوع، ولأن الناس عاجزون عن دفن موتاهم فقد نشطت صناعة الدفن، والعاجزون عن الدفن كانوا يلقون الجثث في النيل حتى أصبحت التماسيح ضخمةً بسبب هذه الجثث.. ولم يعد يُستورد خشب الأرز من لبنان لصناعة التوابيت.. وهجم الناس على قبور الملوك.. وهجموا على طعام الخنازير فلم يعد أحدٌ يجد طعامًا.. وانقلبت الأوضاع في المجتمع.. ولم يعد أحدٌ يضحك.. وحتى الأمهات لم يعدن ينجبن.. والمرأة التي كانت ترتدي الكتان تمشي ممزقةً.. والتي كانت تملك المرايا لم تعد ترى وجهها إلا على سطح الماء، ولم يعد أحد يحترم الكبير ولا العالم ولا رجل الدين ولا أبويه..

 

وكان الناس يقولون: يا ليتنا متنا قبل هذا، وكانت الأطفال تقول: ولماذا أتوا بنا، واللصوص صاروا أغنياء، ولم يعد أحدٌ منهم في حاجةٍ إلى أن يتزوج، ففي فراشه كثيرات من بنات العائلات الغنية من أجل الطعام والشراب والمأوى، ولا أحد يخاف من رجال الأمن ولا النبلاء ولا الكهنة ولا الأسر المالكة كلها لم يعد لها وجود، إنها تتوارى أو تهرب أو تلقي بنفسها في النيل".

ووصف المؤرخ المصري الكبير سليم حسن هذه الثورة بأنها كالثورة البلشفية تمامًا.

 

ثورة الجوع... زمن المستنصر الفاطمي

النموذج الثاني كان في زمن الدولة الفاطمية، وبالتحديد في عصر الخليفة المستنصر الفاطمي؛ حيث أُصيبت مصر أيضًا بكارثةٍ ومجاعةٍ كبرى؛ ولذلك عُرفت بالشدة المستنصرية أو الشدة العظمى، وكان سببها اختلال النظام الإداري والفوضى السياسية وتزامن ذلك مع نقص منسوب مياه النيل ليضيف إلى البلاد أزمة عاتية، وامتدت هذه الأزمة لمدة سبع سنوات متصلة من (457هـ/1065م) إلى سنة (464هـ/1071م)، ووُصفت بأنها لم تشهد مصر لها مثيلاً منذ السنوات السبع العجاف في عصر سيدنا يوسف.

 

وقد أفاض المؤرخون فيما أصاب الناس من جرَّاء هذه المجاعة من تعذر وجود الأقوات وارتفاع الأسعا