بدأت الحكايات والروايات تُحاك حول حركة حماس منذ نشأتها، وكانت هذه الحكايات تصل إلى حدِّ اتهام حماس أنها صنيعةُ المخابرات "الإسرائيلية", وأخذ البعض- في محاولة لإظهار عبقريته الخفية- في تفسير أسباب مساعدة المخابرات "الإسرائيلية" في إنشاء حماس، بزعمهم أن ذلك كان لهدف محاربة حركة فتح، ولكنَّ الشاهد من التاريخ يقول إن حركة حماس هي من كانت تُحارَب حتى قبل ظهورها.

 

بدأت هذه الحرب على أصحاب فكر الإخوان المسلمين، والذين كانوا نواةً لحركة حماس فيما بعد منذ بداية الثمانينيات، فقد شنَّت فتح حربًا شعواءَ استهدفت الجامعة الإسلامية، والتي كانت معقل الإخوان المسلمين بغزة، وكان يشارك في تلك الحرب آنذاك ضد الإخوان المسلمين ما عُرف فيما بعد باسم أبو فادي "محمد دحلان"، ومن مظاهِر الاستغراب هنا أن الجامعة استُهدفت مرةً أخرى وأُحرقت في عام 2007 ومَن قاد هذه الحملة أيضًا كان محمد دحلان!!

 

وصلت هذه الحرب إلى اغتيال الدكتور إسماعيل الخطيب- المحاضر بالجامعة الإسلامية- ومحاولة اغتيال الشيخ صلاح شحادة، والذي اعتُقل في سجون الاحتلال بعد فشل محاولة اغتياله في أواسط الثمانينيات لمدة ثلاثة عشر عامًا؛ ليصبح بعد خروجه القائد العام لكتائب الشهيد عز الدين القسام.

 

لم تكن الحرب باليد والسلاح فقط، بل كانت أيضًا إعلاميةً، واشتملت على نشر الشائعات والسخرية من أصحاب اللِّحَى وأهل الدين.. كل هذا كان قبل ظهور حركة حماس كتنظيم على الساحة الفلسطينية، فهل كانت حماس هي مَن تهاجم حركة فتح؟!

 

استمرت هذه الحرب على حركة حماس ووصلت أوجَهَا في العام 1996 عندما اعتقلت السلطة- التي تقودها فتح- معظمَ عناصر حركة حماس، وخصوصًا جناحها العسكري، وقامت بقتل بعض قيادات العمل العسكري، ومنهم محيي الدين الشريف، ووصلت الحرب إلى فرض الإقامة الجبرية على الشيخ القعيد الشيخ أحمد ياسين في العام 1998.

 

اشتدَّت الحرب على حركة حماس وأخذت طابعًا دوليًّا، وكانت رأس هذه الحرب هي حركة فتح بقيادتها، والتي وصلت في نهايتها إلى اتخاذ قرارٍ بقتل كلِّ مَن يمكن الوصولُ له من حركة حماس، بل وحتى قتل كلّ من له لحية أو في مظهره شيء من التديُّن!!

 

السؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه المقدمة هو: لماذا هذا العَداء؟ هل هو بسبب اختلاف في وجهات النظر؟ هل هو بسبب رؤية فتح أن المفاوضات مجدية في حين تراها حماس غير مجدية؟!

 

إن المتابع لتاريخ عداء فتح لحركة حماس يعلم أن هذا ليس سبب العداء، ففتح تشنُّ حربًا على حركة حماس حتى قبل أوسلو، وحتى قبل ظهور حركة حماس كتنظيم على الساحة الفلسطينية، وأنا أرى أن هجوم فتح المستمر على حركة حماس له عدة أسباب:

أولاً: عدم رغبة حركة فتح أصلاً في تحرير فلسطين، برغم أنها نشأت في العام 1965 لتحرير فلسطين، وإن كان هذا فقط شعارًا يُرفع دون العمل به، ودليل ذلك أن فتح مليئة بالأكاذيب والافتراءات، حتى العمليات والبطولات الوهمية التي لم تحدث أصلاً، ودليل ذلك أيضًا الحقد الشديد الذي تحمله حركة فتح ضدَّ كلِّ من يحاول تحرير الأرض، ومن ذلك كراهية فتح لبعض التنظيمات، مثل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة وفتح الانتفاضة, ففي سيرة حياة حركة فتح لم تكن هناك حربٌ فعلية، وحتى بعض العمليات كانت بطوليةً بسبب بعض الأشخاص المخلصين.

 

أما الحروب الحقيقية فلم تحدث، ومثال ذلك حرب عام 1982 وهي حرب لبنان؛ حيث سقط الجنوب كله دون إطلاق رصاصة واحدة من فتح، والذي يثبت ذلك أن فتح لم تُغيِّر هذا النهج، فالحاج إسماعيل- الذي كان المسئول العسكري لفتح في جنوب لبنان إبَّان الاجتياح "الإسرائيلي" والذي ترك الجنوب وهرب- أصبح القائد العام لقوات الأمن الوطني في الضفة الغربية؛ ولذا لا نستغرب من أن الضفة تستباح يوميًّا من قوات الاحتلال دون تدخُّلٍ من قوات الأمن الوطني هناك.

 

ثانيًا: لم ترغب فتح في أن تُظهِرَ حقيقة الصراع مع "إسرائيل", فهو ليس صراعًا على الأرض، بل هو صراعٌ عقائديٌّ، وظهور حقيقة هذا الصراع فيه خطرٌ كبيرٌ على فتح كتنظيمٍ، فهي مَن تُنادي بالعلمانية، والتي بعد أن ظهر جزءٌ من حقيقة هذا الصراع واتضح للمسلمين، أخذت تنفي عن نفسها أيَّ اتجاه أيديولوجي، سواءٌ كان علمانيًّا أو اشتراكيًّا, فكيف يكون هناك تنظيمٌ ما دون أيديولوجيا معينة؟!

 

ثالثًا: إن ظهور حماس والمقاومة فيه خطرٌ كبيرٌ على مصالح فتح، والتي تتمثَّل في النهاية في مصالح بعض الأشخاص، الذين كانوا يسيطرون على أموال الشعب الفلسطيني وعلى التبرُّعات المقدَّمة له، بزعم أنهم من يمثِّل هذا الشعب, وهذا الخطر يتمثَّل في ذهاب أكثر هذه الأموال إلى وجهتها الصحيحة، في محاربة العدو وبناء الوطن، وهذا فيه ضياعٌ لثروات كان من المفترض أن تذهب إلى وجهات أخرى، مثل جيب فلان والحساب البنكي لفلان!!

 

رابعًا: إن ما جرى من عودة السلطة إلى غزة وأريحا في العام 1994 لم يكن تحريرًا كما يتشدَّق البعض به، بل كان انسحابًا للعدو من التجمعات السكانية، وترك إدارتها ومشاكلها لمن ينوب عنه، واحتفظ بالسيطرة الأمنية عليها عبر التنسيق الأمني مع السلطة وأجهزتها الأمنية، واحتفظ بكافة الامتيازات الاقتصادية عبر سيطرته على الجمارك والمعابر كلها, واحتفظ حتى بسيطرته الاستخباراتية عليها عبر منع متابعة العملاء بالاتفاق مع السلطة.

 

خامسًا: هناك تحالف إستراتيجي بين مصالح فتح ومصلحة "إسرائيل"، وهذا يدفعها إلى محاربة أعداء "إسرائيل" من منطق "عدوِّ صديقي عدوِّي"، وهذا يدفعها حتى إلى التخلُّص من أعضائها الذين يرَون أن مهمة فتح تحرير فلسطين، كما حدث مع أبو جهاد وأبو إياد، وكما حدث مع صقور فتح وبعض قيادات وعناصر كتائب شهداء الأقصى، ومن لم تتخلَّص منه بالقتل- سواءٌ بيدها أو بيد "إسرائيل"- تقوم بفصله من الحركة كما حدث مع الشيخَين إسماعيل أبو القمصان وجمال أبو سمهدانة، واللَّذان استُشهدا فيما بعد بيد "إسرائيل" بعد فصلهما من فتح برغم فوز الأخير في انتخاباتها!!

 

كل هذه النقاط توضح أن عداء فتح لحركة حماس هو عداءٌ عميقٌ متصلٌ.. هو عداءٌ يمثل فلسطين وأعداءها، وهذه الصورة أصبحت تتضح يومًا بعد يوم للأمتَين العربية والإسلامية، تلك الصورة لم يبقَ على انبلاجها بالكامل إلا القليل القليل، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.

------

كاتب فلسطيني.